الشيخ زبن بن جديع الحنيني السالمي الحربي

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ زبن بن جديع الحنيني السالمي الحربي
الشيخ زبن بن جديع الحنيني السالمي الحربي

رحم الله الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، ذلك الرجل الذي بنى هذا الكيان الكبير المملكة العربية السعودية. ومهما تعمق الكتاب والباحثون في شخصيته، لا يستطيعون أن يلموا بجوانبها ومكنوناتها، لأنه شخصية فريدة وعبقرية مميزة، وقد سبق عصره بمئات السنين في شجاعته وفروسيته وعقله وبعد نظره وسعة أفقه، واحتواء الرجال وتقدير مكانتهم وإنزالهم منازلهم. ودراسته لكل عمل بطولي يقوم به أو يعزم عليه ويصمم على تنفيذه، وقد برز كل ذلك في أي موقف له من مواقف البطولة في ملحمة توحيد البلاد ولم شتاتها وتوحيد أركانها.....

وأقرب ما يمكن ذكره من ذلك عندما عزم على ضم المدينة المنورة إلى دوحته الكبيرة، وهو قادم إلى الحجاز في عام 1343 هـ، متوجها إلى مكة المكرمة، وبرفقته كبار رجالاته المخلصين حوله، ومن حملة الألوية من مختلف الهجر والقبائل. وقد دخل مكة في صورة مهيبة، محرفا ومهللا ومكيرا، وهاجس المدينة النبوية في ذهنه. وقد وضع لدخولها خطة عبقرية لا يزال علماء التاريخ ورجال الخطط العسكرية يقدرونها ويعتبرونها من قمم العبقرية العسكرية لرجل خبير بدراسة الزمان والمكان، وقتا وقدسية وتاريخا، واحتراما لهذه المدينة النبوية العظيمة .... رأي الملك عبد العزيز أن يكتفي جيشه الذي أرسله إلى المدينة بحصارها دون إراقة نقطة دم فيها لدخولها، ولذلك صدرت تعليماته لقائده صالح بن عدل بالتوجه إلى الشمال جهة الحناكية وخيبر والعلا لقطع الإمدادات عن المدينة من أي هجوم عسكري، وأصدر أوامره بحصار المدينة بجيش يقوده في قباء والعوالي قائدة (الفرم)، وفي العيون والحرف إبراهيم النشمي وزين بن جديع). واختيار للقرم في العوالي وابن جديع في العيون والحرف لأنهما موثوق فيهما من ناحية، ومن ناحية أخرى لوجود قبائل بني علي الحربية في العوالي، وهم جماعة الفرم الحنانية من حرب، وهم جماعة ابن جديع). وهذا يدل على عمق في الدراسة ودقة في التخطيط، ومعرفة الملك عبد العزيز بالأماكن والمواقع والقبائل والرجال الذين لهم تأثير وقوة هيمنة على قبائلهم......

في الثامن عشر من شهر شوال من عام 1343هـ، وردت إلى القائد إبراهيم النشمي) رسالة جاء فيها: من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب المكرم إبراهيم النشمي سلمه الله أمين / السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مع السؤال عن أحوالكم لا زلتم بخير أحوالنا يكرم من الله جميلة بعد الخط المكرم وصل وما عرفتم كان معلوم خصوصاً توجه صالح وتلزيمه لكم بطرفكم. فيكم إن شاء الله البركة والسداد، ونصحكم وجهدكم وشفقتكم على الأمور التي فيها مصلحة للمسلمين. فلا شك في ذلك عندنا، والاعتماد على الله ثم
عليكم. وأنت عوض النفس.....

ومن طرف زين بن جديع كتبنا له خط يمكث عندك ويجري على ما ديرته عليه وحرصناه على الاتفاق معك وعدم الخروج عن شوفتك حسب تعريفك بذلك. وأسأل الله أن يجعل البركة في الجميع ويوفقكم لما فيه الخير والصلاح للإسلام
والمسلمين. وإن شاء الله تحرصون على الحزم والهمة الطيبة.....

من هذا الخطاب يتضح البرنامج الذي رسمه رحمه الله، وصور القيادة بين القائدين النشمي وابن جديع، والأهمية التي لمح إليها لوجود ابن جديع بجانب النشمي لإتمام المهمة بصورة واضحة جلية....

والقائد زين بن جديع هو رجل من رجال الملك عبد العزيز نال ثقته في مواقفه العديدة مع الملك عبد العزيز في كافة الأكوان) والمعارك والأحداث. كما أنه شيخ قبيلة الحنانية من بني سالم من حرب، وتحظى قبيلته بمكانتها المرموقة ومواقفها في جميع أحداث المنطقة. كما أن الحنانية)، الذين هم قبيلة ابن جديع لها قدرها ومكانتها، ومن هنا تم اختيار القائد زبن بن جديع للمشاركة في الحصار من الجهة الشمالية للمدينة، فهو قائد ومستشار وسفير قبيلته
التي يحاصر الجيش السعودي المدينة في جهتها..... ويتضح من تعزيز قيادة النشمي بالشيخ ابن جديع أن لابن جديع مواقف يعرفها الملك عبد العزيز خلال مشاركته ضمن جيشه وقيادته في معارك التوحيد فلواؤه أحد الألوية التي شاركت في معركة السيلة وغيرها من المعارك في الحويظ وياطب والقرعة وبقية المواقع من أطراف حائل والقصيم، وقد ذكرت وثيقة مكتب سلاح الجو البريطاني في الأردن أن جيش الملك عبد العزيز بقيادة الشيخ هندي الذويبي، وعواد بن مضيان، وحجاب بن نحيت، وزين بن جديع الحنيني، وعبيد الزغيبي، ومتعب بن نافع هاجموا شرق الأردن وأحرزوا انتصارا لافتاً في ذلك الهجوم ورسموا صورة قوية لدولة الملك عبد العزيز الناشئة أمام
الدول الكبرى في ذلك الوقت......

وقد ذكر المؤرخون الذين كتبوا عن مسارات الملك عبد العزيز وهو يخوض معارك التوحيد أن لواء هجرة (الدليمية) الذي يرفعه الشيخ زين بن جديع الحنيني السالمي الحربي)، كما ذكره الزركلي في كتابه شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز، ذكر أن زبن بن جديع أمير لواء هجرة الدليمية كان من كبار الركب الذين رافقوا الملك في أول رحلة لجلالته من الرياض إلى مكة. المكرمة. واستطاع ذلك البطل زين الحنيني أن يثبت وجوده كقائد وحامل لواء وشيخ قبيلة أمام رجال الملك عبد العزيز الذين رافقوه وأثبتوا ولاءهم ووطنيتهم
وصدق بيعتهم لذلك القائد الملهم والعبقري الفذ....

ولمكانة الشيخ زين بن مقبل بن شائع بن جديع السالمي الحربي المولود عام 1299 هـ، التي حظي بها لدى المؤسس، منحه هجرة الدليمية في عام 1335 هـ. الواقعة على بعد 100 كيلو غربا من مدينة بريدة على الطريق الرئيسي الممتد من القصيم إلى المدينة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الدليمية هجرة ابن جديع وجماعته يحمل لواءها وارتبطت باسمه وصارت حاضرة من حواضر القصيم
يسكنها الحنانية وبعض عشائر حرب وغيرهم. لقد ورث الشيخ زين بن جديع مشيخة قبيلة (الحنانية) من حرب من والده الشيخ مقبل بن شايع بن جديع، الذي كان شيخا للقبيلة وعرفه الناس بالحكمة والفصل بين القبائل وحل مشاكلهم. فهو وريث بيت فروسية وقيادة وحكمة، وقد أقره
الملك على مشيخته وقيادته، ونال ثقته بشجاعته وحكمته وبعد نظره....

وبعد ذلك الظهور والتألق والإخلاص، وفي عام 1364هـ، توفي صاحب الدليمية وشيخ الحنانية، زبن بن جديع رحمه الله رحمة الأبرار، وأدخله فسيح جناته. وتلقى أبناؤه وجماعته رسائل وبرقيات التعزية في ذلك القائد الكبير من الملك المؤسس وكبار أبنائه ورجالات الدولة، وصدرت الأوامر العليا بإسناد رئاسة الدليمية والقبيلة إلى ابنه محمد بن زين، الذي عرف عنه الرجولة والصلاح وحب الخير للناس والسماحة في القول والعمل، وقد كرس جهوده في الولاء لدولته ولقائده، وتقدم بهجرة قومه الدليمية حتى صارت من كبريات هجر حرب في القصيم، واتبع مسار والده في النخوة والبطولة وحسن التصرف. وبعد خدمة 30 عاما، أتاه الأجل المحتوم وتوفي في العام الهجري 1399، رحمه الله، وخلفه أخوه عبد الله بن محمد بن زين، الذي سار على نهج والده وأخيه في الإدارة
والقيادة حتى تقاعد عن العمل في عام 1411هـ.

ولمكانة هذه الأسرة العريقة ومواقفها المشرفة، صدرت الموافقة السامية بترشيح الشيخ زين بن عبد الله بن زين بن مقبل بن شايع بن جديع رئيسًا لمركز الدليمية وشيخا للقبيلة، والشيخ زين بن عبد الله بن جديع يسير في إدارته وقيادته سير آبائه وأجداده إخلاصا وولاء وخدمة ورجولة وشجاعة وحسن قيادة. ويعتبر ركنا من أركان قبيلة حرب وله المواقف المشرفة في بذل المعروف وفي حل المشاكل القبلية، وله المساهمات الواضحة في محاولات عتق الرقاب، كما يعتبر مجلس ابن جديع الحنيني السالمي الحربي عموماً من المجالس العريقة التي تحتفظ بتاريخ الرجال وشهامة ذوي المروءات وجابري العثرات ويتكئ على إرث عظيم في مواقف وأحداث وشجاعة ووطنية من الآباء والأجداد رحمهم الله
تعالى وبارك في ذراريهم وزاد من توفيقهم......

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.