أي بني..

محمد بن صالح البليهشي

قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة
قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة

أي بني..

تلقيت يوم أمس مكالمتك الهاتفية التي تنقل لي فيها رغبتك ورغبة. أصدقائك لكي أحدثكم عن الحج ومصاعبه والاستعداد له وركب الحج. المدني ومكالمتك هذه يا بني لم تستغرق منك إلا بضع ثوان استطعت بواسطتها أن تقول ما تريد في هذا العصر الذي احتل فيه 1 الكمبيوتر» قمة الحضارة وصار بوسع الإنسان في مجال الاتصال أن يتحدث إلى أي جزء من العالم بعد تطور وسائل الاتصال والتي كانت . بدايتها في العاشر من الشهر الثالث من سنة 1876م عندما اتصل ) الاسكندر جراهام بل مخترع التليفون بزميله توماس أ. واطسون قائلا له : داريدك هنا يا مستر واطسون.. أحضره ولم يكن التليفون هو اهتمام اسكندر بل» الأصلي بل كان الصمم هو الموضوع الأصلي الذي شغله وشغل والده من قبله ولذلك حاول «بل» أن يرسل تياراً كهربائياً . دا شده تذبذيفية تتحكم فيه على التوالي موجات صوتية منعكسة فصنع «طبنة» رفيعة من الحديد تهتز عند استقبالها للموجات الصوتية كما تفعل طبلة الأذن تؤثر الاهتزازات في الحقل المغناطيسي لقضيب مغناطيسي وهذا يؤثر بدوره في سلك متصل على بعد ما بالة مسجلة. بها طبلة جديدية مماثلة للتي في الجهة الأخرى فتتلقى الاهتزازات وتكرر الموجات الصوتية الأصلية.....

هذا ما قرأته في كتاب أحداث شهيرة من التاريخ وقلت وأنا أتلقى مكالمتك والكتاب بين يدي سبحان الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له . مقرنين .. ها هو العالم يتطور وها هو الاتصال بلغ شأنا لا مثيل له في نقل الصورة والخبر وتمنيت لو أن تلك الصور التي أنقلها لك ولزملائك يا بني عن الماضي بأحداثه ومسمياته قد لحقها هذا التطور في تسجيل. الأحداث خيرا وصورة في عالم الاتصال ... لو كان ذلك كذلك لكفانا مؤونة نحن المؤرخين والكتاب كل هذا العناء في الكتابة والبحث وبذل الجهد لإعطاء بعض ملامح الصورة.. ومن يدري لعل الأجيال القادمة تجد في متناول يدها في أي وقت تشاء أحداث العالم وتواريخ الشعوب بعاداتها وتقاليدها وحتى ادوات الطهي ودواليب الملابس تجد كل ذلك في أشرطة فيديوه تباع في سوق حراج الخردة، أو تجد شيئا من ذلك بجوار الكتب العلمية والتاريخية على أرفف المكتبات بحيث لهيا تلك الأشرطة للبقاء مئات السنين.. وعند ذلك يا بني قد يضع المؤرخون والكتاب أقلامهم ولن يجدوا من يقرأ لهم لو كتبوا...

أي بني... سألتني عن الحج والاستعداد له وركب المدينة للحج وأنا لم . أعاصر ذلك الركب ولكنني أنقل لك عن جدك الذي عاصر تلك الأيام ولا يزال يتذكر تفاصيلها وأنا يابني قد أقصر في نقل الصورة للحج وما يلزم له من استعداد لذلك الركب ولكن كما يقولون الأمثال : «حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق والذي جعلني أذكر التطور الهائل الذي لحق بمجال الاتصالات في هذا العصر هو ما تمنيت أن أراه في ذلك الركب وغيره.... تمنيت أن أرى الشقدف والهودج، وتمنيت أن أرى الركب بما . يضم من رجال ونساء وصبية وما معه من دواب كالجمال والخيل والحمير ... تمنيت أن أرى زاد كل راكب واسمع صوت المزهد، بالهاء المشددة المكسورة وماذا يقول النجاب.. كثيرة هي الأشياء التي سوف تراها الأجيال اللاحقة عنا إذا قدر الله تطور هذه الحضارة وسخرها الإنسان لخدمة الحياة والتاريخ.

أيها الابن العزيز كان الحج كما يصفه جدك يحفظه الله بعد ضرباً من المغامرة خاصة لمن كان يحج بمفرده وهذا أمر محال فالطرق وعرة والمواصلات معدومة والخوف يضرب أطنابه في أي مكان يحل الحاج فيه أو يرتحل وهذا ما يحتم على أهل المدينة الحج سويا في ركب معين ويذكر جدك بأن والده لما أراد الحج قام بشراء ذلول بيضاء اللون في شهر شعبان وبدأ يهتم بتغذيتها ونظافتها حتى تحسن حالها وصارت على درجة كبيرة الخرج من القوة والتحمل وفي يوم الرحيل قام بوضع الشداد على تلك الذلول وتم فرش الجاعد بعد أن علق الكبير بطرفيه على ظهرها حيث تتدلى الكتل الملونة المسماة «السفايف وتكاد هذه تلامس الأرض وتضفي على الذلول وراكبها الكثير من الجمال والإشراق وتعلق أيضاً «الصفنة» من الجهتين وهي أصغر من الخرج وجميعها من الصوف كما أن السفايف أيضاً من الصوف الملون الأحمر والأسود والأزرق ويتم وضع الأشياء الضرورية في الصفنتين لقربهما من الراكب أما الأخرى فتوضع في الخرج يضم الخاء وسكون الراء والجيم.. وعادة يمسك راكب الذلول أو المطية بلجامها أو برستها كما يمسك بيده الأخرى خيزرانة، أو عصا طويلة يحث بها المطية» أو الدلول على المشي إذا أراد إسراعها أو إناختها. في أي مكان.. كما أن القرية» بكسر القاف وسكون الراء أو «البدرة. تعلق تحت الخرج والبدرة أصغر من القرية يبرد بها الماء وهي مصنوعة من جلد الماعز أو الضأن بعد ديقه والطريق من المدينة إلى مكة تستغرق للأبل ثمانية أو تسعة أيام وبها ثلاث عشرة مرحلة هي على
النحو التالي:
المرحلة الأولى : من المدينة إلى الفريش والثانية : من الفريش إلى المسيجيد والثالثة من المسيجيد إلى الرويثة والرابعة من الرويلة إلى الآثاية والخامسة من الاثاية إلى الحفاة والسادسة من الحفاة إلى القاحة والسابعة من القاحة إلى ودان والثامنة من ودان إلى رابع والتاسعة من رابع إلى قديد والعاشرة من قديد إلى خليص والحادية عشرة من خليص إلى عسفان والثانية عشرة من عسفان إلى الجموم والثالثة عشرة من الجموم إلى مكة المكرمة.. وقد يختصرها بعضهم إلى عشر مراحل وقد تختلف المسميات المذكورة بين وقت وآخر وهذه المراحل لمن سافر إلى مكة المكرمة عن طريق درب الحاج أو الطريق
السلطاني كما يسمونه...

وهناك طريق آخر بعد المسيجيد يتجه إلى بدر فمستورة فرايغ فالقضيمة ثم إلى مكة المكرمة ويسلك بعضهم طريقاً ثالثا يسمى الطريق الفرعي وهو طريق وادي الفرع وهذا يمتد من المدينة فآبار الماشي فاليتمة فالشفية فالريان فالمضيق فأم العيال فأبي ضباع مرابع فالقضيمة ثم إلى مكة المكرمة، وجميع هذه الطرق كانت محاطة بالأخطار والمتاعب الجسام وتستغرق الرحلة إلى مكة المكرمة كما قلت سابقاً تسعة أيام ذهاباً ومثلها في العودة إلى المدينة وسبعة أيام بين مشاعر الحج وبذلك قد يصل الحاج إلى المدينة بعد خمسة وعشرين يوما أو ثلاثين يوما منتهيا من حجه هذا لمن حج من المدينة المنورة فما بالك بمن كان يحج من نواحي نجد وهجر واليمن مثلاً؟ ما بالك بمن كان يحج من الشام أو تركيا أو شمال أفريقيا ؟ ما بالك بمن كان يأتي إلى الحج من جنوب شرق آسيا وأدغال الصين في تلك الأيام ؟! لقد حدثني يابني رجل من أندونيسيا بأن الحاج الذي كان ينوي الحج من هناك تستغرق رحلته إلى هذه الأراضي المقدسة سنة كاملة يستغرق منها قرابة ستة أشهر حتى يصل إلى
المدينة المنورة وقد أدركنا بعض حجاج من جنوب شرق آسيا يأتون إلى الحج في شهر رجب من كل عام ومع طول الطريق في البحار والمتاعب الجمة وعناء السفر يتعرضون لأخطار السلب والنهب والقتال، إنها معاناة ومصاعب جمة لا تصدقونها لأنها قد انتهت بحمد الله وبفضل الله سبحانه وتعالى ثم يفضل هذه الدولة المسلمة الدولة السعودية التي أقامت شرع الله وهيأت للمسلمين كل وسائل الراحة ليؤدوا هذه الشعيرة في يسر وسهولة، يأتون إلى هذه الديار ولا يخافون أحداً إلا الله سبحانه وتعالى، يأتون إلى هنا فيجدون السبل آمنة والطرق معبدة والأرزاق متوفرة والماء بارداً ومواطن العيادة من المساجد تظللها السكينة ويأتيها الهواء المبرد والماء البارد والنظافة التي لا مثيل لها والعيون الواعية الساهرة على الأمن والأمان يجدون اللطف في المعاملة وحسن الاستقبال والحرص على مصالحهم وسلامتهم وصحتهم، انتهت تلك المصاعب بحمد الله وصارت خيالا لا تصدقه يا بني وجيلك لأنكم تعيشون ونعيش نحن وينعم حجاج بيت الله بهذه النعم تحت مظلة هذا الأمن الوارف الذي يوجب علينا الشكر لله سبحانه وتعالى أولا ثم لهذه الدولة السعودية الرائدة والحامية المقدسات الإسلام والمسلمين .. يوجب علينا الشكر لخادم الحرمين الشريفين الذي جعل من المسجد الحرام أو المسجد النبوي الشريف ومشاعر الحج وجميع المساجد من المآثر الإسلامية الخالدة مفاخر إسلامية يعتد بها وصارت دررا في جبين الحضارة الإنسانية المسلمة تؤكد قوة الإسلام وأصالة الأمة الإسلامية على مر العصور والأيام.

أي بني .... نسيت أن أقول لك بأن الذلول أو المطية هي الراحلة من الإبل جملا كان أو ناقة التي يمتطيها الراكب في سفره أما الجاعد. ونوعيته والصفنة والخرج وأخواتها والسقايف والخيزرانة والمشعاب فهو ما أشرحه لك في رسالة قادمة مستقلة لهذه المسميات وغيرها كما أنني أعدك يا بني في الرسالة القادمة بحديثك عن الركب المدني إلى الحج وكيف يتم ذلك الركب وعن شيخ الركب والحادي والمزهد . بضم الميم وفتح الزاء وكسر الهاء المشددة - والبواردية الذين يكونهم شيخ الركب لحمايته.. وعن الهودج والشقدف والشبرية إلى غير ذلك مما يضم الركب المدني إلى الحج فإلى اللقاء في الرسالة القادمة والسلام.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.