وادي خضرة .. التسمية المباركة

محمد بن صالح البليهشي

وادي خضرة .. التسمية المباركة
وادي خضرة .. التسمية المباركة

صلى الله وسلم وبارك على نبي الأمة وسيد الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف النبي الكريم الذي أبان الحق ودحر الباطل وصاغ بإرادته سبحانه أمة الإسلام على أسس العقيدة الغراء والمحجة البيضاء، والذي كان خلقه القرآن عبادة وسلوكا ومنهجا وعقيدة، هذا النبي الذي أزال كل شوائب الشرك والضلال عن أمته وغرس فيها مكارم الأخلاق وكان قوله وفعله وسلوكه وإقراره منهاجا يحتذى وعقيدة تتبع وهديا للأمن والرشد والصلاح والإصلاح.

نبي الأمة الذي كان يعجبه الفأل الحسن وكان من هديه أنه إذا سمع اسما قبيحا غيره كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقرية يقال لها (عفرة) أو عذرة فسماها (خضرة وقال بعض المؤرخين بأنه عليه السلام مر بهذه القرية بحكم موقعها وسأل عن اسمها فسماها خضرة) ومن ذلك الحين بارك الله تعالى فيها وأصبحت (خضرة) بنخيلها ومياهها دائمة الجريان على مر السنين والأيام ولم يذكر التاريخ أن جفت عيونها أو انقطعت مع وقوعها وسط حرة سوداء وديار قاحلة وأذكر أنني رافقت أحد أعمامي رحمه الله في السبعينات الهجرية من القرن الماضي إلى هذه القرية المباركة وكنت صغيرا لإحضار فسائل من نخيل (خضرة) المشوك الذي كان مرغوبا ومطلوبا لدى البادية والحاضرة لجود إنتاجه وقدرته على التخزين وحلاوة وبرودة مأكله وصبر ذلك النوع من النخيل على العطش في حالة نقص المياه والجفاف وأذكر أننا أحضرنا أكثر من عشرين (صنوا) أو فسيلة وتم غرسها ولم تمت واحدة منها ومن يومها ارتسمت في ذهني صورة رائعة لتلك القرية الزراعية الخضراء واكتناف الجبال الشاهقة بواديها الذي تسير المياه منسابة في وسطه وتتألق غابات النخيل على جوانب صخوره بصورة عجيبة، وبقيت على تلك الصورة إلى اليوم وكنا في وادي الفرع نسمع من كبار السن قول الواحد منهم وهو يغرس النخل يطلب من الله عز وجل بصفة عفوية راجيا إحياء الفسائل قوله : (يا رازق مخلف على روس الصفا ويخاطب الفسيلة تفاؤلا بقوله: (عروقك في الثرى وراسك يثمرا).

ومخلف القبيلة المسروحية الحربية المعروفة وروس الصفا الأحجار الكبيرة الصلدة الملساء التي يضعون شيئا يسيرا من التراب ويغرسون عليها فسائل النخيل فتخترق عروقها تلك الصخور وتنمو وتثمر).

وقد اشتهرت (خضرة) بنمو النخل على صخور صلدة بصفة ملفتة للنظر مع أن النخل في العادة لا ينمو إلا في منابت خاصة من الأرض كما قال زهير بن أبي سلمى: وهل ينبت الخطي الا وشيجه
وتغرس الا في منابتها النخل

فالنخل منذ القدم لا يغرس إلا في أرض صالحة ذات تربة معينة ولكنها في (خضرة) تغرس على الصخر فتنمو وتثمر وهذا في رأيي ببركة التسمية المباركة من نبي الأمة عليه الصلاة والسلام لهذه البقعة من الأرض، وهناك ميزة خاصة لفسائل نخيل (خضرة) بأنها مهما كانت الفسيلة (صغيرة) فإنها لا تموت بقدرة الله وتنمو وتثمر بسرعة كبيرة تفوق (الفسائل) الكبيرة في غيرها نموا وثمرة وعطاء.

ووادي خضرة بمياهها ونخيلها يوازي وادي (مر) من جهته الجنوبية وتصب سيوله في وادي (حجر) عند التقاء الواديين في منطقة تسمى (الملتقى) بعد ما يقارب عشرين كيلا من خضرة حيث تتجه سيولهما إلى رابغ.

ويوزع الماء من كل عين بالمكيال الساعة الرملية والقدر والحبل من ليف النخل) وتسير المياه على نظام الوجاب) المعروف لدى قرى ووديان النخيل واليوم تم توقيت كل ذلك بالساعة.

وفي وادي خضرة مبان حجرية وطينية وسوق قديم وقلعة تسمى (قلعة الجمرة) لا تزال بعض بنيانها قائمة وآثار سوقها ومساكنها باقية ولا تزال رسوم مساجد القرية وجدرانها شاهدة للعيان، وقد فضل الكثير من سكان القرية السكن في قرية (الأكحل) لوجود الخدمات بها وقربها من الطريق السريع مع احتفاظهم واعتزازهم بقريتهم (الأصل) خضرة وبمزارعهم فيها.

وبجانب خضرة وعلى الطريق السريع بين مكة والمدينة تقع قرية الأكحل وهي قرية ذات نخل أيضا وعيون وآبار ومياه وغيرة وقد شاء الله أن تكون خضرة والاكحل ومفيسل ومنذ وما حولها من ديار الموطن الأصلي لقبيلة (مخلف المسروحية الحربية، هذه القبيلة العريقة التي رسمت تاريخها على جبال ووفاد هذه المواقع وما حولها أروع الصور لحياة الإنسان وحماية الممتلكات وإعزاز القبيلة في تلك السنون الغابرة وكانت لهذه القبيلة أيضا المواقف المشرفة بجانب بقية قبائل حرب الأخرى. في مختلف الأحداث لحماية الديار والأعراض قبل أن تستظل البلاد بمظلة الملك عبد العزيز رحمه الله ومظلة أبنائه المغاوير إلى هذا العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وقد سجل التاريخ حضور قبيلة مخلف أمام تلك الجموع العثمانية مع قبائل حرب الأخرى في المعارك ضد الجيوش العثمانية التي غزت هذه الديار وأرادت تدميرها كما كانت لهذه القبيلة مواقف مظفرة عندما هاجمت القوات العثمانية ديار قبيلة حرب للاستيلاء على محاصيل التمر في عام 1255هـ وسار جنودها يعيلون بالنخيل ويحرقون فيها النيران وعندما وصلوا خضرة استطاع آل الخشيمي - أهل العصلا عزوة مخلف أن يقفوا أمام تلك القوات ويقتلوا قائدها (نواد)
الذي وضعوا رأسه على جبل شرق الأكحل سموه إخشيف نواد).

ويوم أن عارض الشيخ حسين بن مبيريك الغانمي مشروع الشريف في الحجاز والخذ من حجر مقرا له وفدت عليه العديد من القبائل الحربية مؤيدة له ومناصرة ومن بين تلك القبائل وفد قبيلة مخلف الذين أتوه (بزومالة خالدة جاء فيها.

سلام با رجل سواة الحيد نايف
يا عز ديرتنا اليا جات الخلايف
لا تستمع فينا هروح أهل النسايف.
اللي إلى من قال قولن ما حماه
جينا بمسلوب سهمها ما يسايف
عز الرفيق مزينة لكل كايف
نذبح بها سبع الخلا اللي بالطنايف
تكسر صليب العظم والزود تحداه

ويوم أن زار صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة رحمه الله قبيلة مخلف في الأكحل عندما كان أميرا للمدينة تجمعت قبائل مخلف ورحبوا به في عرضة (زومالة ترحيبية جاء فيها:

الدولة يا مرحبا بالزاير اللي زارنا والحظ جابه
عبد المجيد اللي لغانا يا هلا يا مرحبا به
فرحت بها الأوطان والسكان غيث من سحابه
حنا مخلف من قبايل حرب من مطلع سهيل اليا غيابه
مرحوم يا عبد العزيز التي ذكر عبد المجيد وصار عز للعباد

وهكذا بقي وادي خضرة وما حوله من قرى بعيونه ونخيله ومعالمه وتاريخه يفخر على مر العصور بالتسمية المباركة التي سماه بها نبي الهدى عليه الصلاة والسلام وعاشت خضرة أرضا وعيونا ونخيلاً وجبالاً وسكانا ومساكن وحصولا وقلاعا تفاخر على مر القرون المتعاقبة بأقدام المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أن سار في أرجائها واهتم بما وسماها تسمية عاشت بها عطاء ونماء وخضرة وأنهارا وبركة مدى الدهر والأزمان، واليوم وبلادنا تعيش من أقصاها إلى أقصاها نهضة وعمرانا وبعثا للتراث. والتاريخ حري بأمانة المدينة المنورة وهيئة التطوير بها والهيئة العامة للتراث أن تولي (خضرة) عناية خاصة بسفلتة طريقها من الأكحل وإقامة الاستراحات والمنتزهات على جوانب أنهارها المتدفقة ونخيلها الباسقة وإضافتها إلى منظومة المعالم الإسلامية
التي ترتبط بالهدي النبوي والسيرة العطرة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.