وادي الفرع
محمد بن صالح البليهشي

مع إشراقات المدينة المنورة من خلال ما أبرزته يد التطوير والبناء التي شملت مختلف نواحيها في داخلها وخارجها برزت وجهات سياحية في محافظاتها ومن بين تلك المحافظات التي ظهرت جلياً خلال هذه النقلة الحضارية محافظة وادي الفرع التي امتدت إليها يد التطوير ومن خلال تلك اللمسات الحضارية الرائعة أبرزت المحافظة جمالها وظهرت مفاتنها التي أهلتها لتكون وجهة سياحية جديدة تجلب أنظار السائحين والمستطلعين إلى جمال الطبيعة ومكونات الحضارة والرقي وعمق التاريخ والأصالة فالوادي عموماً بما حباه الله من مكونات جغرافية وتاريخية وبما ناله من حسن رعاية وتنسيق واهتمام من لدن المسؤولين في أمانة المدينة المنورة وهيئة تطويرها وبإشراف وتوجيه من سمو أمير منطقة المدينة المنورة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود تأهل فعلاً ليكون وجهة سياحية
في المنطقة....
لقد أنعم الله على هذا الوادي بالأمطار المتتابعة التي كونت بحيرات المياه وبعثت كثيرا من العيون المندثرة التي كان يعج بها الوادي وظهرت حاليا أكثر من خمس عشرة عيناً تسح مياهها في الأودية وفي مواقع خيوفها القديمة ولا يزال المواطنون يكتشفون بين وقت وآخر انبعاث عيون جديدة من مجموع العيون الخمسين عيناً التي كانت تسير مياهها في جنبات هذا الوادي الموغل في القدم وتشكل جبال الوادي التي تحيط به على امتداد سبعين كيلو متراً يمنة ويسرة في مناظر خلابة جميلة وارتفاع يعانق السحاب ووجد ( النحل ) مع اخضرار الأعشاب والأشجار بغيته لبناء وتكاثر خلاياه وإنتاجه مما جعل رعاة النحل يقيمون مهرجاناً رعاه سمو أمير المنطقة خلال الشهر الماضي وتزينت تلك الجبال والشعاب والأودية بالأشجار التي نمت وكونت غابات كثيفة نتيجة لمنع الاحتطاب والعبث بها ونمت أشجار النخيل باخضرار أخاذ وبكثافة عجيبة في خيوف وقرى هذا الوادي من بداياته إلى منتهاه في قرية الأبواء... وكل قرية يراها السائح في جنبات هذا الوادي تحكي له قصة مليئة بالشموخ والعمق التاريخي خلال القرون الماضية ولا تكاد تنتهي قصتها معه حتى تبدأ قصة قرية أخرى وهكذا يعيش وهو يسير عبر الطريق (الأسفلتي) الذي أوجدته الدولة أعزها الله حتى تفضي به تلك الرحلة إلى بلده مستورة
على البحر حيث تفيض سيول الوادي إلى هناك....
هذا جانب من رحلة سائح عبر هذا الوادي تزدحم في ذهنه وخياله وما يراه في الوقت الحاضر اضافة إلى عموم الكهرباء في كافة القرى والهجر والبوادي وإشادة المباني الحديثة بجوار تلك البيوت الأثرية التي كانت تضج بالحضارة والرقي والكثافة السكانية والمليئة بالأعراف والتقاليد والرجولة والشهامة والآباء والنخوة والحمية وحماية الأرض وصد المعتدين
ووادي الفرع الذي نجزم بأنه سيكون وجهة سياحية متميزة يقع في الجنوب الغربي من المدينة المنورة ويبعد عنها بحوالي 120 كيلو متر تقريبا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة وهو أحد محافظات المدينة منذ فجر التاريخ وكانت تمر به القوافل القديمة بين المدينتين المقدستين ويسمى الطريق الذي يعبره بالطريق الفرعي ويشتهر بزراعة النخيل والليمون والبرتقال والعنب والخضروات وتتناثر على جانبيه القرى ذات العيون الثجاجة وتنحدر المياه إليه من حرة سليم وحرة بني عمر في صورة عيون قامت عليها مزارعه وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم مراراً و به مساجد نبوية صلى بها عليه الصلاة والسلام في مروره وفي غزوة ( بُحران ) وإليه بلغوا في غزوة السويق ودعا للوادي بالبركة وبفضل ذلك استمرت بعض عيونه ولم تنقطع بحمد الله تعالى وقد قال عنه ياقوت الحموي الفرع قريه من نواحي المدينة على يسار السقيا بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة بها منبر ونخيل ومياه كثيرة وأكد المؤرخ السهيلي بأن الفرع أول قرية مرت إسماعيل وأمه هاجر بالتمر في مكة المكرمة وقال الواقدي الفرع من أشرف ولايات المدينة وذلك أن فيه مساجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم نزلها مراراً وأقطع فيها قطائع لغفار وأسلم ويضيف بأن صاحب الفرع كان يجبي اثني عشر منبراً وهي منبر الفرع ومتبر بمضيقها ومنبر بالسوارقية ومنبر في ساية ومنابر في رهاط وعمق الزرع والجحفة والعرج والسقيا والأبواء وقديد وعسفان وستارة كل هذه المناطق كانت تابعة للفرع في بداية القرن الثالث الهجري وفي العهد النبوي والراشدي والأموي والعباسي استهوت زراعة وادي الفرع الكثير من الصحابة والتابعين وذوي اليسار كأمثال عبد الله بن الزبير في قرية الربض والنجف وعروه بن الزبير في قرية مجاح والزبيرة وحمزه بن عبد الله بن الزبير وجعفر بن طلحه بن عبيد الله التيمي الذي أنفق على عمار عين ام العيال اكثر من مائتي الف دينار وبلغت نخيله في هذه القرية اكثر من عشرين الف نخلة وقال المؤرخ عرام بأن أم العيال صدقة فاطمة الزهراء رضي الله عنها والحسين بن زيد بن علي بن الحسين الذي هو الآخر قد أنفق أموالاً طائلة لتعمير عين المضيق....
واليوم وادي الفرع يسير بإشراق وتألق كمحافظة ناهضة من محافظات المدينة المنورة ويتأهل ليكون وجهة سياحية متميزة لقرية من مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ولما توفر به من تطور وازدهار ولما ضمته جباله وأوديته وشعابه من جغرافية عجيبة ولما اختزنته قراه من إرث تاريخي وحضارات سادت لا تزال آثارها باقية تروي تاريخ الأجيال وشموخ الرجال ولما أنعم الله عليه من تتابع الأمطار والسيول والشلالات التي جذبت السياح من كل أنحاء المملكة والعيون الجارية التي تفيض على الأودية بصورة عجيبة طوال العام ولما رآه الزوار والسياح من التفاف قمم الجبال بالغيوم ونسمات الوادي التي تنساب في صباحات الأيام وأمسياتها وتلون ثمار النخيل التي كونت على جوانب الوادي حدائق غناء تدعو إلى إمتاع الأنظار وصور الإعجاب لكل السائلين والزائرين والسياح والتفاف الأشجار في الأودية وعلى أطراف سهول الجبال بعد منع الاحتطاب كل هذا وغيره قد أهل هذا الوادي ليكون وجهة سياحية متميزة للمدينة وزوارها من حجاج ومعتمرين ومستطلعين في كافة فصول العام ويضاف إلى كل ذلك أن المنطقة قد أعلنت وزارة التعدين عن وجود الذهب والفضة والنحاس في جبالها وأعلنت وزارة البيئة عن محميات
في جنبات هذا الوادي مما سيكون له أثره في نمو الأشجار وتكاثر الحيوانات والطيور في الجبال والأودية والمنطقة في عمومها قابله لنمو السياحة وجذب السياح بمكوناتها وقابلية جبالها لوجود ( تلفريك ) في أكثر من موقع خاصة إذا اكتملت عوامل السياحة كوجود الجلسات وغرف الإيواء ودورات المياه حيث سيكون الوادي بشيء من العناية والاهتمام من أروع مناطق الوجهات
السياحية والتاريخية في منطقة المدينة المنورة....






