وادي العقيق .. الوادي المبارك
محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم رمز مختلف، اعتلى في سماء المجد منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان تألق في صفحات التاريخ منذ هجرة المصطفى يوم أن وطنت أقدامه الشريفة مهاجراً إلى مدينته الحبيبة التي اختارها الله تعالى لتكون حاضنة للدعوة ومنطلقاً للرسالة المحمدية.
ارتبط اسم هذا الوادي بطيبة الطيبة مسمى ومكاناً وقداسة فهو جزء منها واحد مكوناتها وبها ساد غيره من الأودية في كافة أصقاع الدنيا ولذلك أضيف اسمه إليها مرتبطاً بها مكتسباً إشعاعاً من وهجها ونورها، مشرف إذ كان ولا يزال تحت مسمى العقيق المدينة تمييزاً له عن بقية الأعقة في جزيرة العرب وغيرها.
نال شرف احتواء ميقاتها وسجلت جنباته مواطئ أقدام سيد البشر عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام في أكثر غزواته وسراياه وقال فيه المصطفى : أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك - الحديث، وقال: "العقيق واد مبارك"، ويوم أن رجع عليه الصلاة والسلام من العقيق في إحدى روحاته إليه قال: يا عائشة جتنا من هذا العقيق فما ألين موطنه وأعذب ماءه، قالت: يا رسول الله أفلا تنتقل إليه ؟ قال: كيف وقد ابتنى الناس.
وقال عليه الصلاة والسلام: "إني أحب العقيق...
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحصيوا هذا المسجد - يعني مسجد المدينة. من هذا الوادي المبارك.... وكان الفاروق رضي الله عنه إذا انتهى إليه أن وادي العقيق قد سال قال: "اذهبوا بنا إلى هذا الوادي المبارك وإلى الماء الذي لو جاءنا جاء من حيث جاء لتمسحنا به...
كل هذه الأحاديث والآثار مرت بذاكرتي وأنا أقف يوم أمس الخميس 11 جمادي الثانية. عام 1444هـ على ضفاف وادي العقيق سيد الأودية (وسيله) يتدفق بغزارة بعد الأمطار التي هطلت على سيدة البلدان يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، وجدت أمامي ومن خلال وقفة مع التاريخ وأمام هذا السيل الكبير قصر عروة بن الزبير الذي عادت إليه الحياة : هجر سنين طويلة حيث بني هذا القصر على ضفة وادي العقيق في ظلال جماء تضارع مما يلي المدينة وكان آية في الجمال والفخامة والشهرة وقد اعتنى به مالكه عروة بن الزبير التابعي العالم الصالح الكريم بعد أن اشترى أرضه من عبد الله بن عياش بن علقمة الذي هو الآخر منحه إياه مروان بن الحكم الخليفة الأموي فباع عباس موقع قصر عروة وآباره إلى عروة بن الزبير فعمره أحسن تعمير وفاخر به واكتسب القصر وصاحبه شهرة في التاريخ وفي الشعر ووجد القصر وصاحبه مكاناً مميزاً في كتابات المؤرخين والشعراء والكتاب والأدباء والمثقفين ولو لم يكن في عمق العقيق لما نال هذه الشهرة وطوته الأيام ولتراكم غباره وانمحت آثاره، قال فيه عروة بن الزبير مفاخراً:
بنيناه فأحسنا بناه
يحمد الله من خير العقيق
تراهم ينظرون إليه شزراً
يلوح لهم على وضح الطريق
فساء الكاشمين وكان غيظاً
الأعداني وشر به صديقي
يراه كل مختلف وسار
ومعتمر إلى البيت العتيق
وقد أحسنت الهيئة العامة للآثار بالتعاون مع أمانة منطقة المدينة المنورة بتوجيه ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة في بعث وإحياء هذا القصر الذي كادت أن تندثر جمالياته وتاريخه حيث جرى ترميمه مؤخراً وأحيطت مبانيه ومساحاته بحدود مميزة وسمح لمرتادي العقيق باستطلاع معالمه وآثاره وتاريخه بأسلوب حضاري مميز يشعر بالعظمة التي كان عليها القصر والمزرعة التي تربع في وسطها والأمل أن يسمح للمستثمر بحفر الآبار التي كانت تغذي القصر وكان يستعذب ماؤها ويجلب إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، وأعود إلى (رمزنا) اليوم وادي العقيق الذي كانت القصور على جنباته يمنة ويسرة كقصور الأشراف في سفح جبل عير بعد وقبل الميقات ومزارع أبي هريرة رضي الله عنه وقصر مسلمة بن عبد الله بن الزبير وقصور عروة بن الزبير وقصر عاصم بن عمر بن عثمان وسده في سفح جماء تضارع وقصور محمد بن عيسى الجعفري وبيوت الأشعث وقصر يزيد بن عبد الملك في سفح جماء أم خالد وقصر عنبسة بن عمر بن عثمان بن عفان وقصر خارجة بن عبد الله بن العوام وقصر المغيرة بن أبي العاص الواقع غير بعيد عن قصور عروة وقصور جعفر بن سليمان.
كما ضمت عرصات العقيق العديد من المزارع والقصور أهمها قصر سعيد بن العاص بن أمية والي المدينة في عهد معاوية رضي الله عنه الواقع حالياً داخل القصر الملكي
الذي قال فيه الفرزدق:
ترى الغر المحاجح من قريش
إذا ما الأمر في الحدثين عالا
قياماً ينظرون إلى سعيد
كأنهم يرون به هلالا
وكانت مزارع سعيد بن العاص حول هذا القصر وامتاز نخلها من بين مزارع نخيل المدينة بأنه أبكر شيء في طلعه ونتاجه وقد تعلق سعيد بن العاص بقصره ونخيله لحبه للعقيق وعرصاته وأوصى ابنه عمرو بن سعيد بقوله: (إني أوصيك أن لا تنقلني من موضعي يعني قصره حتى أموت فيه فإنه أحب المواضع إلي، وقليل لي من قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم إلى موضع قبري ... فحمله رجال من قريش على رقابهم حتى دفن بالبقيع وقصر سعيد هذا هو الذي عناه أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة حيث حن إلى العقيق بعد غربته يوم أن أجبر على الخروج من المدينة إلى الشام مع الأمويين فقال يحن إلى المدينة وإلى العقيق ويفضلها على
الشام وقصورها:
ليت شعري وأين مني ليت
أعلى العهد يلبن فيرام
أم كعهدي العقيق أم غيرته
بعدي الحادثات والأيام
وبأهلي بدلت عكا ولكما
و جذامي و اين مني جذام
وتبدلت مني مساكن قومي
والقصور التي بها الأطام
امر مني السلام إن جنت قومي
وقليل لهم لدى إسلام
لقد ازدهر (رمزنا) العقيق في عهد بني أمية بهذه القصور والبساتين وتطاولت أشجار النخيل والفواكه والمزروعات وصارت روابيه تجري أنهارها وتغرد أطيارها وكان ماؤه لا ينقطع وخيراته ترفد المدينة وتهدي إلى أمراء الشام وأعيانها، كم يردان وادي العقيق بالأمطار وجريان السيول القادمة إليه من أعالي النقيع)، وكم يفرح أهل المدينة في جميع الأزمان بنزول الغيث على هذا الوادي المبارك الذي يرون أن بركة السماء (المطر) يلتقي ببركة الأرض في وادي العقيق الذي باركه الرسول ، إن منظر المطر ومرأى السيل في العقيق يملأ النفوس بهجة عجيبة ولمائه ونسيمه طعم خاص لا يوجد في سيول الأودية الأخرى وليس هذا جديداً أو عادة مبتدعة فقد نقل إلينا الأخبار أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حث على إتيان العقيق وقت سيله وأنه خرج ذات مرة على فرس (غري) ليمتع ناظريه بماء سيل العقيق رغم مشاغله ومسؤولياته الجسام وأن عبد الرحمن بن عوف عندما علم بسيل العقيق إلى مسرعاً على حماره ورديقه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما رغبة في إمتاع النفس بسيل هذا الوادي المبارك، وطوال القرون الماضية منذ أن توج نبي الهدى - العقيق بارتباطه بمدينته المقدسة إلى يوم الناس هذا والعقيق محتفظ بمكانته وقداسته وجمال رياضه وشموخ (جماواته) وآثار قصوره وبساتينه وأكبر شرف له ارتباطه بمدينة المختار فهو جزء منها وله ذكر كبير في السيرة النبوية ويحتضن ميقات أهل المدينة وفي اخضرار جوانبه وبعث آثاره المندرسة متعة للناظرين وفرح واستبشار لكل مسلم يعشق هذه الأرض المقدسة بكل مكوناتها، وقد أحسنت هيئة تطوير المدينة المنورة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة عندما رعت مشروع تطوير وادي العقيق بالأشجار الباسقة والمدرجات الرائعة والمساحات الخضراء التي تعيد لهذا الوادي روعته ورونقه وتؤكد قداسته وارتباطه الوثيق بالسيرة النبوية وبالمدينة العظيمة، وقد خطت خطوات رائعة في هذا المجال ورأينا أثر خصوبة العقيق على الأشجار والمزروعات وأثر ذلك على المواطنين والزوار الذين ينتهجون بمرأى العقيق الأخضر وانبعاث قصوره وآثاره في عصر التطور والبناء بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، وعلى الهيئة مواصلة مسيرها في تطوير وادي العقيق من ميقات ذي الحليفة إلى مجمع الأسيال ولا تعبأ بسموم المحبطين ولها في مشروع تطوير وادي حنيفة بالرياض مثل يحتذى وسنة متبعة، ليستعيد العقيق تاريخه وجماله الذي هو جزء من جمال المدينة وقداستها وحضارتها وازدهارها.






