أم معبد الخزاعية

محمد بن صالح البليهشي

أم معبد الخزاعية
أم معبد الخزاعية

هذه الصحابية الجليلة كتب الله لها أن يحفر اسمها في أعماق تاريخ السيرة النبوية ويخلد ذكرها في زوايا الهجرة المباركة لنبي الأمة يوم أن هاجر من مكة إلى المدينة ففي طريق هجرته صلى الله عليه وسلم وفي منطقة قديد أحد أودية منطقة مكة المكرمة ضمن محافظة خليص يقع وادي قديد بامتداد 150 كم تقريباً وكانت به أكثر من 25 عيناً جارية وفي قسمه الأعلى يقع وادي ستارة وفي شماله حرة (القديدية) ويسميها بعض المؤرخين المشلل وتجمع كتب السيرة النبوية على أن سهيل بن عمرو نحر لجيش المشركين في مسيره إلى بدر عشراً من الأبل في قديد وأم معبد الخزاعية هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة، أراد الله لها أن تحظى باستضافة المصطفى صلى الله عليه وسلم في تلك الهجرة الميمونة وبصحبته الصديق أبي بكر ومولاه عامر بن فهيرة والدليل في الرحلة عبد الله بن أريقط وفي يوم صادف وفي هذه الصحراء القاحلة كانت عاتكة) بجوار خيمتها لتطلع إلى الأفق وترقب السماء لعل القطر ينزل لينبت الزرع والضرع بعدما سار (أبو معبد زوجها بعنيماته إلى الفلا وكانت أم معبد امرأة كبيرة في سنها قوية في بنيتها عاقلة في حكمتها ومنطقها بليغة في قولها ونفتها تجلس كل يوم بفناء تلك الخيمة محتبية تسقي المارين، وتجود بما لديها لمساعدتهم وترشدهم إلى الطريق وتحذرهم من متاهاته ومظاميه.

على هذا الحال أراد الله لها أن يأتيها المجد والفخار بمرور نبي الأمة عليه الصلاة والسلام عليها وركبه الموفق.. أتوها وقد بلغ منهم التعب مبلغة ونفذ ما لديهم من زاد وينشدون شيئًا من الراحة والتزود بزاد لبقية طريقهم فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها فاعتذرت بعدم وجود شيء لديها تقدمه لهم ونظر عليه الصلاة والسلام إلى طرف الخيمة وسألها : (ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم الي هزينة فقال عليه السلام: هل بها من لبن؟ قالت في أجهد من ذلك قال: أتاذنين لي أن أحلبها؟ قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حليباً فأطلبها .....

دعا رسول الله ووضع يده الشريفة على ضرعها وظهرها وسمى الله ثم دعا بالبركة قرأت أم معبد دلائل معجزة أذهلتها حيث امتلأ ضرع الشاة باللبن وتفاجت الشاة أي فتحت ما بين رجليها ودرت واخترت فدعا عليه السلام بإناء (يربض) أي يسقي الرهط محلب منها إنجا) لينا كثيرا حتى علا اليها الرغوة فسقى أم معبد وسقى بقية الرهط حتى ارتووا جميعًا، وشرب المصطفى صلى الله عليه وسلم آخرهم، لقد أرضوا أي ارتووا جميعا من ذلك الحليب الذي حلبه من تلك الشاة العجفاء الهزيلة، ثم أعاد الحلب ثانية حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها، وروى أنه دعا لها. وقال اللهم بارك لها في شاتها وكانت قريش قد وضعت مائة من الإبل لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتًا من شدة حنقهم ورغبتهم في القضاء على محمد ووأد دعوته و على أثر ما تناقلته الركبان في نجاح مكة من شعر لم يعرف قائله الذي سمع في كل نواحي مكة وورد فيه

جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
مما نزلاها بالهدى واهتدت به
فقد فاز من أمسى رفيق محمد
سلُوا اخْتِكُمْ عَن شَائِمًا وإناتها
فَإِنَّكُمْ إِن تسألوا الشاةَ تشهد

على أثر سماع ذلك الشعر الذي تردد صداه شعاب مكة تسابق القوم إلى ساحات (قديد ووقفوا على جوانب تلك الخيمة التي تشرفت قبل مجيئهم بلحظات بتوديع سيد ولد آدم وسألوا صاحبة الخيمة أم معبد عن الركب النبوي فأنكرت ووقفت أمامهم بكل صلابة وشجاعة وقالت لهم: إنكم تسألون عن أمر ما سمعت به قبل عامي هذا فإن لم تنصرفوا وبقيتم على هذا الحال لأصرخن في قومي (خزاعة) عليكم وتعلمون من هي خزاعة فخاف ذلك الوفد القرشي وتشاوروا ثم انصرفوا.

وبقيت أم معبد في ذهول وحيرة مما رأت من ذلك المبارك تنتظر أيا معبد حتى أتى يسوق اعتزا عجافاً يتساوكن هزلا (يتماينن). رأي أبو معبد النين تعجب من ذلك وسأل من أين لك هذا وشاتنا عازب خيال إلا تحمل ولا حلوياً في البيت قالت أم معبد لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا.....

قال صفيه لي قالت بفكر المرأة العربية الأصيلة وفكر العائلة البليغة واصفة نبي الأمة وصفاً بقي مدى الدهر وفصلت في خلقه وأخلاقه ومحاسنه تفصيلا وقف أمامه أساطين اللغة وأرباب البلاغة يستقون من معين وصفها صفات وشمائل ذلك النبي الكريم ويأخذون من كل عضو فيه أو خلق وبيان ما يجعل المتأمل لقولها كأنه يرى الهادي البشير أمامه عليه صلوات ربي وسلامه قالت أم معبد لزوجها أبي معبد رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه ( أي أبلح مضيء جميل)، حسن الخلق لم تعبه ثجالة أي ليس نحيلاً) ولم تزر به صنعة أي صفر رأس)، وسيم قسيم دعج شديد سواد وبياض العينين)، وفي أشفاره وطف أي طويل الرموش)، وفي صوته صهل اليس حاد الصوت مع وضوحه، وفي عنقه سطع طويل العنق)، أحور أكحل ازج أي أن عينيه فيها كحل دقيق شعر الحاجبين وفي لحيته كثافة. إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما وعليه البهاء وكأن منطقة خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق لا نزر ولا هزر، أجهر الناس وأجملهم الناس وأبهاهم من بعيد وأجملهم وأحسنهم من قريب، ربعة (أي ليس ليس بالطويل ولا بالقصيرا، لا تشتؤه عين من طول ولا تضخمة عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به أو يحيطون به إن قال سمعوا له، وإن أمر تبادروا لأمره، محمود أي مخدوم). محشود أي يجتمع الناس حوله، لا عابس ولا مهند أو منفر (أي ليس متجمماً ولا سيئاً ولا مكيل عقل ... أم.

استمع أبو معبد لقول زوجته الفطنة الذكية البليغة فقال: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة. ولقد هممت أن أصحبه ولاتعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً

ومرت الأيام وكثرت غنم أم معبد ببركة دعاء الرسول لها وجلبت منها إلى المدينة. وبينما في واقعة لبيع شيء مما معها في سوق المدينة مر أبو بكر فرأه ابنها فعرفه فقال لأمه: يا أمة هذا الرجل الذي كان مع المبارك فقامت إليه إبعفويتها) وقالت يا عبد الله من الرجل الذي كان معك قال أو ما تدرين من هو؟ قالت: لا قال: هو نبي الله فانطلقت فادخلها على رسول الله صلى الله عليه سلم وأهدت إليه شيئاً من أقط ومتاع الأعراب فكساها عليه الصلاة والسلام وأعطاها وأسلمت هي وزوجها وهاجرا إلى المدينة المنورة وأسلم أخوها خنيس...

وكان لابنها معبد بن أبي معبد موقف عندما قابله أبو سفيان بالروحاء بعد رجوع قريش من معركة أحد ورأى كبراؤها العودة للمدينة لاستئصال من بها وكان معبد قد رأى رسول الله وأصحابه في حمراء الأسد ورأى أن يخذل عن النبي وأصحابه خاصة أن خزاعة موضع سر له عليه الصلاة والسلام وخليفة لجده عبد المطلب فقال الأبي سفيان: إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرفون عليكم تحرفاً وقد اجتمع معه من تخلف في يومكم بأحد وأرى أنه ما إن ترحل حتى ترى نواصي خيلهم التي أنهاك عن العودة للمدينة ومن هول ما رأيت قلت أبياتاً قلت فيها:

كانت تعد مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي
إِذْ سَالَتْ الْأَرْضَ بِالْجُرْدِ الأنابيل
تَرْدِي بِأَسْدٍ كَرَامَ لَا تُنَابِلَةٍ
عندَ النِّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَغَازِيل
فَضَلْتُ عَدُوا أَظَنَّ الْأَرْضَ مَائِلَةٌ
لما سموا برئيس غَيْرِ فَخُذُولٍ
فقلت: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ نِقَائِكُمْ
إذا تعطمطت البطحاء بالجيل
إلى نذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً
يحل ذِي ارْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُول
من جيسٌ أَحْمَدَ لَا وَخَشَ تَقابلة
ولَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ

وبهذا عزم أبو سفيان على مواصلة الرحيل إلى مكة وعدم العودة إلى المدينة.

هذه في الصحابية الجليلة أم معبد عائكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة الخزاعية التي لم تكن في الجاهلية من نوات الشهرة والجاه بل كانت امرأة بدوية لا تتعدى شهرتها خيمتها وأهلها ولكن البركة مبطت عليها وحظيت باستضافة رسول الله في خيمتها في هجرته المباركة وصارت إحدى شهيرات النساء في الإسلام وبقيت كلماتها في وصف سيد الخلق عليه الصلاة والسلام خالدة تالدة تدرس في أرقى الجامعات ويقف أمامها أساطين البلاغة والأدب. كلما ذكر الكمال والجمال النبوي في كل ذكر وساحات ومحفل على مر العصور والأزمان.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.