عمر بن حسن فلاتة

محمد بن صالح البليهشي

عمر بن حسن فلاتة
عمر بن حسن فلاتة

ودعت المدينة المنورة يوم أمس الجمعة الشيخ الدكتور عمر بن حسن بن عثمان فلاتة وهو من أبرز علماء المدينة النبوية المعاصرين، تمت الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة الثاني عشر من شهر رمضان المبارك عام 1445هـ بمسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم ودخل رياض بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وادخله فسيح جناته.

والشيخ عمر بن حسن فلاتة واحد من علماء المسجد النبوي الشريف الذي سجلت أروقته صدى صوته رحمه الله لمدة تزيد عن أربعين عاما وكانت حلقة دروسه مليئة بطلاب العلم من مختلف بقاع العالم الإسلامي واستفاد من دروسه الكثير منهم ونتيجة السهولة طرحه وعذوبة أسلوب شروحه أثرها في تقبل واستيعاب ما يتلقاه طلابه ويكون زادا لهم في مجالات الدعوة الإسلامية في بلدانهم وقد زانها وحسن صورة تلقيها ما امتاز به رحمه الله من تواضع جم وحسن عرض مميز وهدوء وقرب من أفهام وأفكار محبيه ودارسي حلقته في أروقة المسجد النبوي الشريف أو في حلقات المسجد الحرام يوم أن أتيح له التدريس فيه اثناء وجوده في مكة المكرمة في بدايات جلوسه للدراسة والوعظ والإرشاد. ولعل أسلوبه وتواضعه الذي تميز به في حلقات دروسه بالمسجد النبوي الشريف أو بالجامعة قد اصطبغ بتلك النشأة التي نشأها شيخنا الفاضل في ربوع طيبة الطيبة حيث ولد بها عام 1364هـ وعاش طفولته في ربوعها وتنقل في أحيائها وأربطتها وكتاتيب مسجدها العظيم وحفظه لكتاب الله تعالى متنقلا بين حلقات أصحاب الفضيلة المشايخ عبد الحميد هيكل وعمر محمد فلاتة وحامد عبد الحفيظ ومحمد سعيد أبو سيف ومحمد المختار وحماد الأنصاري خلال مدة درسه وتحصيله من الكتاب مرورا بالمرحلة الابتدائية ثم سنوات المعهد العلمي وانتهاء بكلية الشريعة في مكة المكرمة التي تخرج منها عام 1386هـ والتي وجد خلال سنوات دراسته بها طريقه للاستفادة من حلقات المشايخ السيد علوي المالكي ومحمد أمين كتبي ومحمد نور سيف وحسن مشاط وعبد الله بن حميد وغيرهم، ويذكر الشيخ عمر رحمه الله في إحدى حلقات درسه بأن دراسته في شريعة مكة كانت من أجمل سنوات عمره يوم أن كان عميد الجامعة في ذلك الوقت الأستاذ أحمد علي أسد الكاظمي ورأى فيها ودرس في جنباتها على الأساتذة والمشايخ محمد متولي الشعراوي ومحمد محمود الصواف وعلي الصابوني ومحمد الأزهري وأحمد البشير الطيب والدكتور محمد أمين المصري وفوزي البشبيشي وعبد العال العقباوي وقال الشيخ رحمه الله بأنه بعد الجامعة عاد إلى المدينة وعمل بها مدرسا في مدارسها ولكن طموحه كان لا يقف به عند حد فلم تتح فرصة الدراسة العليا للماجستير في مكة حتى التحق بها وتخصص في علوم الحديث وأولى عناية خاصة بسنن الإمام الترمذي واصطلاحاته في التصحيح والتحسين ونوقشت رسالته للماجستير من أساتذة كبار في مقدمتهم الدكاترة محمد أمين المصري ومحمد مصطفى الأعظمي ومحمد السماحي وعبد العظيم العباسي ومصطفى مجاهد وعبد السميع إمام والحسيني هاشم وعبد الرحمن الوكيل. أما مرحلة رسالة الدكتوراه فقد كانت بداية رحلتها في العام الدراسي 1392هـ بقسم السنة والحديث في كلية أصول الدين من جامعة الأزهر واختار لرسالته موضوع الوضع في الحديث وكان الموضوع في ذاته شائكا ولكنه بعزمه وتصميمه وتوفيق من الله سبحانه وتعالى استطاع أن يخوض غماره ويخرج من موضوعه برسالة عظيمة وافقت ثغرات في مجال هام من مجالات الحديث ونال امتيازا فيها وصارت مصدرا مهما في بابها وطبعت عدة طبعات لنفاسة معلوماتها وتوثيق مواضيعها.

وفي عودته للمملكة من دراسة الدكتوراه عام 1397هـ عمل مدرسا في الجامعة في مكة ودرس كذلك في المسجد الحرام في برنامج التوعية الإسلامية في الحج وما لبث أن عاد إلى مدينته الحبيبة طيبة الطيبة التي عاشت معه أنفاسها ورياحينها في مكة المكرمة وفي مصر فعمل وكيلا لكلية التربية بالمدينة المنورة ورئيسا لقسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية ثم تسلم وكالة كلية التربية لمدة ثلاث سنوات ثم صار عميدا للمعهد العالي للأئمة والخطباء وبعد تقاعده تم التعاقد معه أستاذا في نفس المعهد.

وإلى جانب عمله في الجامعة صدرت الموافقة له بالتدريس في المسجد النبوي الشريف في عام 1401هـ وبقيت حلقته عامرة بطلابه الذين وجدوا في درسه الفائدة العظمى والعلم النافع حتى قبيل وفاته في مدة تزيد عن أربعين عاما وعلى الرغم من غزارة علمه كان ملازما لحلقات العلماء بهذا المسجد العظيم وفي مقدمتهم حلقة محدث المدينة الفقيه العالم الشيخ محمد المختار آل مزيد الجكني الشنقيطي والشيخ عبد العزيز بن باز ولا يغيب عن مكتبة الشيخ حماد الأنصاري ويحظى بتقدير خاص من أصحاب الفضيلة المشايخ عبد العزيز بن صالح ونائبه الشيخ عبد المجيد بن حسن والشيخ عبد الله الزاحم والقضاة محمد الحافظ وعطية محمد سالم وبكر أبو زيد رحمهم الله جميعا وغفر لهم ويذكره طلابه من خارج المدينة وداخلها في أنحاء العالم الإسلامي بطيب الذكر ولطف المعشر وحبه للخير وتقديره لكل عارفيه وتواضعه الذي ليس له حدود كما يقدره أهل المدينة ويذكرون له تواصله معهم والحياة في مجتمعاتهم بكل حب وأريحية وتقدير فقد عاش طوال عمره ساعيا في كل عمل خيري شغوفا بكل بادرة خير وإصلاح لذات البين ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى وترك حصيلة علمية عميقة الجذور في عالم الفقه والحديث وكافة فنون المعرفة في السنة النبوية أخذت مكانها مجلدات في رفوف المكتبة الإسلامية وفي مقدمتها مجلدات كتاب جامع التحصيل الأحكام المراسيل) للإمام الحافظ صلاح الدين خليل ومجلدات الوضع في الحديث وكذلك مجلدات الشرح المكمل في الحسن المهمل ودراساته عن حديث الحسن مطلقا ومقيدا عند الترمذي والحديث الصحيح والحديث الصحيح امتازت بالجدية والاستقصاء والشمولية مع التعليل والتدليل. الغريب عند الإمام الترمذي أيضا وغيره من مؤلفاته ودراساته التي وهكذا عاش شيخنا الدكتور عمر بن حسن عثمان فلاتة في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم عارفا بمكانتها مقدرا لقداستها محبا لترابها ومستشعرا بأهميتها واثرها في قيادة العالم الإسلامي كمنبع من منابع الأثر والتأثير والرسالة في حياة المسلمين ومنطلق الدعوة المحمدية ومارز الايمان واصطبغ بصيغة هذه المدينة وقارا وحبا وقداسة وتشبعت نفسه بروحانية المدينة النبوية وكانت جنازته يوم غادر دنيانا الفانية محاطة بكل الحب والاجلال من عارفيه وطلابه وكل سكان مدينة المختار عليه الصلاة والسلام اعترافا بفضله وتقديرا لمكانته كأحد العلماء الرموز الأعلام الذين لم تنساهم ذاكرة المدينة في تاريخها المجيد.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.