الطريق النبوي إلى بدر

محمد بن صالح البليهشي

الطريق النبوي إلى بدر
الطريق النبوي إلى بدر

في يوم الخميس 23-10-1445 هـ دعيت من قبل عميد معهد البحوث والدراسات الاستشارية للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمشاركة في الورشة الخاصة بمناقشة موقع غزوة بدر الكبرى من حيث فكرة المشروع والمخطط الأولي لموقع الغزوة ومواضيعها الرئيسية، وقد حضر ذلك اللقاء نخبة من الباحثين والكتاب والمؤرخين وكانت ورش المناقشة ثرية وعميقة وشارك فيها نخبة من هيئة التراث ومن المختصين بهذا الشأن. وقد شرفنا بشرح تفصيلي شمولي أعده المسؤولون حول ما ينتظر مشروع الغزوة وموقعها في مدينة بدر التاريخية وما أعد لها من تطوير في كافة معالمها التاريخية والجغرافية لتكون هذه المدينة العظيمة. في مستوى يليق بها كموقع تاريخي هام شهدت وهاده وبطاحه معركة فاصلة في تاريخ الإسلام وحياة الأمة الإسلامية ولن أضيف هنا جديدا على ما سمعت لأنه في واقعه عند التنفيذ سيعطي هذا الموقع التاريخي حقه من الإشراق والتاريخ والتألق الذي سوف يرشخ عظمة المكان وجلال. ذلك الموقف العظيم الصحابة المصطفى صلى الله وعليه وسلم وهم. يواجهون أئمة الكفر الذين أتوا للقضاء على الدعوة وتبيها وأنصارها في صلف وكبرياء وغطرسة.

إن ما عرض علينا حول مستقبل هذه المدينة (بدر) قد أثلج صدور تلك الكوكبة الذين دعوا للحوار والمناقشة، ولكنني اليوم سأجعل من الطريق النبوي إلى بدر رمزا من رموز الذاكرة وهو فعلا كذلك لأن هذا الطريق سيكون عند مساره وتهيئته كمكمل لمشروع تطوير منطقة المعركة. (جادة تروى عطش المسلمين السائرين عبرها من المدينة إلى بدر وتظللهم بظلال وارفة من العبق التاريخي والإسلامي والمعرفي وستجعل كل مسلم يسير في جادة بدر يعيش الحدث ويستنطق التاريخ ومواقف . البطولات والتضحية والفداء فأقول:

إن الطريق النبوي إلى بدر أثبتت الدراسات الجغرافية أنه أقصر الطرق الآمنة من مدينة المختار عليه الصلاة والسلام إلى بدر، وقد كان في السنة. الثانية من الهجرة سهل الممشى والمستراح للراجل والراكب بمعايير ذلك. العصر وكان وفير المياه وقد تميزت محطاته بالعيون الجارية والآبار الروية وفي ظل ما تشهده معظم المآثر والمواقع التاريخية اليوم من تطوير وإشراق بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وإشراف مباشر من سمو أمير منطقة المدينة المنورة وسمو نائبه، فإن هذا الطريق الموصل بين المدينة المقدسة ومدينة بدر التاريخية ترسمًا المسار المصطفى عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة العظيمة يعتبر من الأهمية بمكان وهو رافد قوي لتعميق الأثر التاريخي ووجهة مشرقة للحضارة والتطوير الذي تعيشه الأماكن التاريخية في مدينة المختار عليه . الصلاة والسلام.

فلو تم ترسم الطريق النبوي في تلك الغزوة العظيمة وجرى تمهيده وإقامة الإضاءة على جانبيه، خاصة في هذا الوقت الذي استخدمت فيه الطاقة الشمسية ووضعت على جوانبه الاستراحات والمعالم وأعطيت محطاته القديمة في السيالة الفريش) وفي ( الروحاء) وفي (الصفراء) ثم في بدر لو أعطيت حقها من العناية والاهتمام بإتمام ما يحتاجه المسافر على الأقدام أو على الدواب من الجمال والحمير والبغال أو على الدراجات الهوائية وغيرها وتم توفير المياه والاستراحات لوجدنا السائرين على تلك الجادة النبوية جماعات ووحدانا غادين ورائحين من المدينة إلى بدر من المواطنين والحجاج والمعتمرين والزائرين، ستكون جادة بدر كما جادة قباء وجادة أحد وجادة الخندق بل ستكون جادة (بدر) رافداً قوياً أكثر عمقاً وحيوية وتأثيرا في نفس كل مسلم يسير عليها لأنه يستشعر في مسيره مواطئ أقدام نبي الأمه يوم أن سار بأصحابه من المدينة إلى بدر بين أودية وشعاب وجبال ووهاد وهم صائمون في شهر مبارك وأيام عظيمة يتقدمهم نبيهم عليه السلام وأبو بكر وعمر وعلي وبقية الأصحاب من المهاجرين والأنصار.

لوتم ذلك لاتحنا لكل زائر على مستوى العالم إضافة ثقافة إسلامية تاريخية عميقة موثقة ولاتحنا أيضا للاماكن التي عسكر فيها الجيش النبوي في السقيا عشية الأحد الموافق 12 رمضان عام 2 من الهجرة النبوية وفي الظاهرة ومع جنبات حرة الوبرة وفي ذي الحليفة ثم في البيداء وفي ذات الجيش موقع مبيته لذلك الجيش العظيم وفي تربان ووادي مثل في يوم الإثنين وبمروره على فرش ملل ثم على وادي الغميس ثم صخيرات اليمام على السيالة ومبيته بها ليلة الثلاثاء وتسمى اليوم (السدارة) وفي صباحه بعرق ظبية على مشارف الروحاء واستراحته بالروحاء ونزوله إلى المنصرف المسيجيد اليوم ومساره بجيشه عليه السلام في وادي الصفراء بين الجبال الشاهقة والشعاب الضيقة ووقوفه في وادي ذفران) حيث سجلت جنباته ذلك اللقاء الحاسم والمجلس الشوري للنبي وأصحابه عندما تأكد خبر خروج قريش وصناديدها للقضاء على النبي ودعوته وأصحابه كما سجلت أرض وجبال وادي (دفران موقف الأصحاب.

وعلى رأسهم الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي أكد في كلمات سجلها التاريخ الإسلامي على مر العصور والأزمان وسر بها النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم قال فيها : لقد آمنا بك وصدقناك فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ... كما ردد الزمان وسجل التاريخ قول المصطفى لأصحابه بعد سماعه لقول (سعد) سيروا وأبشروا فإن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ...

كما شهد وادي ذفران) عقد النبي لألوية جيشه والاستعداد التام لخوض المعركة وشهدت ثنيات الأصافر) مروره بها وبكثيب الرمل المسمى (الدبة) الواقع قبيل بدر من الناحية الشمالية الشرقية جاعلاً (جبل الحنان) كثيب الرمل الكبير في بدر على يمينه.

إن هذه المواقع وغيرها التي تشرفت أرضها ووهادها بتقبيل أقدام سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار الذين ساروا معه إلى تلك البطاح في بدر لملاقاة قريش بصلفها وكبريائها جديرة ببعثها واستنطاقها ونشر أضواء الحضارة السعودية عليها بجادة تسير من مدينته عليه الصلاة والسلام إلى موقع أول مواجهة حاسمة في تاريخ الإسلام والمسلمين والتي ركز الرسول بها دعائم الدعوة وعلا صوت الحق في أرجاء المعمورة بعدها.

وفي اعتقادي بأن أي مسلم يأتي لزيارة المدينة المنورة وهو يسير في أرجائها ويعيش روحانيتها وتتمثل أمامه صور البطولات والملاحم ومواقع التنزيل تكون إحدى أمنياته الكبيرة التي تختزنها ذاكرته ووجدانه في عودته إلى بلاده أنه سار راكباً أو ماشياً في جادة لا تزيد مسافتها عن 130 كم سار عليها نبي الهدى عليه الصلاة والسلام في أول لقاء له مع أعدائه في (بدر) وسوف يحدث أحفاده ومعارفه في بلاده بسيره على الطريق النبوي في جادة اسمها (جادة بدر).

لو وجدت هذه الجادة بتمهيد في طريقها وإضاءة في جوانبها وعلامات في معالمها ومحطات في مواقع استراح بها النبي وأصحابه للراحة أو للمبيت أو للمشورة لصارت هذه الجادة معلماً سياحياً ليس على مستوى العالم الإسلامي، بل على مستوى العالم بأجمعه واعتبرت الجادة بهذا أطول جادة مميزة بالهدي النبوي.

لو وجدت هذه الجادة لسار عليها (الزوار) مشياً على الأقدام أو على صورة قوافل الإبل القديمة أو باستخدام الدواب كالخيل والبغال والحمير والدراجات زرافات ووحدانا خاصة مع توفّر الاستراحات والمقاهي ودورات المياه على طول محطات الطريق رغبة في ترسم سيره عليه السلام واستشعاراً للروح المعنوية التي سار بها أصحابه واستنطاقاً لحديث الأماكن بصورة مباشرة وتوثيقا صحيحًا لمعالم هامة من مواطن السيرة النبوية المطهرة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.