ثنيات الوداع
محمد بن صالح البليهشي

طلع البدر علينا، كلما دار الزمن دورته في كل عام تردد في النفوس المؤمنة ذلك النشيد الخالد الذي حفظته الأجيال على مر العصور والأزمان ذلك النشيد الرائع الذي خرج من قلوب مؤمنة ونفوس مستبشرة بمقدم خير البرية وصفوة الخلق محمد بن عبد الله إلى المدينة المنورة.
ذلك النشيد الذي استقبلت به طيبة الطيبة رسول الله و رسول الهدى وهادي البشرية من دياجير الظلام إلى نور الحق والصدق واليقين، ذلك النشيد الذي رددته المدينة من أقصاها إلى أقصاها يوم أن استبشرت وعمت الفرحة فيها كل بيت بقدوم النور المبين الذي أضاء قلوب الأنصار وتغلغل إلى أعماق نفوسهم رجالا ونساء وشيباً وشبانا، وهي تردد عن
صوت واحد
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جنت بالأمر المطاع
ولما أذن الله لحبيبه بالهجرة واصطحب معه الصديق وعلم الأنصار بخروجهما من مكة بدأوا يترقبون وصوله إليهم لرؤيته في مدينتهم ويتعمقون بأبصارهم عبر الأفق البعيد في كل يوم لعلهم يرونه مقبلاً نحوهم ولتسمع قول أحد الأنصار يصف ذلك الترقب والانتظار حيث يقول: لما سمعنا بمخرج رسول الله وسلم كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله عليه السلام فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه الرسول حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وأننا ننتظر قدومه عليه السلام علينا فصرخ بأعلى صوته يا بني (قيلة) هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله ..).
لقد دخل الفرح إلى كل بيت واشرأبت النفوس إلى ذلك القادم المنتظر وعلا البشر كل مكان وأضاءت المدينة في كل جوانبها، بل أضاء منها كل شيء كما قال الصحابي الذي وصف قدومه عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم البهيج، وعلت جنبات النجاد والوهاد والحيطان والأطام كلمات النشيد الخالد طلع البدر علينا .. من ثنيات الوداع).
نشيد تردده الأجيال بعد الأجيال في مختلف حقب التاريخ إلى أن تقوم الساعة خلد ذلك النشيد الذي علت به أصوات الولائد) الأنصاريات فرحاً بمقدم نبي الهدى عليه الصلاة والسلام لأنه ارتبط بأعظم حدث في تاريخ البشرية وفي تاريخ طيبة الطيبة يوم أن هاجر إليها سيد ولد آدم قادماً مهاجراً من مكة إلى المدينة حيث سلك ركبه الشريف الثنيات التي شرقي جبل عير حتى وصل إلى العصبة فقباء، وهذه الثنيات هي التي عناها الشاعر في صياغة ذلك النشيد وهي ما أثبتته كتب السيرة وجماهير المؤرخين والثنية اسم قديم جاهلي تمت تسميتها للتوديع والاستقبال وهي كما أوردته كتب المعاجم كل منخفض بين جبلين أو بين مرتفعين وقد اختلف المؤرخون في حقيقة المكان المسمى بثنية الوداع في المدينة المنورة لأن
الثنية إضافة إلى تعريفها السابق هي الطريق في الجبل كما أوردته بعض كتب اللغة والواقع أن بالمدينة أربع ثنيات تستقبل منها القادمين وتودع منها المسافرين فإحدى هذه الثنيات هي التي سلكها عليه الصلاة والسلام في قدومه مهاجراً إلى المدينة المنورة عن طريق (الضبي الواقع شرق جبل عير وهي التي شرفت بمسار المصطفى عليها في تلك الهجرة الميمونة وهي مجموعة ثنيات أوجدتها طبيعة الحرة في ذلك الوقت.
والثنية الثانية الواقعة في شمالي المدينة شرق جبل سلع حيث يمر بها القادمون والمسافرون إلى خيبر وتبوك وطريق الشام ويميزها ارتفاع بسيط عما حولها وهي التي أتى منها الرسول في مقدمه من غزوة خيبر وغزوة تبوك. والثنية الثالثة هي الثنية الواصلة بين عروة ومدخل العنبرية فيما يسمى قديماً (بالمدرج) وكانت هذه مسلكاً للسلاطين والأمراء والحجاج والزائرين للمدينة يقدمون إليها ويسافرون منها إلى مكة وجدة وينبع.
وهناك ثنية رابعة تقع على طريق المطار الحالي مروراً (بالعريض) لمن
يقصد نجداً أو يأتي منها.
هذه أربع ثنايا تكتنف المدينة وليست ثنية واحدة كما يقول بعضهم.
والنشيد الذي استقبل به المصطفى صلى الله عليه وسلم في هجرته
تقول كلماته:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا
جنت بالأمر المطاع
هذا هو النشيد الخالد الذي استقبلت به المدينة نبي الأمة في يوم هجرته ووصوله إليها قادماً من مكة عبر ثنيات الوداع الجنوبية في تلك الجهة عدد من الثنيات شرقي جبل عير وليست ثنية واحدة يسلكها القادم في ذلك الوقت خاصة والنشيد يتفق في أسلوب الجمع مع مواقعها والبدر) الذي هو النبي أتى قاصداً قباء لوجود السابقين من المهاجرين في تلك (القرية) انتظاراً لمقدمه الميمون ..
وعندما قدم عليه الصلاة والسلام من غزوة خيبر وغزوة تبوك دخل المدينة عبر ثنية الوداع الشمالية، وكان قد سمى المدينة بهذا الاسم)
ولذلك تمت زيادة البيت أو البيتين الأخيرة
جنت شرفت المدينة
مرحباً يا خير داع
قد لبسنا ثوب عز
بعد تمزيق الرقاع
وفي رأيي أن نفي استقبال النبي من الثنيات الجنوبية بحجة أن ليس للمدينة إلا ثنية واحدة فهذا تنفيه الطبيعة وتضاريس المدينة وينفيه واقع التعريف اللغوي الصحيح للثنية وتنفيه صيغة الجمع التي وردت
بالنشيد.
كما أن نفي النشيد ونفي ارتباطه بالهجرة بحجة القول: (جنت شرفت المدينة على اعتبار أن المدينة لم تعرف باسم (المدينة) في ذلك الوقت فهذا البيت وما يأتي بعده لم يرد في نشيد الاستقبال في يوم الهجرة بل ورد كما أكده كثير من المحققين في استقباله عليه الصلاة والسلام عند مجيئه من تبوك وكل المؤرخين الكبار الذين كتبوا تاريخ المدينة يثبتون النشيد خاصة في أبياته الثلاثة الأولى في ذلك اليوم العظيم يوم دخول المصطفى ( قادماً في هجرته المباركة ويؤكدون ترديده من الولائد ومن بنات بني النجار وغيرهن من بنات الأنصار) تعبيراً عن
الفرحة العارمة بإشراقات النبوة والضياء الذي عم أرجاء المدينة في ذلك اليوم
المشهود.
فثنيات الوداع خاصة التي تشرفت بتقبيل أقدامه عليه الصلاة والسلام حاضرة في وجدان وكلمات هذا النشيد الخالد وقائله وحاضرة في الهجرة المباركة وحاضرة في مقدمه و من تبوك وحاضرة ومؤكدة في تاريخ المدينة النبوية اسما وهجرة وموقعاً وتاريخاً وعمقاً إلى
أن تقوم الساعة.






