طلع البدر علينا

محمد بن صالح البليهشي

طلع البدر علينا
طلع البدر علينا

هذا الرمز ارتبط بالسيرة النبوية منذ أربعة عشر قرناً من الزمان وكلما دار الزمن دورته في كل عام تردد في النفوس المؤمنة ذلك النشيد الخالد الذي حفظته الأجيال على مر العصور، ذلك النشيد الرائع الذي خرج من قلوب مؤمنة ونفوس مستبشرة لمقدم خير البرية وصفوة الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. استقبلت طيبة الطيبة رسول الله عليه السلام من أقصاها إلى أقصاها وعمت الفرحة فيها كل بيت بقدوم النور المبين الذي أضاء الدنيا وتغلغل إلى أعماق النفوس رجالاً ونساء شيباً وشباناً. فيوم أن علم الأنصار والمهاجرون بخروج النبي وصاحبه من مكة إلى المدينة بدأوا يترقبون وصوله إليهم لرؤيته في مدينتهم ويتعمقون بأبصارهم عبر الأفق البعيد في كل يوم لعلهم يرونه مقبلا نحوهم يقول أحد الأنصار وهو يصف ذلك الترقب والانتظار لما سمعنا المخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حارتنا ننتظر رسول الله عليه السلام، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه الرسول حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وأننا ننتظر قدومه عليه السلام علينا، فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان اليهودي قد رآه من (أطم بني بياضة المسمى (الشنيف) بالعصبة، قصد النبي بني عمرو بن عوف في قباء كما روى بن سعد في طبقاته حيث قال: (ثم هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجنجاثة فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوف فلا يقرب المدينة فسار على طريق الظبي حتى خرج على العصبة). وطريق الظبي الذي عناه النبي هو الطريق الذي يجعل جبل عير على يساره وهو قادم إلى المدينة وجبل صريحة)، على يمينه وهذا الجبل (صريحه) لا يزال قائماً في الجنوب الشرقي بحديقة الملك فهد المركزية. وهناك كانت ثنيات الوداع) يسلكها من كان يخرج من المدينة يريد مكة أو يقدم من مكة إلى المدينة قاصداً ديار بني عمرو بن عوف من الأوس في مناطق العصبة وقباء. وقد قدم النبي من هذه الناحية في هجرته لرغبته في لقاء أصحابه من المهاجرين الذين سبقوه إلى المدينة وتمركزوا في منطقة قباء التي كانت يومها أكثر مناطق المدينة شهرة وتجمعات سكانية وعلم النبي عليه السلام بذلك كما علم بأن مولى أبي حذيفة هو إمام المهاجرين الأوائل في العصبة ومصعب بن عمير إمامهم في قباء. وصل عليه السلام إلى العصبة واستظل بظل نخلة فيها وحوله الصديق، وتنادى الأنصار والمهاجرون لاستقبال نبي الأمة الذي انتظروه طويلا بفرحة غامرة، وبشر عم أرجاء المدينة بأسرها، وساروا في ركبه بأسلحتهم خوفاً عليه من غدر اليهود وبوائق المنافقين وعلا نشيد: "طلع البدر علينا" من طرق وصياصي قباء وما حولها فرحاً واستبشاراً لهذا المقدم الميمون وأضاءت المدينة واستبشرت دار كلثوم بن الهدم بحلول الرسول فيها وقدم له عليه السلام أول (قرا) رطب النخل حيث نادي كلثوم بن الهدم غلامه قائلاً: يا نجيح أطعمنا رطباً، والتفت النبي إلى أبي بكر قائلا: (انجحت أو انجحنا) تفاؤلاً بالاسم، ووضع أمامه عليه السلام (قنو) من رطب منصف وفيه (زهو) فقال الضيف الكريم: ما هذا؟ قال عذق من أم جرذان وكانت هذه النخلة مبداراً، أي أنها من أوائل النخل الذي ينضج ثمرها. قال صلى الله عليه وسلم: اللهم بارك في أم جرذان وهو يطعم من ثمرها، ومن يومها كان عليه الصلاة والسلام يستبشر عندما يأتيه الأصحاب بأول ثمر النخل كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي فإذا أخذه قال: اللهم بارك لنا في ثمرها وبارك لنا في مدينتنا. والثنيات كما يعرفها الجغرافيون وأصحاب التاريخ والخبراء جمع ثنية وهي كل منخفض بين جبلين أو مرتفعين ومن هنا كانت بالمدينة ثنيات في جهاتها المختلفة وأشهرها ثنيات الوداع الجنوبية حول جبل ( صريحة للقادم إلى قباء من الجنوب، وثنيات في الشمال بين مسجد الراية الذي على جبل ذباب ومشهد النفس الزكية قرب جبل سلع، وهناك ثنيات في غرب المدينة كانت تطل على بئر عروة بن الزبير ومن ظن بأن بالمدينة ثنية واحدة هي الشمالية، حصر الاسم عليها وتجاهل أو جهل ما عداها ولكن الواقع والتاريخ يثبت ما ذكرنا. وأما النشيد:

طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع

وهو بهذه الصيغة رددته المدينة يوم المقدم الميمون فرحاً واستبشاراً وحباً وتقديراً للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو تعبير عن الفرحة التي سرت في جنبات المدينة ونفوس المؤمنين بها، وهو يتناسب في معناه وفي مبناه مع الفرحة التي جعلت أيام الترقب تشع لهفة وحباً لنبي الأمة وهو يقدم مهاجراً إلى مدينتهم لأول مرة، فالنشيد هو النشيد والثنيات هي الثنيات الجنوبية والفرحة غامرة والبشر في كل أنحاء المدينة، ولا مجال للتشكيك أو النفي وقد تناقلت الأجيال ذلك منذ أربعة عشرة قرناً من الزمان وليست هناك حرمة أو مفسدة أو تعد على الدين والملة. وكذلك شهدت ثنيات الوداع الشمالية ترديد هذا النشيد عندما قدم عليه السلام من غزوة تبوك وخيبر مع زيادة في النشيد للبيتين التاليين:

أيها المبعوث فينا
جنت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة
مرحبا يا خير داع

ومع إعجاب المحبين بالنشيد وربطه بمناسبات الهجرة والانتصار للنبي الكريم زاد الشعراء في كل حقب التاريخ أبياتاً على نسقه ووزنه وقافيته وكان ضمن إشراقات السيرة النبوية المطهرة حتى أوصلها بعضهم إلى عشرين بيتا. فالنشيد في بيتيه الأولين قيل في يوم وصول الهادي البشير إلى طيبة الطيبة مهاجراً وهو يتناسب جداً مع الحدث، وقد ربطه المحبون وبعض المؤرخين بمظاهر الفرحة بالمقدم الميمون، والنشيد جميعه بأبياته الأربعة قالها المحبون والمؤرخون ورددتها الولائد والصبيان فرحاً بقدومه عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك عبر ثنية الوداع الشمالية، هذا والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.