الشيخ سليمان بن دخيل الله النزاوي الجهني

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ سليمان بن دخيل الله النزاوي الجهني
الشيخ سليمان بن دخيل الله النزاوي الجهني

في عام 1385هـ، استقبلت المدينة المنورة أميرها الجديد صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز رحمه الله. وأقام أهالي المدينة حفل استقبال لسموه، وتشرف أعيان المدينة وشيوخ القبائل والمواطنون بالترحيب به والمشاركة في الفرحة التي عمت أرجاء طيبة الطيبة بأميرها الجديد عبد المحسن بن عبد العزيز. وكنت يومها بادئًا في خطوات جديدة في ساحات الصحافة والتعامل معها، ونشر أخبار المدينة المنورة في الصحف والمجلات. وكنت متحمسا للسير في ركب الإعلام والصحافة في جريدة المدينة والندوة وعكاظ ومجلة المنهل، واستقر بي المقام إلى التعاون مع جريدة الندوة في مكة المكرمة. وحرصت في حفل استقبال أهالي المدينة المنورة للأمير الجديد على نقل فقرات الحفل وما دار فيه. ولفت نظري إلى رجل مليء بالنشاط والحركة، يتفقد ساحات الحفل ويصدر بعض توجيهاته ليكون الحفل والاستقبال لائقين ومتكاملين. كما كان لهيئته أثرها في التنظيم اللائق واستقبال إشارات ولفتات الأمير له ولآخرين من موظفي الإمارة أثناء إقامة الحفل، واستهواني نشاط ذلك الرجل وابتسامته وسماته الخلقية وسرعة إجاباته على تساؤلات أمثالي، مما جعلني أقرب منه وأتعرف عليه. هو الشاب الناشط اللماح الأستاذ سليمان بن دخيل الله النزاوي الجهني، رمزنا اليوم....

كانت تلك أولى معرفتي بالرجل، وكنت حينها صغيرًا في سني وصغيرا في معرفتي بالإعلام والصحافة، ولكن أخلاق النزاوي واستيعابه لموقفه وتشجيعي بعد معرفته أنني أبحث عن أخبار المدينة لنقلها للصحافة كانت من الدوافع الأساسية التي شجعتني حيث وجدت منه كل استجابة وحب وتشجيع وتقدير. وعلمت حينها أنه أحد موظفي الإمارة الجدد الذين ضمتهم خيمة الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز في بدايات إمارته على المدينة. ومن يومها عرفته وعرفه جميع المسؤولين في طيبة الطيبة، وعرفه المسؤولون في إمارة المدينة بإخلاصه وتقديره لولاة الأمر وحماسه في عمله وتضحياته من أجل أداء ما يوكل إليه من أعمال، وحظي بثقة الأمير عبد المحسن في مختلف الشؤون الإدارية والمهام التي تتطلب السرعة في الأداء والإتقان في العمل. وفي إحدى جلسات أسرة الوادي المبارك قبل إنشاء النادي الأدبي، حضر سمو الأمير عبد المحسن تلك الجلسة، وكان من بين المرافقين في تلك الجلسة له الأستاذ سليمان النزاوي، مما يدل على قربه من الأمير وحبه للثقافة والأدب. وفي عام 1396 هجرية، ومع بدايات تطلع النزاوي إلى الأعمال التجارية، رأى بطموحه وتفكيره وعقليته الراقية قبل أكثر من 50 عاما بوجود مدرسة لتعليم قيادة السيارات، في وقت كان التفكير في ذلك يعتبر ضربا من الخيال، ولكنه عزم عليه وشهدت المدينة حفلاً كبيرا رعاه سمو الأمير عبد المحسن لافتتاح أول مدرسة من نوعها في المنطقة بل في المملكة لتعليم قيادة السيارات. وأشاد يومها سمو الأمير بالفكرة كما أشاد بطموح صاحب المدرسة وعلو تفكيره وحماسه لمثل هذا النشاط الجديد في نوعه وأهدافه ومراميه....

ولاقت المدرسة نجاحا باهرا، أوى بصاحبها إلى إنشاء مدارس أخرى في نفس المجال في مناطق عدة. واستهوته النجاحات التي تتابعت عليه من خلال نشاطه وإخلاصه وكفاحه بعد تقاعده في عام 1394 هجرية إلى مجالات الاستثمار في العقارات والفنادق وإسكان الحجاج فسار من نجاح إلى نجاح نتيجة جاذبيته وصدقه وسلامة نيته وحسن أخلاقه مع من تعاملوا معه. واتخذ لنفسه نهجا خاصا يحتذى في الصدق والإخلاص والكفاح وتعمد بجيل التحديات إلى إنجازات متخذا من طفولته القاسية. ويتمه المبكر وعصاميته التي رافقته طفلاً وشابا عنوانا لمساره في الحياة. وصار، وهو يتفاعل مع جوانب نشاطاته المختلفة بعد تقاعده. يتذكر دراسته في الكتاتيب وسفره إلى فلسطين والأردن وعمله وعمره لا يزيد عن 14 عاما، مشيا على الأقدام وعمله في مصانع الفوسفات بالأردن لثلاثة أعوام، وعودته إلى العلا التي ولد بها عام 1344 هجرية وعمله كمشرف طرق في عدد من المراكز في شمال المملكة، وتعامله مع اللاسلكي ومساهمته في زراعة العلا، وسفره إلى بيروت في عام 1355 ميلادي للعلاج على حساب جلالة الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله، ومكنه في بيروت قرابة السنتين. كل ذلك أسهم في تشكيل نفسه وصقل شخصيته، وألبسه لباس العصامية التي تسري بها طوال حياته، والتواضع الذي لازمه. وأوجد منه رجلا لا يحب المظاهر ويسعى إلى الإصلاح والصلاح وحب الوطن وقادته وشباب الأمة ورجالها. وورث كل ذلك لأبنائه من بعده، وهم على مسيرته إخلاصا ووطنيةً وتقديرا ورجولة .....

لقد أحب أبو فهد الشيخ سليمان النزاوي المدينة المنورة، واتخذ منها موطنا وسكنا، وتشرب تاريخها العظيم ومكانتها في نفوس المسلمين، ولذلك انصهر في مجتمعها وشارك سكانها في أفراحهم وأتراحهم، حاضرة وبادية، وسارع في مختلف المشروعات الخدمية والإنسانية المؤثرة. وظهرت له مساهمات عديدة في بناء المساجد ودعم حفظة كتاب الله والمساهمة في إعداد المواقع والجوائز لهم. والمشاركة في حفلات التشجيع بكل الوسائل والإمكانات. وأوجد وقفا خاصا لأبواب الخير، وأطلق عليه بعضهم بأنه صديق صدوق للفقراء والمحتاجين. وأطلق بعض عارفيه على بيته بأنه (بيت جبر الخواطر). وامتدت يده إلى تأسيس الجمعية الخيرية في ينبع النخل، وقد كرمه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز لتكفله بكامل مشروع مبنى الجمعية الخيرية في ينبع النخل، وفي أثناء أزمة الخليج برزت نخوته بتبرعه بإعداد فندقين لسكن الإخوة الكويتيين الذين وصلوا إلى المدينة المنورة وهذه من الشواهد التي تدل على شهامته وأريحيته وتم تكريمه بجائزة الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله وفي ساحات الموائد الرمضانية العامة تم تسجيل اسمه في جنباتها كأحد المساهمين فيها ولازم المسجد النبوي الشريف وحرص على ارتياده والصلاة مع جموع المصلين في هذا المسجد العظيم بحب مؤثر ونفس راضية وإيمان عميق وكان يسير مع خاصته ومحبيه وابنائه بتواضعه ورحمته بالفقراء والمعوزين ولا يحب الأضواء ولا يسعى اليها وتأصلت سمعته في نفوس أهل المدينة بحبه للناس جميعاً وسرعة نفعه لكل من قصده وحرص على بقائه بالمدينة أثناء مرضه رغبة منه في الوفاة بالمدينة ودخول بقيعها حتى وافته المنية عن عمر تجاوز 100 عام وأدى المصلون عليه الصلاة في المسجد النبوي الشريف في اليوم الاول من شهر صفر عام 1444 هـ رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته....

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.