الشيخ عبيد بن مقبول السراني
محمد بن صالح البليهشي

وأنا أكتب عن الشيخ عبيد بن مقبول بن علي بن مصلح السراني العمري المسروحي الحربي رحمه الله تعالى شيخ مدرك الحسا وشيخ قبيلة السرارنة من بني عمرو من حرب وعمدة حي آبار علي)، وردت إلي أبيات أعجبت بها وهي رائعة في معناها بليغة في مبناها من منقول الشاعر المبدع العقيد عوض بن طالع العلوي حفظه الله تعالى، وجدتها للشاعر محمد بن دخيل القثامي ورأيت أن كل بيت فيها ينطبق على (رمزنا) اليوم الشيخ عبيد بن مقبول السراني وهي لوحة مشرقة لمسار ذلك الشيخ الجليل تقول:
ابحث عن الجيد من الشي لو قل
وابعد عن المضروب في كل حاجه
واحذر سقيم الفكر لا تجعله خل
قربه مرض مانته محصل علاجه
وابعد عن أهل الحسد والحقد والغل
اللي ليا من طحت زاد ابتهاجه
واللي شجرته ما تحت غصنها ظل
لا تحتزم به في نهار المواجه.
والتي تعنا يمك افرش له الزل
واقبل عليه بوجه يضحك حجاجه
واحذر تشنع في رفيقك ليا زل
وحاول تعدل ميلته والعواجه
وإذا خسرت البعض لا تخسر الكل
لا صار كل (ن) قام يتبع خراجه
وإذا وردت الجمه الصافية على
تغنيك عن بحر تلاطم هماجه
ولا تلتفت بعيونك لماضي زل
وحاضرك لا تطفي بحزنك سراجه
وارقا سما عن موطن الضعف والذل
والخوف حطم لجل حلمك سياجه
وليا بليت بحاجة مالها حل
أخلص بدعواتك لربك وتاجه
وأن ضاق صدرك من ظروف الدهر صل
تلقى بها للضيق باب الفراجه
حقاً، لقد وجدت في أبيات هذه المقطوعة الشعرية المليئة بالنصائحوالحكم والناتجة عن ذائقة شعرية رائعة وموهبة فريدة وسير الأغوار الحياة ومعتركها وعقلية كبيرة (مضمخة) بفخامة الاتزان والترفع عن صغائر الأمور والأفكار السطحية والنظرات القاصرة.
وجدتها تتمثل في الشيخ أبو مقبل عبيد السراني رحمه الله تعالى. عرفته في مجلسه وعايشته في مساره وصحبته في سفره رغم فارق السن وتتبعثت سيرته منذ أن كان شاباً يافعاً تحت ظل أبيه الشيخ مقبول بن علي بن مصلح السراني الذي كان ممثلاً لمدرك (الحسا) وهو مسمى جزء من وادي العقيق يبتدئ من العلاوة حتى بنر عروة، كان الشيخ مقبول السراني ممثلا لهذا المدرك في الاجتماع الذي عقده الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله تعالى أثناء زيارته الأولى للمدينة المنورة في عام 1345هـ والذي رسم فيه الملك جانباً كبيراً من المسؤوليات التي يجب أن يضطلع بها شيوخ القبائل وكبار الأعيان في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وما حولها.
وكان الشيخ مقبول السراني وبعض شيوخ المنطقة على ضفاف وادي العقيق من الذين وقفوا واستبشروا وأخلصوا أثناء معارك التوحيد مع جيش المؤسس وهو يدخل أبواب المدينة لإعادتها إلى واحة الدولة السعودية المنصورة وقد عرف عن الشيخ (مقبول) شخصيته المميزة وقوة حجته وإسهاماته في تذليل المصاعب وحل المشاكل التي تكون بين الأسر والقبائل المحيطة وفتح مجلسه لها وجاهه وقبيلته وله اعتبار لديهم في أفراحهم وأتراحهم ولعل القصة التالية التي أوردها الأستاذ الدكتور حمزة قبلان المزيني حفظه الله تعالى تبين ذلك المركز والترابط الذي كان سائداً في المنطقة حيث قال في كتابه واستقر بها النوى) الخاص بسيرته الذاتية ما نصه:
ومن القصص المشهورة أن رجلا من نزلة بير برود وهي من مواطن وادي العقيق تزوج ولم يكن لديه ما يكفي ليدعو الجيران جميعاً وكان له قريب أو صديق في نزلة البريقاء البعيدة قليلا التي يسكنها مقبول بن على السراني أمير قبيلة السرارنة، فخص ذلك الصديق أو القريب بالدعوة من بين سكان البريقا»، ولم يغضب أهل البريقاء فيقاطعوا الرجل بسبب ذلك التصرف غير المعهود، بل جاءوا يحملون راية ويهرجون بابيات يعرضون فيها بقصور الرجل غير المسوع، ومما رددوه في تلك العرضة» قولهم:
اسلام يا ربع دعوا منا وخلوا
لا عمنا الداعي ولا وصل الأمير
ويشير هذا البيت إلى أن هذا الداعي ارتكب محظورا باختصاصه شخصا واحدا من بين الجماعة بالدعوة، وهو تصرف غير مقبول. إذ كان المنتظر والمتوافق مع الأعراف إما أن يدعوهم جميعا أو ألا يدعو أحدا، أو يدعو أميرهم في الأقل لأنه يمكن أن يعتذر بعد ذلك بأن الأمير يمثل «أهل البريقاء كلهما ولما وصلوا إلى «دهليس» بير برود وهم يهز جون بتلك الأهزوجة استقبلهم أهل النزلة، وانطلق ذلك الرجل فذبح لهم خروفين وغمس رايتهم في دم الذبيحتين كناية عن الاعتذار لهم وتأكيد قيامه بحقهم، وانتهت المشكلة بذلك !).
في هذا الجو من الترابط والألفة نشأ (رمزنا) الشيخ عبيد بن مقبول السراني الذي كان ظلا لوالده وينيبه في كثير من الحالات في حل قضايا وبحث مشاكل وإصلاح بين الناس وعندما توفي الشيخ مقبول صدر الأمر السامي الكريم بتعيين الشيخ عبيد السراني شيخاً لمدرك الحسا وشيخاً القبيلة السرارنة من بني عمرو من حرب وفي العام الهجري 1370هـ. تلقى الأمر بتكليفه عمدة الحي أبار علي) وهذه المنطقة ضمن مشيخته وبرز الشيخ عبيد السراني حاملا نهج أبيه وسائرا في طريقه في الحكمة والروية وبعد النظر والفطنة والذكاء والكرم وقول الحق في جميع المواقف وقد عرف عنه كل ذلك مع تدينه وصلاحه ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى. وبتواضعه ونزاهته كسب ثقة الجميع ولذلك فهو من الذين يقبل جاهه ويطمأن إلى قولهم في جميع القضايا وله مكان مميز في حل المشاكل بين قبائل المنطقة وتسوية قضايا الدماء وأعمال الخير التي لم يعرف أكثرها إلا بعد وفاته برحمه الله تعالى.
وتذكره قبائل المنطقة بما فيهم قبيلته (السرارنة) من بني عمرو بقوة حجته وقبول جاهه وشخصيته المميزة المتواضعة التي جعلت منه طيلة حياته مصلحاً اجتماعياً بين الناس وحالاً لما يعترض الحجاج من مشاكل في ميقات ذي الحليفة ميقات أهل المدينة وساد العرف لدى عمال المزارع والرعاة في وادي العقيق على اللجوء إليه وإنصافهم بل وتغلغل جاهه وانصافه ومعرفته إلى حل القضايا بين الزوجين ومما يذكره له عارفوه أن قضية بين زوجين بقيت سبع سنين دون حل فتدخل فيها وحلها في زيارة واحدة إضافة إلى العديد من القضايا من هذا النوع، وقد عرف قضاة المدينة في عصره عنه إصلاحه ونزاهته وأصبحوا يحيلون إليه بتوجيه من رئيس محاكم المدينة المنورة وقتها الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله تعالى الكثير من القضايا المختلفة للاستعانة به في حلها ومما أذكره شخصياً أن صديقاً له اختاره ليكون عضواً في لجنة مشكلة من المحكمة بقضية منظورة وطلب منه القاضي رأيه في القضية فأكد الشيخ عبيد السراني بأن الحق مع خصم صديقه وقرر على ذلك وأخذ القاضي برأيه في هذه القضية وحكم فيها.
إنه الإنصاف والنزاهة التي عاشت مع ذلك الرمز) طوال حياته في النصف الثاني من القرن الماضي وبدايات النصف الأول من هذا القرن حيث وافاه الأجل المحتوم على ضفاف وادي العقيق المبارك في يوم الاثنين الأول من شهر ربيع الثاني من عام 1421هـ عن عمر ناهز الخامسة والثمانين سنة وتمت الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف وأخذ مكانه في بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.
وقد صدرت الأوامر الملكية بعد وفاته بتعيين ابنه الأكبر الشيخ مقبل بن عبيد السراني شيخا لمدرك الحسا وشيخا القبيلته السرارنة من حرب وسار الشيخ مقبل على نهج والده حتى توفي رحمه الله تعالى بتاريخ 18/6/1432هـ وعقب وفاة الشيخ مقبل تلقى أخوه عبد الله بن عبيد بن مقبول بن علي بن مصلح السراني العمري الحربي خطاب أمير منطقة المدينة المنورة المتوج بأمر وزارة الداخلية بتاريخ 4/7/1432هـ بتعميده شيخاً لمدرك الحسا وشيخا لقبيلة السرارنة ولا يزال أبو عبد الإله قائما في مهمته. وطنية وإخلاصاً متبعاً نهج أبائه واجداده حفظاً للأمانة وأداء للمسؤولية وقياماً بالواجب الديني والقبلي ولا يزال مجلسه عامراً وبابهم مفتوحاً على ضفاف الوادي المبارك حفظهم الله ووفقهم.






