الشيخ صالح بن محسن الحيدري
محمد بن صالح البليهشي

هذا الرمز الأستاذ الشيخ صالح بن محسن بن جار الله الحيدري يذكره كل جيل مدرسة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة الذين عاشوا في ظلالها من الفترة 1369هـ إلى عام 1386هـ يذكرونه واحداً من الرجال العصاميين الذين كانوا مشاعل نور للتربية والتعليم في تلك الفترة، عرفوه مدرساً ثم مراقباً ثم وكيلا لتلك المدرسة الثانوية التي تخرج منها أجيال في وقت مبكر كانوا مشاعل نور وأدوات لدوحة التعليم وبناة الحضارة في بلادنا، لقد كانت ثانوية طيبة بالمدينة المنورة منارة إشعاع أرسى قواعدها جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى عندما صدرت موافقته السامية على افتتاحها في سيدة المدن المدينة المنورة اهتماماً وإكراماً لأهلها، وكانت هذه المدرسة هي الثانوية الثانية في افتتاحها بعد مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة (الثانوية العزيزية)، ففي عام 1362هـ تباشر أهل طيبة الطيبة بافتتاح ثاني ثانوية بالمملكة اختص بها الملك المؤسس المدينة المنورة لتكون هذه المدرسة الثانوية في هذه البلدة الطيبة منبع الإسلام ومنطلق الرسالة المحمدية ومن يومها بدأت في ترسيخ مفاهيم العلوم الحديثة المتصلة بشؤون النهضة والبناء فكان لها شرف إعداد الكثير من الوزراء ورجال الدولة الذين كانت طيبة الثانوية منطلق أولئك إلى آفاق المعرفة الواسع إعداداً وبناء وتنويراً.
وقد حظيت هذه المدرسة بإدارة رجال كبار يأتي في مقدمتهم الأستاذ المربي القدير الشيخ (أحمد بوشناق وقبله الشيخ محمد سعيد دفتردار معتمد المعارف الأسبق، ولا ننسى أستاذ الجيل الأستاذ محمد عباس إسكندراني) أبو إسكندر. أما رمزنا اليوم فهو ذلك الرجل العصامي الذي عمل بصمت في تلك المدرسة العريقة حيث بقي بها مدة سبعة عشر عاماً مساعداً لمديرها ومؤثراً في مسارها ومخططاً لتطويرها. امتاز بهدوئه ورزانته وعقله الكبير وإخلاصه في عمله وحبه للخير وترغيبه لطلابه في الإقبال على العلم والجد والاجتهاد. عرفته عندما أتيته لاستلام كتب الثانوية ملتحقا بها في القسم الليلي فوجدت منه قلباً عطوفاً ونفساً رضية وشموخاً في القول والعمل، لم يكن لدي سابق معرفة به ولكنه قابلني بترحاب وقام من مكتبه لإحضار الكتب وقال لي فيما قال يومها مشجعاً ومركزاً على مواصلة الدرس والتحصيل بعد حديث معه عن الدراسة وشؤونها وكنت حينها معلما في المرحلة الابتدائية قال وهو يقدم تحية القهوة السعودية: يابني: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .. )
ومن يومها حفظت هذه المقولة وسرت تحت إشعاعها ... وهكذا كان المعلمون الكبار في ذلك الزمن قبل ستين عاماً وما قبلها كان ديدنهم التحفيز والتشجيع .. في عملهم ومسار حياتهم يفتحون الأبواب بحكمة وعفوية وحلاوة عرض ومنطق ويتلمسون في الأجيال مواطن الطموح والتطلع إلى الحياة الأرحب والآفاق الواسعة ...
والأستاذ صالح بن محسن الحيدري من ذلك الجيل الذي بني نفسه بنفسه لم يتعلم على مقاعد الدراسة بالمدارس ولكنه اتخذ من إشعاع المسجد النبوي الشريف إضاءات للدرس والتحصيل فهو يرحمه الله تعالى من مواليد المدينة المنورة عام 1326هـ وتربى في كنف والديه .. وبالمسجد النبوي الشريف تعلم اللغة العربية وآدابها ودرس العلوم الدينية والتاريخ على يد علماء المسجد النبوي وكان من معلميه الذين لازمهم واستفاد من علمهم الشيخ عباس رضوان والشيخ محمد عايش بن محمود والشيخ محمد الحبيب الديداوي والشيخ محمد العمري وقد نال إجازات من هؤلاء المشايخ وبناءً عليها اختير للعمل بالتدريس كما تعلم قواعد وأصول الخط العربي ولذلك وجد فيه المسؤولون بمدرسة العلوم الشرعية في عام 1352هـ أستاذاً قديراً ومدرساً ناجحاً وتم ضمه إلى مدرسيها وعمل معهم لمدة ثماني سنوات وبعدها انتقل مديراً لمدرسة ينبع إلى نهاية العام 1365هـ وعاد إلى المدينة المنورة معاونا لمدير مدرسة النجاح ونال العديد من شهادات التزكية والتقدير من معلميه ومن المواقع التي عمل بها ومن بين تلك الشهادات تلك الشهادة المؤرخة في عام 1359هـ من مدير ومؤسس مدرسة النجاح الأستاذ عمر عادل رحمه الله تعالى الذي قال فيها : (حيث أن الأستاذ الفاضل الشيخ صالح بن محسن الحيدري) قد قام بتدريس اللغة العربية والفقه والتاريخ في القسم الابتدائي بمدرستنا منذ شهر صفر عام 1355هـ إلى نهاية شهر جمادى الأولى عام 1359هـ فأظهر في أثناء هذه المدة كفاءة تامة ومقدرة فائقة مع الجد والإخلاص في عمله وكان خلالها مثلاً أعلى لحسن السلوك ودماثة الأخلاق فإني أسجل له هذا وذاك بمزيد الإعجاب والتقدير مشفوعين بجزيل الشكر وأطيب التمنيات ... تحريرا في 6 جمادى الثانية عام 1359هـ ...
كما منحته مدرسة العلوم الشرعية شهادة مماثلة لغزارة علمه وإخلاصه وحسن أخلاقه وتعامله مع طلابه وزملائه وفي العام 1369هـ استقبلته ثانوية طيبة معلما بها ولم يلبث أن ترقى إلى معاون للمدير ثم وكيلاً للمدرسة ويذكره طلاب مدرسة طيبة القدامى بالكثير من الاحترام والتجلة والتقدير وبقي في وكالة هذه المدرسة الثانوية إلى عام 1386هـ حيث أحيل إلى التقاعد بعد سجل حافل من المثالية في الجد والنشاط والحرص والسيرة الحميدة والإخلاق الفاضلة مؤدياً لعمله قائماً بواجبه ساعياً إلى رفع مستوى طلابه العلمي والتربوي والأخلاقي وفي عام 1395هـ صلي عليه في المسجد النبوي الشريف ووري جثمانه في بقيع الغرقد ...
رحم الله تعالى ذلك الرمز الذي عمل وأخلص طوال حياته في المجال التربوي بصمت وغادر إلى مثواه بصمت وقد ذكرته اليوم للتذكير به والترحم عليه ...
نسأل الله العلي القدير أن يجزل مثوبته وأن يدخله فسيح جناته






