الشيخ صالح بن عبد الله بن محمد الزغيبي
محمد بن صالح البليهشي

الشيخ صالح بن عبدالله الزغيبي رمز من الرموز الراسخة في أذهان أهل المدينة المنورة مع بداية دخولها تحت مظلة حكم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله تعالى حيث سجلت جنبات مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم في العام الهجري 1345هـ ذلك الصوت الجهوري والقراءة المجودة من ذلك العالم، بعد وصول لجنة التفتيش والإصلاح التي أمر بها جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وتشكلت بمرسوم ملكي برئاسة الشيخ حافظ وهبة وسكرتارية الأستاذ فؤاد حمزه والتي قامت بتوجيه الملك بغربلة الإدارات الحكومية بالمدينة وإقرار ما رأته صالحاً وتنفيذ مقترحاتها ومن بين تلك المقترحات تثبيت الشيخ صالح الزغيبي إماماً للمسجد النبوي الشريف وتوحيد الإمامة بهذا المسجد العظيم الذي شهدت جنباته قبل الملك عبد العزيز أربعة أئمة في كل فرض من الفروض على المذاهب الأربعة.
أمر الملك بتوحيد الإمامة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وإلغاء تعدد الأئمة على المذاهب الأربعة رغبة في توحيد جماعة المسلمين ووأداً للفرقة والاختلاف، ووجد الشيخ صالح الزغيبي رحمه الله تعالى تأييد الملك لإمامته وإقراره عليها كما رأت تلك اللجنة تكوين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستقلالها بإدارة جديدة وتكليف الشيخ الزغيبي برئاستها وتعميد الشيخ محمد القاضي بمساعدة الزغيبي على تلك الإدارة التي اضطلعت بمسؤوليات جسام في تلك الفترة من الزمن وهي السنوات الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وقد صادف اختيار الملك للشيخ الزغيبي في إمامة المسجد النبوي والمساعدة في إدارة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محله لأن الشيخ الزغيبي فيه من المؤهلات ما يجعله جديراً بهذا لورعه وفقهه وحسن قراءته وحب أهل المدينة له.
لقد أخذ الشيخ مكانه في مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم واعظاً ومرشداً ومدرساً وإماماً لجميع الفروض وكان إذا دخل المسجد الصلاة العصر لا يخرج منه إلا بعد صلاة المغرب وإذا أتى لإمامة المصلين في صلاة الفجر لا يخرج من المسجد إلا بعد الإشراق وإلى جانب ذلك كان يدرس حصة في كل يوم بمدرسة العلوم الشرعية ويدرس طلابه ومحبيه بالمسجد النبوي الشريف في جميع الأوقات ويمتاز بقوة بيانه وجمال عرضه وأسلوبه الذي يمتاز بطمأنينة النفس وهدوء الطبع وحدة الذكاء والفطنة والتواضع الذي يبعث على الحب والاحترام وتقدير الناس له وتعلقهم به وقبول وعظه وإرشاده ودراسته والاستفادة من علمه وبيانه. عرفه أهل المدينة طيلة خمسين عاماً، عاش بينهم بحبه لهم وبذل يد العون لكل قاصديه فلم يقصده أحد في شيء يستطيعه إلا قضاه، يواسي المنكوبين ويزور المرضى ويمشي في جنازتهم، وله الأيادي البيضاء في الإصلاح بين الناس، يتحلق الناس على دروسه ووعظه، وقد تخرج على يده قضاة ووعاظ ومدرسون.
أما في مجال إمامته بمسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد امتاز بالبلاغة وحسن الأداء جيد البيان في أسلوبه وخطابته، وكان يخطب في بدايات عمله خطيباً من كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم عاد يخطب ارتجالاً، ولخطبه ووعظه أثر على النفوس أحبه المصلون ووثق فيه المسؤولون من قبل الدولة ولذلك بقي في الخطابة والإمامة منذ تبليغه رسمياً قرابة ربع قرن لم يتخلف عن أي فرض فيها حتى وهو مريض أشد المرض، وامتاز بخشوعه في الصلاة بصورة يلحظها كل المصلين والمستمعين لقراءته الخاشعة وتلاوته المجودة، وكان لا يمل ولا يفتر عن الصيام والقيام وقراءة القرآن الكريم، ويقول كبار أهل المدينة بأن الشيخ صالح الزغيبي لا يماثله في علمه وورعه وعفة نفسه وصدق إخلاصه سوى فضيلة الشيخ محمد العلي التركي رحمهما الله تعالى ولا أحد يزكيهما على الله سبحانه وتعالى.
كما يؤكدون بأن الشيخ صالح الزغيبي لم يخرج من المدينة منذ أن وطنت قدماه أرضها في عام 1318هـ حتى وفاته إلا مرة واحدة للحج وكان إمام المسجد الحرام في وقته يرغب أن يسمي نفسه إمام الحرمين ولذلك حاول جاهداً أن يصلي بالناس في المسجد النبوي الشريف لتحقيق ذلك الحلم في نفسه ولو مرة واحدة فلم يمكنه الشيخ صالح من ذلك.
ويروى عنه أنه في يوم من الأيام استيقظ لصلاة الفجر بعد أن توضأ وأراد لبس الحذاء لدغته عقرب في قدمه ولم يجد من يسعفه فتجلد ونزل إلى الحرم وانتظر موعد الإقامة ولم يعلم أحد بحالته ولم يقدم أحداً بدلا منه حرصا على إدراك الناس للجماعة، وبعد الصلاة جرى إسعافه وقد عاني من ذلك الشيء الكثير من الآلام فتصير محتسبا وصلى بالناس في صلاة الظهر من ذلك اليوم ولم يتخلف عن الفروض التالية رغم معاناته.
ومما عرف عنه أنه في مرة من المرات دخل في الصلاة إماماً واحتاج للوضوء فأشار للناس أن مكانكم ثم ذهب وتوضأ وعاد للصلاة ولم يستخلف الحرصه على ألا تفوته جماعة المسجد النبوي مادام بالمدينة كما قال عنه الشيخ محمد سعيد دفتر دار رحمه الله تعالى.
ويوم أن تنادي العلماء والأهالي والتجار بالمدينة المنورة في عام 1351هـ الاجتماع كبير حضره وكيل الإمارة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم كان الشيخ صالح الزغيبي إمام المسجد النبوي وممثل إدارة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صوت قوي لرفع برقية لجلالة الملك عبد العزيز التوحيد اسم المملكة وصدور نظام الحكم في البلاد وكان الزغيبي أول المؤيدين والموقعين على ذلك الاقتراح حيث اجمعوا على إرسال برقية وجرى كتابتها وتسليمها لوكيل الإمارة ابن إبراهيم الذي أرسلها بدورة لجلالة الملك فلم يكن الزغيبي في منأى عن أحداث البلاد ولا عن مشاكل المجتمع بوعيه وإدراكه وحسه الوطني والديني الذي امتاز به وعرف عنه.
والشيخ الزغيبي ينتسب لبيت علم وأدب حفظ القرآن الكريم في عنيزة ودرس بعض العلوم الشرعية وهاجر من عنيزة إلى الحجاز في عام 1317هـ. وأدى فريضة الحج وبعدها استقر به المقام في دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتجول بين حلقات الدروس والتحصيل في أروقة المسجد النبوي الشريف وافتتح له في باب المصري دكاناً لبيع اكساوي) البادية وكان يجلس للبيع صباحا ثم يذهب لصلاة الظهر والعصر ليتزود من العلوم والمعارف وعرفه مدرسو حلقات تحفيظ القرآن الكريم بقراءته المجودة وحسن صوته وجهوريته ودرس على أيدي علماء أجلاء أمثال الشيخ حمدان الونيسي والسيد حسين أحمد والعلامة الجليل عبد الله القدومي النابلسي السلفي الحنبلي الذي تعمق على يديه في التوحيد والفقه والتفسير والحديث والعربية ..
ويوم أن قامت الحرب العالمية الأولى عاد شيخنا إلى عنيزة وبقي قرابة الثلاث سنوات درس خلالها على يد الشيخ السلفي صالح العثماني القاضي وكان وقتها بشغل وظيفة قاضي عنيزة وزامله في تلك الفترة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي واستفاد في ذلك الوقت استفادة كبيرة وفور انتهاء الحرب عاد (رمزنا) الشيخ صالح الزغيبي إلى المدينة في عهد الأشراف، وما أن دخلت المدينة تحت حكم الملك عبد العزيز حتى وجد الشيخ نفسه إماماً للحرم ومسؤولاً في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك الوقت سجلت جنبات مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم صوته الجهوري وقراءته المجودة في جميع فروض الصلاة الجهرية والسرية، ولم يتح لأحد خلال ربع قرن أن يقف موقفه أو يحل محله وقد عرف بصلاحه وتقواه وقريه إلى نفوس المصلين وحبه للخير وإسعاد الناس بكل الطرق والوسائل، كما امتاز بكريم أخلاقه وكرم نفسه وبعده عن ما يمس أمانته وديانته ولما مرض وثقلت حاله في عام 1371هـ أناب عنه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح في الخطابة والإمامة، ولم يطل به المرض حيث وافاه الأجل في الثامن من شهر صفر عام 1371هـ. وصلي عليه الجمع الغفير من المصلين بالمسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الفرقد رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له وأجزل له الأجر.






