الشيخ إبراهيم النشمي
محمد بن صالح البليهشي

تحتفظ سماء المدينة المنورة وذاكرتها بذلك الرجل الذي تشرف بأن كان أحد رجال الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمة الله في نهايات النصف الأول من القرن الماضي والنصف الثاني من ذلك القرن.. فلا يكاد يذكر تاريخ المدينة المنورة مع بدايات دخولها في مظلة الملك المؤسس إلا ويبرز في الأفق ذلك الاسم الشهير إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن صالح بن محمد الحميدي الذي ولد في شقراء في العام الهجري 1313هـ وقد عرف بالنشمي) منذ أن بشر والده به وهو في طريق عودته من الحج حيث فرح به فرحا شديدا وأطلق عليه اسم (إبراهيم) ولقب (النشمي) قبل أن يراه وبذلك حمل المولود الجديد الاسم واللقب طفلا وشابا ورجلاً طوال حياته في كافة المواقع التي حل بها تاجرا مع العقيلات وفي ربوع المدينة المنورة تاجرا وقائدا حربيا وفي بقية المواقع التي كان له تعامل وتأثير بها.
عرفه العقيلات في ترحاله معهم في بدايات حياته ورافقهم إلى أرض الحجاز وربوع الشام ومصر واكتسب من مرافقته لأولئك الرجال الصبر واتساع الخبرة والشجاعة وحسن التعامل وتحمل المشاق وتكونت لديه ثقافات جديدة في مختلف الجهات التي وصلها أو تعامل معها ومع بدايات الاربعينات من النصف الأول من القرن الماضي عرفه مجتمع المدينة (مشوم) سلاح أي يبحث عن السلاح ويحرص على شرائه .....
كما عرفوه رجلا محبا مخلصا امينا فى تعاملاته وبهذا دخل في أعماق المجتمع (المديني) وصار واحدا موثوقا به وبصدقه ونقاء معدنه وسلامة سريرته .. وتشربت نفسه روحانية المدينة وقداستها ودورها القيادي في العالم الإسلامي وحياة المسلمين
ويوم أن فكر الملك عبد العزيز في استعادة المدينة المنورة الى قيمته الوارفة كان لذلك الرجل جادة الى مسؤول خزانة المالية الشيخ محمد بن صالح الشلهوب لتزويد الخزانة بالأسلحة من بنادق وذخيرة وخلافها ومن خلال حياته بالمدينة وحرصه على شراء السلاح ودخوله لمنازلها وأحيائها اكتسب خبرة واسعة بأحوال المدينة ورجالاتها ومواطن الضعف والقوة في اداراتها ورأى فيه الملك عبد العزيز انه الرجل المناسب الذي يعتمد عليه بعد الله لخبرته الواسعة وصدقه ورجاحة عقله ومعروف أن الملك عبد العزيز يقرأ الرجال ويعرف اين مواطن الضعف والقوة في كل من يلوذ به أو يتعامل معه فرأى في (رمزنا اليوم الصفات التي تؤهله ليكون أحد رجاله فاعتمد عليه في شؤون المدينة وزوده بتعليماته وخطة برنامجه لهذه المدينة المقدسة قبل مسيره الى الطائف ومكة أي أن المدينة كانت من أولويات أفكاره فرسم خطة لاستعادتها قبل عزمه على استعادة الطائف ومكة، فوضع خطة وعين الأمير عبد العزيز بن مساعد أميرا على حائل وضم له القصيم والجوف والحدود الشمالية وخيبر ومنحه صلاحيات واسعة في تلك المنطقة واهمها المناطق الحدودية مع الشمال الضمان قطع الإمداد من تلك الجهة.
وعلى اثر مقابلات الملك بالنشمي وترسخ ثقته به وتحقق المؤسس أيضا من معرفته وعلاقاته الجيدة مع رجال القبائل المحيطة ولإعجابه بعقليته المتزنة وبعد نظره كلفه بأمر المدينة المنورة في اليوم الحادي عشر من شهر صفر عام 1342هـ واستعان به لجلب السلاح منها إلى جيشه وجنوده في نجد فكان النشمي | اسما على مسمى تعاملا وسلوكا وإدارة وقيادة في تزويد جيش الملك بالسلاح وفي تحمل المسؤولية التي أوكلت اليه ويوم ان عين الملك الشيخ صالح بن محسن بن عدل قائدا للقوة السعودية المتمركزة في الحناكية، تلقى النشمي خطابا من الملك عبد العزيز الذي أفاده بوصول خطاباته اليه ومسار جيشه الى الطائف ومكة والبيارق المرافقة له وخطته في المسير ومما ورد في خطابه قوله: (خطوطك الأولى والأخيرة جميعا وصلت وجميع ما ذكرت كان معلوم، الله يبارك فيك ويوفقك للخير وهذا هو الأمل بك وأنا كثير ممنون وراضي منك.
وأضاف: وجهنا صالح بن عذل وخوياه وحررنا معهم مكاتيب لجميع الناس من أشراف وقبائل وأهالي وبينا لهم اللازم وحرصنا على الانقياد واتباع الأمر وطفحنا للبيارق تعارضنا بالدرب ويصير دربهم معنا الى مكة ولا بدكم متواجهين انتم وابن عدل وخوياهم ومطلعين على الخطوط الذي معهم ومخبرينكم بما أوصيناهم به من رأس ابن عدل كفاية وحنا ننتظر رجوع التعريف بوصولهم وقومة أهل طرفكم معهم القومة التامة والانقياد للسمع والطاعة حسب ما عرفناهم به فأنتم احرصوا على ذلك وان تبين له جميع الموجودات الذي تدري عنها لا تذخر شيء وهذا حسب التفطنة لك والا ما تحتاج لتوصية، هذا ما لزم تعريفه ودمتم محروسين) وهذا الخطاب للنشمي من رجل يقرأ الرجال خطة عمل ودلالة على الثقة في القيادة والشخصية والدبلوماسية وأراد تعزيز قيادة ابن عدل وهو في السبعين من عمره بقيادة شابة ذكية طموحة شجاعة تتمثل في النشمي الذي قارب الثلاثين من عمره في ذلك الوقت.
وفي 12 جمادى الأولى عام 1343هـ وصلت إلى النشمي رسالة الملك وهي رسالة جوابية تفيد بعلمه رحمه الله بوصول ابن عدل وإفادة الملك للنشمي بدخول مكة ووصول قادته إلى جدة وقرب البشري بدخولها.
وفي رجب 1343هـ تلقى النشمي رسالة الملك باطلاعه على اخباره جبهة المدينة من طرف ابن عذل والنشمي تأكيد الملك عليهم بعدم دخول المدينة او الإضرار بأهلها محافظة على حرمتها ومما قال الملك فيها : ( .. أنت ان شاء الله دايم عرفنا بأخباركم وفضل لنا لا تغفل عن شيء...
في منتصف شوال عام 1343هـ أمر الملك ابن عدل بالتوجه للشمال لقطع الامدادات من دمشق مع بقاء النشمي قائدا للقوات المتمركزة في ضاحية العيون شمال المدينة ومما ورد في رسالة الملك للنشمي بهذا الخصوص قوله بعد السلام والتحية الخط المكرم وصل وما عرفته معلوم خصوصا توجه صالح العذل وتلزيمته لكم بطرفكم ففيك ان شاء الله البركة والسداد ونصحك وجهدك وشفقتك على الأمور التي بها مصلحة للمسلمين فلا في ذلك عندنا ادنى شك والاعتماد على الله ثم عليك وانت عوض النفس ومن طرف زبن بن جديع أمير لواء هجرة الدليمية من حرب) كتبنا لوف خط يمكث عندك ويجري على ما ديرته عليه وحرصناه على الاتفاق معك وعدم الخروج عن شوفتك .. وهذه إشارة بأن النشمي أصبح قائدا للجبهة الشمالية في العيون مع تكليف زين بن جديع بالبقاء في الميدان لمعاونته، بينما قاد الشيخ عبد المحسن الفرم الجبهة الجنوبية في العوالي والدويش في قباء.
في 17 ربيع الآخر عام 1344هـ تلقى القائد النشمي رسالة الملك التي قال فيها: إخطوطك المكرمة وصلت وجميع ما عرفت كان معلوم من قبل الدويش) مثل ما عرفناكم أمرنا عليه يشد (يرحل بموجب ان اهل المدينة هايبين منه ولاهم أمنين واحببنا انه يشد تطمين لهم.. وهذا الابن محمد بن عبد العزيز واصلكم معه من المسلمين الذين فيهم خير وبركة ان شاء الله، جعل الله قدومهم مقرونا بما فيه الخير للإسلام والمسلمين) وجه الملك قائد النشمي بإرسال تعزيزات عسكرية لابن عدل في الشمال فنفذها كما نفذ سياسة الحصار المرن البعيد عن العنف فأرسل الملك له قائلا: (ما عرفت كان معلوم مخصوص من قبل أخبار المدينة واجتهادك والسياسة معهم وانك ان شاء الله ترجي انك تدخلها بسياسة. أرجى ان شاء الله ان يحقق علم الخير وانت ان شاء الله فيك بركة لا تذخر الأمور الذي فيها حزم وفيها سياسة ودارجهم على كل علم اذا الله هداهم هو المطلوب والا المسلمين مثل ما ذكرنا لك عازمين بعد الحج يرسلون لهم قوة كافيه هم وغيرهم من اهل الجهات وانت ان بغيت تخبرهم او تخبر غيرهم ترى هذا امر حقيق امر حقيقة ان شاء الله ولا فيك شك)
في اثناء الحصار روجت وكالات الانباء وبعض المغرضين بأن الجيش السعودي هجم على المدينة وهدم قبة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام فاستفسر ملك مصر وجاوبه الملك عبد العزيز بأن للمدينة عنده حرمة خاصة وان هذا من ترويج الأعداء الحاقدين كما أرسل ملك إيران مندوبه لاستكشاف الامر وكتب الملك لقائد النشمي باستقبال المندوب الإيراني. وتكريمه وإيصاله إلى بوابة المدينة وتسليمه للطرف الآخر داخل المدينة وشدد الملك على إكرام العسكر الذين يقابلونهم على الأبواب لاستلام المندوب وإعادته وتم تنفيذ كل ذلك وأبرق المندوب لجهته بسلامة منهج الملك عبد العزيز.
وعندما أرسل الملك ابنه محمد بن عبد العزيز إلى المدينة وصلت رسالة إلى النشمي قال فيها الملك عرفت عن وصول الابن محمد ومنزلهم وكذلك اخباركم صار معلوم عن الجميع ومن قبل منزلهم لازم تحطون على بالكم ثلاثة أمور الأول ان يصير بعيد عن الديرة، الثاني يكون متمكن من قطع السابلة عن الديرة، الثالث يصير طيب للجيش، لازم تحطون هالشروط على بالكم وهذا القول من الملك للنشمي عند وصول الجيش المرافق للأمير محمد بن عبد العزيز قبل استلام المدينة بحيث حدد شروط الموقع المختار للنزول فيه والإقامة به حتى يتم التسليم.
وعند وصول الأمير محمد ونزوله في المنزل المختار حسب التعليمات صارت الاتصالات والمراسلات بين الملك وابنه حول الأوضاع في ذلك الوقت ومن ذلك تلقى النشمي رسالة عتاب لقاح من الملك قال فيها: اذكر لنا محمد ان عندكم اخبار من المدينة ومكاتيب وانت ما ذكرتها لنا يكون معلوم).
ويوم أن دخل الأمير محمد بن عبد العزيز وجنوده المدينة ارسل النشمي بتفاصيل ذلك للملك فتلقى منه بعد السلام والتحية قوله: الخط المكرم وصل وما عرفت كان معلوم خصوصا ما من الله به من فتح المدينة المنورة وما أجريت مع أهلها الحمد لله رب العالمين، نرجو الله ان يوزعنا شكر نعمه وان يجعله عز دائم وتوفيق ملازم، والواجب علينا جميعا الاعتراف بنعم الله والاستكانة والخضوع له سبحانه وتعالى على ما اولانا من جزيل النعم، فنرجوه أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه من الاقوال والاعمال)
وبعد ..... هذه لمحات عن الشيخ إبراهيم النشمي ذلك الرجل العبقري الفذ والسياسي المحنك الذي استقى من سياسة الرجل العظيم الملك العبقري عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل فـ (النشمي رجل من رجاله احتفظت به ذاكرة المدينة في تلك الأيام الفاصلة من تاريخها برز فيها وعاش بين أهلها وتشربت روحه أنفاسها سياسة وقيادة ورفقا وحسن إدارة، ذكرت من سيرته ما اتصل بهذه المدينة العظيمة من خلال مخاطبة الملك إياه ومتابعته السياسته دون دخول في التفاصيل لكل موقف او رسالة لأن رسائل الملك ومتابعته له لا تحتاج الى تعليق وقد زرع الملك الثقة الكاملة في نفس ذلك الرجل العظيم ونال رضاه وثقته فتولى بعد ذلك امارات ينبع والجوف والعلا وتربه ونجران والخرج وإدارة الاعمال الزراعية بالخرج والقصور الملكية والضيافات فيها وبقي بمدينة الخرج 18 عاما مقدرا من المسؤولين ومحترما من كافة عارفيه وأصدقائه وقبيلته وذويه ودونت المدينة المنورة في سجلات الشرف بها وفاءً وحبا وتقديرا وشجاعة وحسن تعامل وإدارة اسم النشمي إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن صالح بن محمد الحميدي ..... وعلى إثر مرض الم به تم به تم نقله إلى لندن للعلاج فتوفي بتاريخ 1398/12/12هـ وعمره 85 عاما وصلى عليه جموع المسلمين في مكة المكرمة ودفن بمقبرة العدل وترك لأبنائه وذريته وقبيلته ذكرى طيبة وتاريخا يفتخر به وهكذا يموت أقوام ولا تموت مكارمهم رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.






