الشيخ حليت بن عبد الله المسلم

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ حليت بن عبد الله المسلم
الشيخ حليت بن عبد الله المسلم

رمزنا اليوم هو الشيخ حليت بن عبد الله المسلم المحمادي السالمي الحربي الذي تذكرته رحمه الله وأنا أتجول يوم السبت الماضي في الأرض والساحات التي استقبلت نبي الهدى عليه الصلاة والسلام عند قدومه في هجرته إلى المدينة المنورة والتي قصدها بالذات دون غيرها يوم أن أطل من ثنيات الوداع وقال: (من يدلنا على ديار بني عمرو بن عوف يقصد قباء والعصبة الواجهة الجنوبية لطيبة الطيبة المطلة على ثنيات الوداع الجنوبية.

قباء التي يتربع في وسطها أول مسجد أسس على التقوى وأول مسجد بناه عليه الصلاة والسلام في أيامه الأولى عند نزوله فيها، قباء التي تعيش هذه الأيام ورشة عمل لبدء الخطوات الأولى لمشروع الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله لتوسعة المسجد وتوسعة الساحات الكبيرة حوله وقد تألقت أشجار النخيل التي اشتهرت بها قباء منذ القدم من جميع الجوانب والتي كان لها شرف استقبال سيد الخلق يوم أن استظل بظلها ويوم أن سارع بنو عمرو بن عوف بقيادة كلثوم بن الهدم وسعد بن خيثمة رضي الله عنهما بقطع (قنو) من النخل ووضعه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام عندما ضمه مجلسهم فرحا به وكمقدمة لضيافته والترحيب به والفرح بوجوده.

لقد كان لنخلة قباء شرف وموقف عندما طعم الرسول من (عذقها) وسأل من أين هذا؟ قالوا: من أم جرذان، فقال اللهم بارك في أم جرذان اسم مزرعة في قباء).

ومن هنا كان لقرية قباء في المدينة المنورة ولنخلة قباء السبق والشرف منذ اللحظات الأولى لوجود المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذه البقعة من مهاجره عليه الصلاة والسلام. لقد استشرقت نخيلها وأرضها بيوم قدومه عليه السلام وتقديم عطاء النخل في هذه الأرض المباركة في ذلك اليوم العظيم.

تأملت نخيل قباء التي تحيط بساحات التوسعة من كل مكان وتذكرت شخصيتين من شخصيات محبي النخيل في قباء في بحر القرن الماضي هما الشيخ عبد الحميد عباس وكانت مزرعته غربي المسجد والشيخ حليت بن عبد الله مسلم رمزنا اليوم وكانت مزرعته شرقي المسجد وقد وجد الرمز المسلم) في تراب قباء وبساتينها ونخيلها كل مبتغاه فعاش عمرا طويلا في رحاب هذه البقاع الطاهرة يستشعر في روابيها وأطامها ومنازلها وبساتينها ونخيلها الباسقة ذلك النشيد الخالد (طلع البدر علينا فاستعذب الحياة في جنبات مزرعة والده واتخذ من النخلة صديقا وحبا وإيثارًا يستنطقها ويتلمس جمالها وتألقها فذاب في حبها وافتخر بصحبتها مخلدًا لها وللتاريخ كلمات قال فيها: لقد عشت مع النخلة عمرًا طويلا وتوثقت عرى الصحبة بيننا أكثر من ستين عاما، إنها أهل للرعاية والاهتمام وكفيلة بأن تشعرني وكأن النخلة جزء من حياتي فكم تصبحت بمنظرها وتمسيت وكم جلست في ظلها وتمشيت وكم أعطيتها من وقتي وجهدي ومالي وكم قاسمتها أفراحها وأتراحها، تمرض إحدى النخلات فاغتم لها وأهتم بها ولا يهدأ لي بال حتى أراها طيبة معافاة قد عادت لها خضرتها ونضرتها
ورجع إليها حسنها وجمالها.

لقد أحببت النخلة حبا جما وتعلقت بها تعلقا شديدًا مما حتم علي أن أكون معها عاملا وعميلا هاويًا ومحترفا تأخذ مني ما يرضيها عني وأخذ منها ما ترضاه لي من غير أن أناقشها الحساب لأنه لا حساب بين الأحباب فإن كانت النتيجة إيجابا فهي أهل لذلك وهي للخير أقرب وإن كانت سلبا التمست لها المعاذير وقلت مع القائل: هنيئا ومغفور لليلى ذنوبها نعم إنها النخلة هي ليلى، ليلى التي وهبتها شرخ شبابي ومنحتها الحب من غير حدود فهي الشجرة التي اختارها الله لأن يولد تحتها المسيح عليه السلام كما اختار النبي عليه السلام محمد أحد جذوع النخل ليقف ويتكئ عليه وهو يخطب في الناس أيام الجمع والأعياد فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حن الجذع حنينا سمعه كل من في المسجد ولم يسكت يسكت حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وربت عليه فسكن وفي
هذه الواقعة قال بعضهم:

فحن إليه الجذع شوقا ورقة
ورجع صوتا كالعشار مرددا

ثم إن النخلة قد وقع عليها اختيار ثالث لا يقل عن سابقيه فقد ضرب الله بها مثلا لكلمة التوحيد.

ومرت الأيام ودارت عجلة الزمن وأصبحت بفضل الله من أصحاب النخيل وتحقق إحدى أماني الكبار فها أنا ذا أسكن بين النخيل اتصبح وأتمسى برؤيته وأقضي جل وقتي بين صغاره وكباره، لقد أحببت النخيل وخدمته بنفسي وأنفقت عليه إنفاق من لا يخشى الفقر مؤملا في الله تعالى أن يجعله مصدرًا واسعا للرزق ليس
لي وحدي، بل ولأولادي من بعدي).

بهذه اللغة وبهذه الثقافة العميقة وبهذا الحب عاش الرمز الشيخ حليت مسلم طوال حياته في روابي قباء وهذا القول منه يدل على ثقافته الواسعة وبلاغته في التعامل مع الكلمة ومع الأرض والشجر وقد عرفه أهل المدينة قمة شامخة وقلبا محبا لكافة عارفيه والمدينة وتربتها ونخيلها وهو صديق لذوي الفضل والحاجات.

ويقدره كل من يقابله أو يرتبط معه في علاقة عمل أو زمالة مهنة أو رابطة نسب وكم من القضايا أراد الله حلها على يديه لسلامة نيته ولصفاء قلبه ولثقة الناس به وحبهم له ومعرفتهم بسخانه ونزاهته وشموخه وهو من حفظة كتاب الله تعالى رزقه الله حفظ القرآن الكريم وعمره قد قارب الخمسين عاما وصلى بالناس
التراويح في مسجد قباء لمدة تزيد على 25 عاما رحمه الله.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ حليت بن عبدالله المسلم) من مواليد قباء في مزرعة والده عام 1334 هـ وقد عاصر أحداث المدينة منذ دخولها تحت مظلة الملك عبد العزيز رحمه الله وكانت مساهماته فاعلة في الكثير من مناشط الأعمال الزراعية والاجتماعية والثقافية وقد كان عضوا مؤسسًا في الجمعية الخيرية للخدمات الاجتماعية، وتولى منصب رئيس هيئة الزراعة بعد صديقه الشيخ عبد الحميد عباس وعين رئيسا للجنة القائمة بأعمال حفر الآبار الزراعية وتم انتخابه في عضوية مجلس الإدارة بالمدينة عدة مرات، كما كان عضوا في مجلس الأوقاف وله الآراء الصائبة والكلمات المسموعة في لجان إصلاح ذات البين.

وهكذا ولد الشيخ حليت مسلم في طيبة الطيبة ووافاه الأجل المحتوم بها وتمت الصلاة عليه في مسجدها العظيم ودفن في بقيعها المبارك عام 1412 هـ. وترك سيرة عطرة وذكرا يفتخر به رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته، وقد ورث حبه للمدينة وترابها لأبنائه من بعده ولعل أبيات ابنه الشاعر المبدع الأستاذ عبد المحسن بن حليت المسلم في المدينة خير برهان على ذلك الحب العميق لطيبة الطيبة وقد ارتقت قصيدته في المدينة التي بعنوان أنا
المدينة والتي مطلعها:

أنا المدينة من في الكون يجهلني
ومن تراه درى عني وما شغلا
تتلمذ المجد طفلا عند مدرستي
حتى تخرج منها عالما رجلاً

ارتقت هذه القصيدة إلى عالم الخلود حبا وإجلالاً وتعظيما لمدينة خير البشرية محمد صلى الله عليه وسلم والتي لو لم يقل الشاعر عبد المحسن بن حليت المسلم من الشعر سواها لكفته في رأيي شاعرا مبدعا وحيا لهذه البلدة العظيمة وتاريخها وترابها
ومكانتها وقدسيتها.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.