الشيخ الشريف: عاتق بن نامي

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ الشريف: عاتق بن نامي
الشيخ الشريف: عاتق بن نامي

رجل شريف من الرعيل الأول في القرن الرابع عشر الهجري إذا عد الرجال في منطقة (بدر) برز اسمه في أولهم، سجلت اسمه مدينة (بدر) وسطع نجمه في سمائها، ينحدر من سلالة شريفة أكرمها الله بانتمائها للنسب الشريف، واتخذت من بدر المدينة والمكان موقعاً للسكن والحياة والنماء. ذلكم الرجل هو الشريف عاتق بن محمد سالم بن عبد الله بن عاتق بن محمد بن نامي الذي عاش حياته بين قبيلته وقبائل ميمون من بني سالم من حرب في وداي الصفراء عموماً وفي مدينة بدر على وجه الخصوص. تلك المدينة التاريخية التي شهدت بطاحها وهضابها ورمالها أول معركة بين الإسلام والكفر، وسجل تاريخها ذلك النصر المبين للإسلام ورفرفت على جبالها وأرضها الطاهرة راية الإيمان معلنة قيام دولة الإسلام بالنصر المبين ودحر الظلم والجبروت والطغيان.

في هذه المدينة الإسلامية الكريمة ولد الشريف عاتق بن محمد سالم عام 1320 الذي أطلق عليه اسم عاتق بن نامي وسمي فيما بعد بهذا اعتزازاً باسمه واسم جده نامي رحمه الله (اختصاراً ) وعاش في كنف والده الشريف محمد سالم بن عبد الله وتشرب المجد على يديه كرماً ونسباً وبطولة وفخراً وشجاعة وتابع خطوات والده الذي أرسل خطاب مبايعة عنه ونيابة عن القبائل القاطنين في بدر ووادى الصفراء على جلالة الملك عبد العزيز في مكة، ورأى الملك عبد العزيز في الشريف محمد سالم معالم الأصالة والصدق والوفاء والإخلاص فأدناه من مجلسه في كل مراحل زياراته لمدن الحجاز، وخصه بالكرم والمعرفة والإشادة طوال حياته. ويوم أن توفي الشريف محمد سالم، تلقى ابنه عاتق وشيوخ الأشراف في بدر تعازي الملك وبنيه ورجال الدولة في وفاته رحمه الله وصدر الأمر الكريم للشريف عاتق بمشيخة الأشراف في بدر ونال ثقة الملك عبد العزيز وثقة الملوك من بعده سعود وفيصل وخالد وفهد وحظي بتقدير الأمراء كالأمير عبد المحسن والأمير سلطان بن عبد العزيز وغيرهم.

وصار الشريف عاتق بن نامي كسلفه نجماً لامعاً في سماء منطقة بدر وما حولها لذكائه المتقد ووطنيته البارزة وسعيه الحثيث في مسارات الولاء والرجولة والعطف والإحسان ومعرفته المميزة للقضاء الشرعي والعرفي بين القبائل، ونال من التقدير والاحترام والتجلة بين قبائل ميمون من حرب وقبائل (صبح) على وجه الخصوص التقدير والاحترام لمواقفه النبيلة وشخصيته المتفردة وإيثاره لذوي الحجا والنهي من جميع افراد مجتمعه وتواضعه الذي عرف به وعطفه على ذوي الحاجات، حيث سخر جميع ثروته من محاصيل النخيل والحبوب والمواشي لسد عوزهم وإكرام ضيوفه وقاصديه في أيام العوز والمجاعة التي اجتاحت البلاد في الخمسينات والستينات الهجرية من القرن الماضي.

ويقول الشريف عبد الله بن عطية الله ال نامي الذي زودني مشكوراً بشيء من سيرة ( رمزنا اليوم ( الشريف عاتق بن نامي عن والده عطية الله آل نامي أن الشريف عاتق اشترى (مونا) أثناء الحرب العالمية الثانية بمبلغ 15000 ريال وهذا المبلغ كبير في وقته يدل على ثراء مميز في المنطقة وهو يعادل ملايين الريالات في الوقت الذي تعاني الأسواق في جده من الكساد وصارت تلك الصفقة حديث تجار جده وتم تحميلها بالقوارب الشراعية الى ينبع من أجل إغاثة المحتاجين في بدر الذين ينتظرون يد العطاء والإحسان من الشريف عاتق الذي جعل ثروته ونخله وجميع ممتلكاته لقاصديه من المواطنين والحجاج وزائري المدينة المنورة وغيرهم من الأعراب. وكان بيته لا يقفل بابه ولا تنطفئ ناره للضيوف ليلا أو نهارا وقد اتخذ لمهامه في مقابلة معاريقه وإحسانه العديد من الرجال المخلصين من جماعته الأشراف ومن جيرانه من قبيلة (صبح) الحربية وعرف عنه رحمه الله اليد السخية والقلب العطوف والمواقف الجزلة والشموخ والإباء والعزة والكرامة فهو أحد كرماء العرب في زمانه. ولديه المعرفة التامة بالقضاء الشرعي والعرفي فلا تكاد تبحث قضية أو تناقش مشكلة إلا ويكون للشريف عاتق مركز فيها ورأي صائب يحترمه الجميع ولا يجرى اتفاق قبلي إلا ويكون له بصمة فيه معتبره.

نال التقدير والاحترام من جميع سكان بدر وما حولها وذاع صيته في قبائل حرب في كل الحجاز وصار له صوت مميز ومكانه خاصة لدى الملك عبد العزيز رحمه الله ولذلك عندما قدم الشريف عاتق بجماعته الأشراف وبعض رجالات بدر للسلام عليه وهو يستقبل الملك فاروق ملك مصر في سفح جبل رضوى رحب جلالته بالوفد البدري) وخصص لهم مساكن خاصة تليق بهم مع التكريم والحفاوة اللائقة مدة إقامة الملك في ينبع وأقامت مدينة بدر حينها برئاسته يرحمه الله سرادقاً خاصاً ترددت في أرجائه بعض الألعاب والرقصات الشعبية الحماسية التي نالت القبول والاستحسان.

وكان شديد الحرص على أن يكون لـ ( بدر) موقف وطني في كل مناسبات الوطن وضمن زيارات الملك سعود رحمه الله للمدينة المنورة في أعوام 1370 و1378 هـ حرص الشريف عاتق على زيارة الملك المدينة بدر وبتأثيره وحرصه على الموقف المميز لبدر وأهلها أشرقت بدر بأنوار الكهرباء لأول مرة في تاريخها وأعدت التجهيزات اللازمة لزيارة الملك وأقيمت الأفراح والاحتفالات في كلتي الزيارتين لمدة أسبوع كامل وتحدث يومها المذيعان القديران في الإذاعة السعودية طاهر زمخشري وعباس فائق غزاوي عن مظاهر الحفاوة التي أقامها أهل بدر وقال الزمخشري عنها :

إن حفاوة الاستقبال ومظاهر الزينة التي أعدها الشريف عاتق وأبناء بدر لا تقل روعة وجمالا مما يعمل في كبريات المدن السعودية، بل أكثر من
ذلك)

ومما حفظته ذاكرة بدر من تلك الاحتفالات وتلك الرقصات الشعبية الحماسية بالسيوف والبنادق على أنغام الزير التي شارك فيها جميع مواطني وادي الصفراء ومشائخها، ثم ذلك النشيد الطلابي الذي ردده أبناء مدرسة بدر من كلمات مدير المدرسة وقتها الشاعر المرحوم الأستاذ أحمد فالح المغامسي أول مدير المدرسة بدر الذي ورد فيه

سعود قدمت فعم السعود
لكل البلاد وأرجائها
فما سجلت في مضي العهود
مليك يطوف بأنحائها

وهذه أبيات من قصيدة نظمها الأستاذ أحمد فالح باسم الشريف عاتق ابن نامي في تلك المناسبة الخالدة.

ويوم أن صدر أمر الملك بتنفيذ الطريق الأسفلتي الذي يربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة وأحس الشريف عاتق أن الطريق قد يُحوّل عن بدر بذل جهوداً مضنية وسافر عدة مرات رغم متاعب السفر ومشاق الطريق المقابلة الملك ووزير المالية حينها الشيخ عبد الله السليمان. حتى استطاع أن تكون مدينة (بدر) في قلب مسار ذلك الطريق الذي أحدث نقلة حضارية لمدن وقرى وادي الصفراء جميعها بما فيها مدينة بدر.

وعندما رأى الشيخ الشريف عاتق المعاناة التي كان يتكبدها طلاب المدرسة في عدم وجود الصف السادس الابتدائي بها لعدم تحمل ميزانية المدرسة لوجود ذاك الصف حسب إفادة الإدارة التعليمية بالمدينة بادر بتحفيز وإعداد الشريف (حميد وكان في ذلك الوقت قد تخرج من مدرسة بالرياض بعمله بالمدرسة دون مقابل فحلت المشكلة ولما رأى المعاناة كذلك التي يلاقيها طلاب مدرسة بدر في أداء امتحان الصف السادس بالمدينة واعتذار إدارة التعليم عن اختيارهم بمدرستهم لعدم وجود مراقبين وبحماسه تبرع بنفسه وبابن عمه الشريف حمود للمراقبة في الاختبارات فقبلت إدارة التعليم بذلك وأرسلت رئيساً للجنة وجرت الاختبارات بالمدرسة في بدر. وله رحمه الله العديد من المواقف والجهود التي تذكر وتشكر في بناء مسجد العريش وتوفير مياه الشرب من الآبار المدينه بدر وكذلك الرفع المساحي للجهة الشمالية من بدر عندما كان قاعاً صفصفاً حماية لها من (العشوائية) وصارت فيما بعد مدينة بدر الجديدة.

إلى غير ذلك من جهوده في كل ما يخدم المكان والإنسان وكانت استجابة المسؤولين له دائما في كل أمر يقدم عليه لصالح بدر وأهلها في وقت شحت المؤن وعزت المطالب ولم يؤثر عنه أنه قد طالب بشيء لنفسه بل كان سعيه للصالح العام وهذا دليل على الوطنية الحقة والإخلاص والحب والايثار البدر وأهلها.

وخلاصة القول بإن الرمز الشريف عاتق بن نامي عاش طوال حياته رجالاً في رجل فهو في عالم القبائل ومشيخاتها شيخ وشريف من الطراز الأول. وهو في عالم العطف والإحسان والبذل والعطاء ورعاية الأيتام وذوي الحاجات ومخافة الله نسيخ من طراز فريد ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى، وهو في الجانب الوطني لولاة الأمر و للمكان والسكان والقبيلة رجل المواقف الذي لا يشق له غبار ولذلك عاش طوال حياته مكرما يحترمه جميع عارفيه من أهل بدر وغيرها وله قدر خاص لدى الدولة ومسؤوليها وكذلك له مركزه القبلي في المنطقة لعفة نفسه وعلو قامته وقد بلغ من تقدير الناس والقبائل له في منطقة بدر ان الألعاب الشعبية التي تقام في الأفراح في زمانه لا تقام حتى حضوره تقديراً واحتراماً له ولمكانته الخاصة.

توفي (رمزنا) الشريف عاتق بن نامي فجر الجمعة الحادي عشر من شهر رمضان عام 1394 هـ وضمت جسده أرض بدر في جوار شهداء بدر الأطهار عن عمر ناهز الرابعة والسبعين وقد بكته (بدر) موقعاً ومكاناً ومدينة وسكاناً رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.

وبعد وفاته رحمه الله رفع أشراف بدر بترشيح الشريف حميد بن حمود ال نامي رئيسا لهم في محافظة بدر مصدر أمر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله بترشيح الشيخ الشريف حميد لرئاسة الأشراف في بدر وهو أهل للثقة والاحترام ولا يزال طوال 61 عاماً بحمد الله قائماً بمسؤولياته وطنياً مخلصاً ورجل صلاح وإصلاح ويحظى بالتقدير والاحترام من مسؤولي الدولة ومن المواطنين ومن جماعته الأشراف أطال الله عمره وبارك فيه ووفقه.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.