سلمى بنت عمرو النجارية

محمد بن صالح البليهشي

سلمى بنت عمرو النجارية
سلمى بنت عمرو النجارية

في يوم السبت الماضي كنت أحد السائرين في ميدان (قباء) الذي هو بداية الجادة قباء التي رسمت وتحققت بتوجيهات وتخطيط أمير طيبة المحبوب فيصل بن سلمان بن عبد العزيز حفظه الله تعالى. هذه الجادة التي وجد فيها المواطنون وزوار المدينة المنورة سمواً ودقة في التنفيذ والعطاء والتخطيط وأضافت إشراقات جديدة إلى أنوار المدينة المنورة ونشرت عبقاً تاريخياً جديداً تغلغل إلى أعماق كل مسلم مشى في تلك الجادة وأحس بالنسمات والبطولات على ضفاف تلك البقاع النضرة التي تتكلم التاريخ في كلياته وجزئياته. وكم كان إعجابي كبيراً عندما رأيت تناسق ما تم إنجازه في ميدان قباء المسجد وما شهدته جنباته لتنفيذ ذلك المشروع الكبير مشروع الملك سلمان بن عبد العزيز التوسعة مسجد قباء وميادينه ) حيث بدأت ملامح الإشراق في قباء وبرزت للعيان معالم المساجد والآبار والمزارع والاطام والحصون التي تزخر بها قباء) ذات المفاخر والتاريخ في مدينة خير البرية صلى الله عليه وسلم، برزت من خلال ذلك (البهو) الفسيح بعد إزالة ما أحاط بالمسجد العظيم من مبان وعشوائيات لتنفيذ هذا المشروع الكبير الذي سيجعل مسجد قباء جوهرة في صحن (قرمز) محاط بتلك المآثر المرتبطة به والمكملة لصورته التي أرادها قائد المسيرة لهذا المعلم الإسلامي كأول مسجد أسس في مهاجر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقفت على موقع (بئر الخاتم) أو بئر أريس الواقعة في غربي المسجد بعد أن أظهرت هيئة تطوير المدينة موقعه ومعالمه مشكورة، وقفت وبدا أمامي في جهة الغرب أيضاً أطم الضحيان) الذي له اتصال وثيق برمزنا اليوم (سلمى بنت عمرو التجارية وأطم الضحيان واحد من قرابة خمسين أطماً كانت تحفل بها قباء في يوم من الأيام وتلك الأطام اتخذها بنو قيلة ومن جاورهم حماية ومفاخرة ودفاعاً عن الأعراض والأموال والديار، والاطام بالمدينة في حصونها وهي زينتها وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على بقائها وأتى المدينة وبعضها لايزال في مرحلة البناء والتأسيس فأقرها وشجع عليها، وأطم الضحيان) وحوله (الزوراء) لسيد الأوس في زمانه ( أحيحة بن الجلاح ( بالعصبة في قياء مما أثره.
(أحيحه) وأحبه وافتخر به، وفي أطمة الضحيان يقول :

وقد أعددت للحدثان حصناً
لو ان المرء تنفعه العقول
طويل الرأس أبيض مشمخر
يلوح كانه سيف صقيل

ويقول في الزوراء :

إني أقيم على الزوراء أعمرها
إن الحبيب إلى الإخوان ذا المال
لها ثلاث بنار في جوانبها
فكلها عقب تسقي بإقبال

وفي هذا الأطم) وعلى جوانب هذه المزرعة تجمعت قبائل الأوس في مجلس سلطاتهم أحيحة بن الجلاح في ليلة مقمرة من أجل وحدة الكلمة والانتقام من غرمائهم بني النجار من الخزرج وفي هذا عقد أحيحة العزم على الإغارة والانتقام مع فجر تلك الليلة. وكانت سلمى بنت عمرو التجارية زوجة أحيحة بن الجلاح حينها ترى وتسمع ما أعد القوم لأهلها الخزرجيين من غزو وانتقام على أثر موقف بين القبيلتين، فعز عليها أن يؤخذ قومها على غرة وهي ابنة شيخ من شيوخ بني النجار وسيد من سادات الخزرج فأحكمت حيلة من ليلتها لتبليغ أهلها بذلك الغزو فجراً وقامت بربط قدم ابنها الفطيم (عمرو بن أحيحة بخيط (حز) في جسمه وصار يبكي بكاء متواصلاً طوال الليل وهي تحمله وبات (أحيحة) ساهراً قلقاً لبكاء الطفل وعندما رأت إعياء زوجها زعيم القوم) فكت الخيط فسكت الطفل ثم تظاهرت بالمرض لإشغال (أحيحة) وإجهاده بالسهر حتى إذا رأت أن السهر قد أخذ منه وأنهارت قواه أخبرته بتعافيها فنام (أحيحة) بعد جهد وسهر نوماً عميقاً، وعندما تأكدت من نومه ربطت حبلا في شرفات أطم الضحيان هذا وتدلّت منه إلى الأرض وأنذرت قومها مما كان من نية أعدائهم فاستعدوا وأخذوا حذرهم وعادت مسرعة من خلال الحبل المتدلي من الأطم وعلى موعد الفجر فوجئ أحيحة وقومه وهم يُغيرون على بني النجار بالاستعداد من الخزرجيين في معركة ضارية لم يتوقعوها على جنبات وادي بطحان وكانت الغلبة فيها للخزرج فعلم (أحيحة) أنه قد خدع وأن سره قد وصل إلى بني النجار وعاد بقومه وهو يقول هذا عمل (سلمى) خدعتني وفوتت الفرصة علي ولا أحد غيرها يعلم بذلك، وقام (أحيحة) بضربها وكسر يدها وطلقها، ومن يومها سميت سلمى المتدلية وكانت ذات نفوذ وجمال وشجاعة في قبيلتها وهي ابنة رجل صاحب رأي وقيادة هو عمرو بن زيد التجاري الخزرجي الذي ترجع إليه الخزرج في معالي الأمور، تناقلت القبائل أخبار (سلمى) وحميتها وحرصها على قومها وتضحيتها من أجلهم وقوة شخصيتها واعتزازها بقبيلتها فاستهوت الكثير من الرجال ذوي الرأي والشجاعة والمكانة في منطقة الحجاز ومنهم هاشم بن عبد مناف القرشي الذي كان له مركزه وقيادته في قبيلته قريش وهو أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف وأول من أطعم الثريد بمكة فخطب (سلمى وتزوجها ولاقت منه كل تقدير وإعزاز وولدت له عبد المطلب بن هاشم وأسد بن هاشم وأخذت مكانتها بين نساء قريش شموخاً وأصالة وحياً وتقديراً ولذلك قدرها هاشم بن عبد مناف ووالى ذويها من آل النجار الخزرجيين ونشأ عبد المطلب بين أخواله بني النجار بعد موت أبيه هاشم في الشام واتصف بصفاتهم وتأثر بشعرهم وعاداتهم وكانت له معزة خاصة بينهم وصار يفاخر بأخواله ويتخلق بأخلاقهم وعندما شب عن الطوق وعاد إلى مكة وجد في ربوع قومه بمكة التقدير والإعزاز وبسط الله له رزقه بينهم وكثرت ذريته ونمت ثروته ونشأ على المحبة والفضيلة وأخذ على عاتقه حفر بئر زمزم في موقعها بقوة إرادة ومصابرة وعزم وتصميم، وتذكر قريش له موقفه مع (أبرهة الحبشي يوم أن أخذ أبرهة إبله وأتى إليه طالباً منه إعطاءه إبله حيث استهجن وقتها أبرهة طلبه وقال كنت أظنك ستطلب انصرافي عن الكعبة فرد عليه عبد المطلب إن الإبل أنا ربها أي صاحبها وللبيت رب يحميه، وفعلا سلط الله على أبرهة وقومه الطير الأبابيل) التي جعلته يخرج من مكة صاغراً مدحوراً، وقد حافظ عبد المطلب على علاقته وارتباطه بأخواله بني النجار حتى وفاته وامتدت العلاقة إلى ابنه عبدالله والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في زياراته المتكررة الأخوال أبيه حتى أنه عندما أتى من الشام في تجارته وفي مرضه الذي مات فيه بقي عندهم بالمدينة شهراً حتى وفاته وعمره 25 سنة ودفن في دار النابغة وهو أي النابغة رجل من بني عدي من بني النجار، وامتداداً للعلاقة والخؤولة أنت أمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم بابنها زائرة الأخوال جده عبد المطلب من بني النجار من الخزرجيين وعمره ست سنوات توثيقاً للعلاقة ومحافظة على الصلة والارتباط، وتتجلى روابط العلاقة وأثر (سلمى بنت عمرو الجدة العظمى السيد ولد آدم محمد عليه الصلاة والسلام في يوم الهجرة عندما امسك بنو النجار الخزرجيين بزمام القصواء وهم يقولون للمهاجر العظيم الذي أشرقت انوار طيبة بقدومه (هلم إلينا يا رسول الله، هلم إلى أخوالك بني النجار، فلم إلى العزة والمنعة والنصر والسؤددا
فيقابل ذلك بابتسامته المعهودة وسروره مما سمع قائلاً لهم : خلو سبيلها فإنها مأمورة، وما أن يحط رحله عليه الصلاة والسلام في دار أبي أيوب حتى يسمع النشيد الترحيبي من بنات أخواله الصغيرات وهن يضرين بالدفوف ويغنين بصوت شجي ومحبة وعفوية ويقلن:

نحن بنات من بني النجار
يا حبنا محمد من جار

فليتفت إليهن عليه الصلاة والسلام قائلاً: بلسان المحب لنسائم أخواله ويقول: أتحبيني ؟، قلن: نعم، قال: الله يعلم أني لأحبكن، اللهم بارك فيهن. مذكراً بانتمائه إلى بني النجار ومشجعاً للصغيرات حفيدات سلمى بنت عمرو التجارية الخزرجية أم عبد
المطلب بن هاشم بن عبد مناف

تلك المرأة العظيمة صاحبة المواقف المشرفة والحمية المميزة والعقل الرزين

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.