الأستاذ سليم بن سليمان الردادي

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ سليم بن سليمان الردادي
الأستاذ سليم بن سليمان الردادي

وأنا أفتش في أوراق قديمة لدي تتصل بالأستاذ عبد العزيز الربيع - رحمه الله تعالى أول مدير للتعليم بمنطقة المدينة المنورة، عثرت على صورة كلمة له كتبها لصحيفة المدرسة الصناعية صحيفة العلم والصناعة في بدايات وجودها بالمدينة المنورة وتعود تلك الكلمة إلى الأعوام الأولى من السبعينات الهجرية من القرن الماضي حينما كان الأستاذ سليم بن سليمان الردادي مديراً لتلك المدرسة الناشئة ولما تحمله من عبق تاريخي لذلك النوع من التعليم قبل سبعين عاماً ولما يحمله (الربيع) رحمه الله من أفكار وتطلع للمستقبل وإشادة بالعاملين معه والأخذ بأيديهم إلى قمم المجد والتفوق والطموح والنجاح، ولأن الأستاذ سليم الردادي (أبو نبيل) منذ بداياته الأولى وهو يحمل قلباً طموحاً وروحاً قيادية ونفساً صافية وإخلاصاً عاش به طوال حياته، ولإشادة مدير التعليم وإعجابه به رأيت أن يكون (رمزنا) اليوم هذا الرجل العصامي خريج مدرسة دار الأيتام بالمدينة المنورة والعائد في ذلك الزمن من دورة صناعية في ربوع إيطاليا لمدة ثلاث سنوات عاد بعدها إلى مدينته الحبيبة المدينة المنورة مترسماً خطواته ومسارات زملائه في مدرسة الأيتام إلى أروقة المسجد النبوي الشريف إلى ساحات باب المجيدي حيث تقع تلك الدار التي غرست في نفسه الكثير من القيم والمعاني والأخلاق والصفات الحميدة التي وجدت في أصله ومعدنه ما حقق لها النمو والثبات.

وفي عودته واستلامه زمام العمل في المجال الصناعي بالمدرسة الصناعية بالمدينة المنورة التي تأسست في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم في العام الهجري 1375هـ رأى فيه (الربيع) مخايل القيادة والنبل والحرص والإيمان بالقيم والأخلاق واستيعاب ما استفاد منه في بعثته فأوكل إليه إدارة تلك المدرسة التي هي في واقعها نوع جديد من التعليم كان للمجتمع في ذلك الوقت مع الصناعة موقف سلبي من آثار غبار الماضي تم زرعه بطريقة أو بأخرى في بعض الأذهان والمدارك والعقول وهو الإعراض عن الصناعة والصناع.

دخل أبو نبيل المدرسة الصناعية من أوسع أبوابها واستطاع في مدة قصيرة أن يحتوي العاملين بها والطلاب الذين التحقوا بها وغرس في أذهانهم روح التعاون والإخلاص والتضحية وأثبت رغم صغر سنه وقلة خبرته وقتها أنه في مستوى المسؤولية وأن المدرسة الصناعية جديرة بأن تحقق أهدافها التي وجدت من أجلها في ذلك الزمن وتلك الأيام الأولى من وجودها وأن تساير بقية المدارس الأخرى رغم اختلاف اتجاهاتها وأغراضها وكأن الربيع باختياره لهذا الرمز في تلك السن المبكرة قد قرأ في ملامحه سمات القيادة والإيمان بالرسالة وعمقها في نفسه.

وفي زيارة للصناعية ومتابعة لها في خطواتها الأولى رأى ما جعله يكتب لمدير المدرسة وللعاملين فيها ما أثلج صدره وطمأنه على حسن المسار والتحقق من الأهداف المتوخاة بإدارة وإشراف المدير الناشئ الطموح سليم بن سليمان الردادي وقال في تلك الكلمة لمجلة المدرسة: المدرسة الصناعية هي المصنع الذي يتخرج منه الصانع الفني المثقف المتخصص الذي ينهض بالصناعة ويعمل على ارتقائها كما أن المدرسة الصناعية هي التي تتولى القيادة الصناعية في محيطها ولا شك أن توطيد العلاقة بين هذه المدرسة والشركات والمصانع المحيطة بها هي وسيلة للترابط والنزول إلى ساحات العمل تدريباً واستفادة ومعرفة بظروف العمل على الطبيعة، والاطلاع واقعياً على مدى تطور
الصناعة وأهميتها واحتياجات البيئة والبلاد منها. وإن ما رأيته في المدرسة الصناعية بالمدينة المنورة في زيارتي لها دليل جديد على عمق الوعي في نفوسنا وتغلغل الإحساس في ضمائرنا ورغبة أكيدة على أن يتبوأ شبابنا المكانة الجديرة به في مهبط الوحي ومشرق النور، وقد أعجبني في المدرسة ما يبهر كل زائر، جمال ونظافة وتنسيق، وأعجبتني أكثر الروح البناءة التي تسيطر على المدرسة وتخلق جواً من التعاون المثمر الخصب وقد ظهرت آثاره في شتى الأقسام، ويستطيع كل إنسان أن يلمسه بوضوح وهذا أثر من آثار القيادة الرشيدة المتمثلة في مدير المدرسة الأستاذ سليم سليمان الردادي. هذا الشاب (الأسمر) الضئيل الذي رأيته ويراه الجميع يتفجر نشاطاً وحيوية وإبداعاً والذي كان على رأس هذه المدرسة منذ إنشائها وفيه تصوير صادق كذلك لجهود إخوانه وزملائه من الأساتذة وهو خير مثل للتضحية والتعاون وإنكار الذات وفي تصوير صادق لجهود الطلائع من أبناء هذه المدرسة وهم نخبة طيبة ممتازة التحقوا بها عن رغبة وإيمان فأصبحوا جزءاً منها ولذلك يبذلون الكثير من جهودهم ووقتهم حتى قفزوا بمدرستهم رغم حداثة سنها إلى مصاف المدارس الكبيرة القديمة الراقية.

ولا شك أن مدرستهم الصناعية إحدى المنارات الكبيرة التي تضيء طريقنا طريق المستقبل، وأن أبناءنا بالإقبال عليها يعطون الدليل القاطع على نفاسة معدنهم وأصالة جوهرهم وما أشك أن في إقبالهم على هذا النوع من التعليم واستفادتهم مما هيأتها الدولة لهم فيها سوف يثبت أنهم أهل لهذه الثقة.

وأقول من خلال اطلاعي على قفزات المدرسة بإدارة مديرها الأستاذ (سليم) هذا الشاب النشيط المخلص، بأنه إذا قيض الله للأمة في أي عصر من العصور القيادة الطموحة والمعلم الصالح فإن معنى ذلك بكل وضوح أن مرحلة جديدة سليمة من تاريخ البشرية قد بدأت وأن صفحة جديدة من أنصع الصفحات وأروعها قد أطلت على الأجيال المتطلعة إلى أرقى الدرجات وإلى قمم الحق والخير والجمال.

هنيئاً لمدير المدرسة وجميع العاملين على النهوض بها في ظل القيادة الحكيمة والوزارة الطموحة والرجال المخلصين.

وفي الختام لا زلت أطمح في أن يتضاعف الإقبال على التعليم الصناعي إقبالاً يفوق مراحل الإقبال على التعليم النظري ويوم يحدث ذلك وهو لاشك سيحدث إن شاء الله نستطيع أن نقول أن التعليم الصناعي يلقى الإقبال اللائق به وعن طريقه ترتقي الأمم والشعوب....

وأقول هنا بأن هذا القول وهذه الإشادة والإعجاب بالصناعية وبمديرها والعاملين فيها في ذلك الوقت المبكر من الأستاذ الربيع - رحمه الله تعالى قبل ما يقارب من سبعين عاماً من الآن يعطي الدليل القاطع للنظرة الطموحة والتشجيع اللامحدود لتلك النفوس الشابة والأيدي والأفكار والمعارف التي أتت لتمارس ألوان الصناعات الميكانيكية في أقسام البرادة والخراطة والحدادة وهندسة السيارات وأقسام الصناعات الزخرفية من نجارة أثاث وخياطة وأقسام الصناعات الكهربائية وغيرها
مما تحتاجه البلاد في بدايات نهضتها الصناعية.

إنه بعث جديد اهتمت به وزارة المعارف بقيادة وزيرها سمو الأمير فهد بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى حينها حيث بدأت الوزارة في ذلك الوقت في تعميق مفاهيم التعليم الصناعي وعنيت به عن طريق تدعيمه علمياً ومادياً وجذبت له نخبة من المعلمين الفنيين لتسير دفته ووضع الخطط اللازمة للتدريب والابتعاث والتمرين.

بقي القول بأن الأستاذ سليم بن سليمان الردادي (رمزنا) اليوم تألق في المدرسة الصناعية وارتقى بها وبمفاهيمها، وكانت الصناعية في عهد إدارته لها تنافس المدارس الكبيرة في المدينة المنورة كطيبة الثانوية ومعهد المعلمين والمعاهد العلمية وأعجب بها وبتألقها كل من زارها على مستوى المناطق التعليمية والوزارة، وبقي فيها الأستاذ سليم إلى عام 1389هـ ثم رأت الإدارة التعليمية الاستعانة به في إدارة الشؤون المالية بها وقد كان فيها عند حسن ظن المسؤولين حيث أدارها بجد وإخلاص ومرونة واحتوى كافة العاملين معه مما كان له أثره في حل جميع العقبات والمصاعب يجلله بين زملائه وعارفيه حسن التعامل ودماثة الأخلاق والنزاهة والعمل بروح الفريق الواحد مع الابتسامة الدائمة والتواضع الجم والحب والتقدير الذي زرعه مع الجميع.

ورمزنا اليوم من مواليد عام 1353هـ بالمدينة المنورة والتحق بدار الأيتام عام 1365هـ ونال الشهادة الابتدائية عام 1369هـ، واستطاع في دراسته بدار الأيتام وبالمسجد النبوي الشريف حفظ أجزاء من القرآن الكريم وبعد عمل في الشؤون المالية دام أكثر من 24 عاماً صدر أمر تقاعده في عام 1413هـ ولا يزال (أبو نبيل) بابتسامته المعهودة وتفاؤله وحبه محاطاً بتعلق زملائه وأصدقائه به وتقديرهم له.

أمده الله بالصحة والعافية وطول العمر في طاعته

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.