الأستاذ سالم بن محمد الحداد

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ سالم بن محمد الحداد
الأستاذ سالم بن محمد الحداد

في أواخر شهر ذي الحجة من العام الهجري 1396هـ وبالتحديد في اليوم السادس والعشرين من ذلك الشهر كانت مدينة العلا على موعد مع التاريخ حيث شرفها صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة المدينة المنورة في ذلك الزمن رحمه الله تعالى راعياً حفل وصول الطريق الإسفلتي إلى تلك المحافظة التاريخية التي عاشت عمراً مديداً مع معاناة أهلها للوصول منها إلى المدينة المنورة التي كانت العلا إحدى محافظاتها ... وكنت يومها ضمن الوفد الإعلامي المرافق لسموه الكريم مندوباً لجريدة الندوة وقد أقيم الاحتفال في منطقة خارج محافظة العلا وكانت الفرحة تعلو الوجوه والبشر يملأ النفوس بإنجاز الطريق الإسفلتي الذي ينهي المعاناة ويُريح المواطنين وقد بذل أبناء العلا جهوداً مشكورة في إقامة ذلك الحفل وتبارى الكاتبون والشاكرون والشعراء في الترحيب بالأمير والشكر للقيادة على هذا الإنجاز الكبير وتلك اليد الحانية التي ربطت هذه المحافظة الأثرية التاريخية العلام بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان من بين أكابر العلا الذين يحس المستطلع والمشاهد حينها أنهم قد تحملوا وفرحوا وأشادوا بهذا الإنجاز الكبير الأستاذ المربي الفاضل أسالم بن محمد السيد سالم الحداد الذي لم أعرفه قبل ذلك اللقاء حيث جمعتني به في أيام الاحتفال جلسة تربوية وأدبية وثقافية ترأسها الأستاذ الأديب المرحوم بإذن الله تعالى عبد العزيز الربيع الذي يكن له الأستاذ سالم الحداد كل محبة وتقدير وإكبار وإجلال وكذلك (الربيع) كان يقدر الأستاذ سالم الحداد ويشيد بدوره التربوي وأثره على الحياة التعليمية في محافظة العلا ...

وكان ذلك الطريق الذي يربط المدينة بالعلا عن طريق خيبر قد أمر بتنفيذه جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يوم أن تشرف وفد من أبناء الغلا بمقابلته في مكة المكرمة ورفعوا معاناتهم من ذلك الطريق بكلمات مغيرة وألقى حينها الأستاذ الرمز) سالم الحداد قصيدته المعبرة التي ورد فيها:

الله أكبر شرقها والمغرب ... يعفو إلى لقيا المليك ويرغب
وشمالها لا يلتقي بجنوبها .... والكل يفرح للقاء ويطرب
يا أيها الملك المعز لشعبه ... مرحى تحيبك السلا وترحب

وأعجب الملك فيصل بما سمع من كلمات وقصيدة وواعد العلا العلا خيراً خيراً . وقال بكل حب وتقدير جملته الشهيرة التي حفظها أبناء العلا وهي قوله : ( الصبر منكم .. والوفاء منا ) ولم يمض وقت حتى صدرت الأوامر بتنفيذ ذلك الطريق الذي أنهى المعاناة ونشر الفرحة لكل مواطني الغلا ومدن الشمال ...

ورمزنا اليوم الأستاذ أسالم الحداد كانت العلا شغله الشاغل بها حيث ولد عام 1352هـ وعلى أرضها نشأ وتعلم واحتلت من نفسه ووجدانه مساحة كبيرة وبدأ مشواره التعليمي في مدرسة (قارا) في الجوف وسجلت مدارس سكاكا ودومة الجندل صورته مدرساً ووكيلاً ثم عاد إلى محبوبته العلا مرقباً ووكيلاً ومديراً في مدرسة العلا والمنشية ومعهد إعداد المعلمين وبلغ من نشاطه وثقة المسؤولين فيه ليكون مديراً للمدرسة والمعهد إعداد المعلمين النهاري والتيلي وكان مدير عام التعليم بالمدينة المنورة الأستاذ عبد العزيز الربيع معجب بنشاطه وحرصه وأمانته ولذلك تم تكليفه بالمحاسبة والإشراف على الشؤون المالية بمدارس الغلا ثم كلف مشرفاً على مدارس العلا ونال ثقة (الربيع) وتقديره والإعجاب بجهوده وحرصه ... وفي عهد إشرافه وتحمله مسؤولية متابعة مدارس الغلا بلغت المدارس ذروة نشاطها التربوي في إقامة المعارض والمسابقات الثقافية والرياضية واستطاع أبو محمد) أن يوجد تعاون العاملين في المجال التربوي ويكسب ثقتهم لإقامة تلك الأنشطة المميزة التي كانت تقام سنوياً ويحضرها مدير عام التعليم بالمدينة وكبار المسؤولين بالوزارة مما أعطى لنشاط وحيوية ومنافسات مدارس الغلا نكهة خاصة نالت إعجاب الجميع وكان الأستاذ سالم الحداد حلقة الوصل بين إدارة التعليم بالمدينة والمسؤولين بالوزارة وبين العاملين في الحفل التربوي في محافظة العلا وضواحيها ..

ويوم أن صدر الأمر بافتتاح إدارة التعليم بالعلا عام 1402هـ تم تكليف الأستاذ عبد الرحمن الصالح الشبل مديراً لتعليم العلا كان الأستاذ سالم الحداد ساعده الأيمن في تحديد الأقسام العاملة واختيار العاملين فيها وتولى إدارة التفتيش الإداري بالإدارة الجديدة وإدارة التخطيط والخدمات المدرسية والتطوير ولجان الاختبارات ومتابعة الإشراف على مسار التعليم الأهلي للبنات وكل ذلك ليس بجديد عليه لأنه منذ عام 1393هـ وهو يتولى الإشراف على مسار التعليم بالغلا بتعميد من مدير عام التعليم بالمدينة وبموافقة المسؤولين بالوزارة ولذلك كان مشعل الإضاءة للتعليم وشؤونه في تلك الفترة واستطاع بدماثة خلقه وإعجاب وتقدير رجال التعليم أن يكسب ودهم وتعاونهم لما يخدم المصلحة التعليمية من كافة جوانبها

ولم يقتصر نشاط الأستاذ سالم الحداد على التعليم وشؤونه بل كان للسياحة في محافظة العلا موقع في جهوده واهتماماته حيث رأت وزارة المعارف في السبعينات الهجرية عندما كانت الوزارة هي المشرفة على الآثار أن تسند إدارة الإشراف على الآثار إليه فاستقبل في عام 1376هـ طائرات الجمعية الأمريكية التي أنت مستطلعة لآثار الغلا بتوجيه وزارة المعارف وقام بدوره بمساعدة من اختارهم من رجال التعليم في تلك المهمة واستقبل جموع السياح طيلة مدة إشرافه من داخل المملكة وخارجها باذلا جهده وفريق العمل معه في إيضاح جوانب الحضارات التي قامت في العلا على امتداد حقب التاريخ .. وطالب بتسوير مناطق الآثار وتعيين المشرفين والمراقبين والباحثين والحراس لآثار مدائن صالح وعكمة والخريبة ووادي الجزل وغيرها من مناطق الآثار وتم ترقيم وحصر مباني البلدة القديمة (الديرة في العلا وصدر أمر معالي الدكتور عبد العزيز الخويطر وزير المعارف ومدير عام التعليم بالمدينة وكبار موظفي التعليم بها بعدما سمعوا ورأوا الحاجة الملحة التي أوضحها المشرف العام على الآثار وبحس المواطنة وحب العلا رأي الأستاذ الحداد في وقت مبكر أن يكون اللغلا) المدينة صوت في الصحافة مراسل الصحف المحلية والمجلات ناقلاً أخبار ونشاطات وخطوات التطوير في العلا إلى الصحف فعمل مراسلاً لجريدة المدينة المنورة في العلا ومناطق الشمال لمدة تزيد على عشرين عاماً كما سمع صوت الحداد في الإذاعة والتلفاز بعد وجوده متحدثاً باسم الغلا مشيداً بما نال تلك المحافظة من اهتمام وتطوير وموضحاً آمال وآلام أهالي الغلا يوم أن كانت الصحافة في أوج مجدها كوسيلة إعلامية فريدة لنقل صوت المواطن وآمال المناطق والمدن ...

وعندما تم افتتاح نادي تبوك الأدبي حملت أوراقه اسم الأستاذ سالم الحداد) كأحد مؤسسي النادي كما ورد اسمه في ورقة تأسيس نادي الغلا الرياضي . وامتد نشاطه الثقافي في محاضراته ولقاءاته وقصائده إلى نادي المدينة الأدبي. وإلى النشاط الثقافي بالجامعة الإسلامية حيث كانت له مساهمات ثقافية في تلك المواسم .. وتصدر اسمه ضمن أعلام الغلا في مطالبات ورجاءات للقيادة أعزها الله تعالى بإنشاء مطار الغلا وافتتاح الكلية المتوسطة للبنات ومراكز التدريب المهني وفرع المحكمة والهاتف الآلي والجوازات وغيرها .. وكان عضوا رئيسياً في مسح الطرق الزراعية في العلا وضواحيه واحتياج المناطق المحيطة من المدارس والخدمات وغيرها ...

ولا أنسى تلك الليلة التي احتفى فيها الأستاذ الربيع مدير عام التعليم ورئيس النادي الأدبي بالمدينة في صالة النادي بالأستاذ سالم الحداد بحضور كوكبة من الأدباء والمثقفين والمربين في أواخر التسعينات الهجرية من القرن الماضي. وأشاد الربيع ليلتها بالأستاذ سالم إشادة يستحقها وقال فيها : ( إن الأستاذ سالم الحداد نموذج للرجل الطموح والمواطن المخلص الذي لا يهدأ ولا يستكين في كل ما يحقق للعلا ومواطنيها الرفعة والسمو ولم يعرف عنه أن طلب شيئاً لنفسه أو لمصلحته فهو نموذج للمواطن الصالح والمصلح في نفس الوقت وتمنى له مزيداً من التوفيق والسداد ...

وألقى الرمز (سالم الحداد كلمة معبرة وقصيدة رائعة نالت القبول والإعجاب .. وفي الأول من شهر رجب من عام 1412هـ ألقى عصا التسيار متقاعداً بعد مشوار طويل مليء بالحيوية والنشاط وحب الخير للناس ومع تقاعده لم يتقاعس عن أي عمل يرى فيه مصلحة. لمواطنيه أو تقدماً لمسقط رأسه (العلا) وكان اسمه ولا يزال مضيئاً في سماء الغلا مواطناً مخلصاً غيوراً محباً للخير ساعياً في كل حياته إلى تحقيق المصلحة والتطوير للغلا وأهلها حتى وافاه الأجل المحتوم عن عمر ناهز الثمانين عاماً ودفن في مقبرة (العريق) بعد الصلاة عليه في جامع الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعلا رحمه الله رحمة الأبرار وجزاه خيراً عن كل ما قدم من جهود وتضحيات ...

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.