الشيخ الدكتور صالح زين العابدين الشيبي رحمه الله

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ الدكتور صالح زين العابدين الشيبي رحمه الله
الشيخ الدكتور صالح زين العابدين الشيبي رحمه الله

غادر دنيانا الفانية فجر السبت 16 / 12 / 1445هـ إلى دار البقاء والخلود ذلك الرجل الوقور الذي عرفته مكة المكرمة وعرفه العالم الإسلامي بشخصيته المميزة ووقاره وتواضعه وأصالته الشامخة، كبير سدنة بيت الله الحرام الشيخ الدكتور صالح زين العابدين الشيبي حيث تمت الصلاة عليه بالمسجد الحرام واستقبلته مقبرة المعلاة وشيعته جموع المصلين من أهل مكة وآل الشيبي والحجاج والمعتمرين رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

وسادن الكعبة الشيخ الدكتور صالح، أستاذ جامعي امتاز بثقافته الإسلامية وعلو قامته في مجال البحث في العقيدة ويحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وله العديد من المؤلفات في العقيدة واللغة والتاريخ وهو من مواليد مكة المكرمة عام 1366هـ. عرفه المجتمع المكي بدماثة خلقه وتواضعه وشموخ قامته وعقله ورويته، تشرف بمنصب كبير سدنة الكعبة المشرفة بعد وفاة عمه الشيخ عبد القادر بن طه الشيبي في عام 1435هـ فصار السادن (77) في سلسلة سدنة البيت العتيق منذ جده عثمان بن طلحة واحتل ترتيبه (109) من عهد جده الأكبر قصي بن كلاب.

وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة رضي الله عنه صحابي جليل حاجب البيت العتيق في العهد النبوي تشرف بالهجرة إلى المدينة في هدنة الحديبية بصحبة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في أول السنة الثامنة من الهجرة قبل فتح مكة وقد سر النبي صلى الله عليه وسلم حين رآهما مهاجرين ووطنت أقدامهم أرض المدينة المنورة فقال قولته المشهورة لأصحابه: لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها .....

وقد كان لعثمان بن طلحة موقف من المواقف التي سجلها التاريخ في سجلات النخوة والشهامة والرجولة حينما كان يسير في بطاح مكة وهو لم يسلم بعد ورأى أم سلمة زوجة أول مهاجر في الإسلام تريد اللحاق بزوجها وتقطعت بها السبل وقل الناصر والمعين والمسافة بعيدة والطرق غير آمنة فثارت نخوته وبرزت شهامته واقتاد راحلتها وأوصلها زوجها بقباء في بني عمرو بن عوف، وامتدحته أم سلمة عندما صارت زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام بعد استشهاد أبو سلمة) حيث قالت رضي الله عنها: (ما رأيت أكرم من عثمان بن طلحة ...

كان مفتاح الكعبة بيده سادنا لها ورثه عن آبائه وأجداده اختص الله بها أحفاد قصي بن كلاب بن مرة الجد الرابع لنبي الأمة صلى الله عليه وسلم ووصلت إلى آل الشيبي وبقيت فيهم إلى يوم الناس هذا أصالة وفخرا وشرفا لا يدانيه شرف.

وسدانة الكعبة مهنة قديمة أي أنها قبل الإسلام منذ بناء إبراهيم عليه السلام لها فكانت بيد ابنه إسماعيل ثم اغتصبها (جرهم) ثم انتزعتها خزاعة ثم آلت إلى قصي بن كلاب ثم صارت من بعده لولده الأكبر عبد الدار ثم صارت في بني عبد الدار في الجاهلية والإسلام وبقيت في ذريته حتى وصلت إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي.

ويذكر المؤرخون أن عثمان بن طلحة هذا قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين ويوم الخميس من كل أسبوع فأقبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن يدخل الكعبة وذلك في بداية البعثة فأغلظت له ونلت منه فحلم عني ثم قال: (يا عثمان لعلك سترى المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت له: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت فقال عليه السلام: بل عمرت وعزت يومئذ، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال

ويحدثنا التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحا لها وحوله الأنصار والمهاجرون وقبائل الفتح تحيط به من كل جانب دعا عثمان بن طلحة وأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها وصلى بها وأمر (بلال) أن يؤذن الله أكبر..) على ظهرها في مشهد مهيب ويوم من أعظم أيام التاريخ وخطب على باب الكعبة ومما قاله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، إلا كل ماثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، إلا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة منة من الابل أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ثم قال: يا معشر قريش ما ترون إني فاعل فيكم اليوم؟ قالوا: خيرا ... أخ كريم وابن أخ كريم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء...

وعند انتهائه من خطبته جلس عليه السلام في المسجد والناس حوله فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية، وتطاول العباس في رجال من بني هاشم من أجل ذلك ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله عنه أن يرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه ففعل ومع اعتذاره إليه أخبره أن الله قد أنزل في شأنه قرآنا على رسوله وتلا عليه قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله
نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا).

قال عثمان عندما دعاني النبي بعد أخذه المفتاح ذكرت قوله ما كان قال لي فأقبلت ببشر واستقبلني ببشر ثم قال: أهاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء خذوها يا بني عبد الدار خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم...

قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ فذكرت قوله لي بمكة فقلت بلى يا رسول الله، أشهد أنك رسول الله.

ومن هنا صارت سدانة البيت حقا شرعيا لذرية أبي طلحة انطلاقا من نص هذا الحديث والسدانة أو الحجابة أو الخزانة هي ولاية مخصوصة لقوم مخصوصين لشيء مخصوص تعريفا محكما وقد استمر هذا الإرث الشرعي الإسلامي منذ ذلك الحين وتعزز لبني شيبة منذ دخول الدولة السعودية الأولى إلى اليوم وسيبقى إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تقوم به هذه الأسرة الكريمة وترعاه وتعززه هذه الدولة السعودية المسلمة كابرا عن كابر، وقد جرت العادة أن يوضع مفتاح الكعبة لدى أكبر السدنة سنا ويسمونه السادن الأول وعند فتح باب الكعبة لأي سبب بأمر وتوجيه ولي الأمر يشعر السادن الأول جميع الكبار منهم بوقت كاف ليتمكنوا من الحضور جميعا أو بعضهم ويتشرف ولي الأمر أو من يمثله برعاية ذلك والإشراف عليه والحرص على تنفيذ التوجيه النبوي الكريم، وفي هذا شرف عظيم لبني شيبة كما أنه إشارة وتأكيد أن هذا الفرع القرشي سيكون له
وجود وشرف حتى تقوم الساعة. وفي الختام ندعوه تعالى أن يحفظ لهذه البلاد قيادتها السعودية المسلمة التي نشرت العدل
والحضارة والرقي للبلاد عموما وللمقدسات الإسلامية على وجه الخصوص بما فيها الكعبة المشرفة والمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف وكافة المقدسات الإسلامية خدمة للأمة الإسلامية ورعاية للوطن والمواطنين في هذه البلاد السعيدة.

وهنيئًا لآل الشيبي هذه الأسرة القرشية العريقة هذا الشرف وهذا
المجد المؤصل وتدعوه تعالى أن يرحم الله الشيخ الدكتور صالح زين العابدين الشيبي (أبو عبد الرحمن) كبير سدنة بيت الله الحرام الذي غادرنا إلى دار البقاء والخلود وترك أطيب الذكر فخرًا وعفة وشموخا وعراقة، والعزاء لأبنائه وذويه ولآل الشيبي جميعًا سدنة هذا البيت العتيق.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.