سعيد بن العاص بن أمية

محمد بن صالح البليهشي

سعيد بن العاص بن أمية
سعيد بن العاص بن أمية

الأمير سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي هو أحد أمراء معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على المدينة في الفترة من سنة 49هـ إلى سنة 56 هـ. كنيته أبو عثمان) أو (أبو عبد الرحمن قتل أبوه العاص بن سعيد بن العاص كافراً في غزوة بدر وعاش في حجر عثمان بن عفان رضي الله عنه ويوم أن توفي النبي كان عمره تسع سنين، ويُعرف جده سعيد بن العاص بصاحب (التاج) لأن لديه عمامة كالتاج إذا اعتم بها لا يجرؤ أحد من قريش أن يعتم إعظاماً له وتقديراً لمكانته في قومه وقوة سطوته وهيبته وجبروته، ويقول المؤرخون وكتاب السير بأن امرأة أتت للنبي وقالت : إن لدي برداً نذرت أن لا أعطيه إلا لأكرم العرب وكان سعيد بن العاص صاحب القصر غلاماً واقفاً فقال عليه الصلاة والسلام: أعطه لهذا الغلام يعني سعيد بن العاص، وشب هذا الغلام على مكارم الأخلاق واتصف بحسن السيرة والسريرة وكان كما أشار إليه المصطفى كريماً جواداً سخي النفس عالي الهمة يحب الخير لكل الناس وبلغ من جوده وكرمه جدا لا يوصف وببركة نظرة المصطفى عليه الصلاة والسلام له وكان يجمع من حوله في كل مكان ينزل فيه كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم ويرسل إلى بيوتهم الهدايا والأعطيات، وقد تمسك بذلك الثوب الذي أهدي إليه بإشارة من النبي وصار يعمل لنفسه ولمن حوله بمثل ذلك الثوب حتى عرفت وقتها بـ الثياب السعيدية ولذا قال الفرزدق فيه

ترى الغر الجحاجح من قريش
إذا ما الأمر ذو الحدثان عالا
قياماً ينظرون إلى سعيد
كالهم يرون به هلالاً

وأعجب به الخطيئة الشاعر ومدحه على كرمه بقوله:

العمري لقد أمسى على الأمر سائس
بصير بماضر العدو أريب
جريء على ما يكره المرء صدره
وللفاحشات المنديات هبوب
سعيداً وما يفعل سعيد فإنه
نجيب فلاة في الرباط نجيب

عاد سعيد بن العاص إلى المدينة بعد قيادته للحروب في جرجان وطبرستان وأذربيجان وبعد ولايته للكوفة من قبل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وعزم ألا يفارق المدينة حتى يموت بها وقد عرف الخليفة معاوية بن أبي سفيان ذلك منه فولاه إمرة المدينة المنورة مرتين مبادلة مع مروان بن الحكم وعرف في المدينة بسماحته وكرمه وجوده وكان مغرماً بعقيق المدينة موطناً وسكنا وتملكا وطيب هواء وعذوبة ماء فتملك موضع قصره ومزارعه في عرصات العقيق في ظل جماء أم خالد إحدى جماوات المدينة المنورة، وكان بنو أمية لا يسمحون بالتملك في تلك العرصات بالعقيق، ولكنه ولمكانته وعلو قدره في البيت الأموي سمح له معاوية بذلك فبنى قصره الذي اعتنى به أيما عناية وبذل فيه من الأموال الشيء الكثير وكان في وقته آية في جماله وفخامته وقال عنه البتنوني) في رحلته عام 1327هـ: (إن القصر كان آية من آيات القرن الأول الهجري وأعجوبة من أعاجيبه حتى فضله الشاعر على أبواب جيرون (دمشق) التي كانت في
ذلك العهد عاصمة الخلافة ومكان فخامتها وأبهتها... والشاعر الذي يشير إليه البتنوني هو أبو قطيفة عمرو بن الوليد
بن عقبة الذي قال:

القصر فالنخل فالجماء بينهما
أشهى إلى النفس من أبواب جيرون

وكان سعيد بن العاص يسير ماشيا من قصره ومزارعه إلى المسجد النبوي الشريف وفي إحدى روحاته عطش فسقاه رجلا شربة ماء، وبعد حين رأى سعيد ذلك الرجل يعرض داره للبيع فسأل فقيل له إن صاحب الدار عليه دين أربعة آلاف دينار وهذا مبلغ كبير ولكن الأمير السخي سعيد بن العاص أرسل تغريم الرجل وتحمل دينه وقال لصاحب الدار (استمتع بدارك ويروى أن أحد جيرانه أصابته فاقة فأشارت إليه امرأته بذهابه إلى الأمير سعيد بن العاص فذهب إليه بعد تردد في مجلسه بفناء داره ليلاً وعنده جلساؤه فلم يتكلم حياء وانفض المجلس وعرف سعيد أنه صاحب حاجة ويمنعه حياؤه فأطفأ السراج وقال تكلم فعرض عليه حاجته باستحياء فواعده خيراً وفي الصباح يفاجأ الرجل بثلاثة من موالي الأمير يأتون إليه ومع كل منهم مبلغ كبير من المال فاستلم منهم وشكرهم ولكنهم قالوا له بأن الأمير ما بعث بهدية لأحد إلا كان الخادم الذي يحملها من جملتها.

وإلى جانب كرمه وسماحته وسمو خلقه امتاز سعيد بن العاص بالحكمة حيث أثر عنه قوله: لجليسي علي ثلاث، إذا دنا رحبت به وإذا جلس أوسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه.

وقال لابنه يوماً: يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فتهون عليه أو يجترئ عليك، وقمة المعروف عطاء من غير مسألة أما إذا أتاك الرجل مخاطراً تكاد ترى دم وجهه لا يدري تعطيه أم تمنعه فوالله لو اعطيته كل ما تملك ما كافأته، يابني موطنان لا أستحي من رفيقي فيهما والتأني عندهما: مخاطبتي جاهلاً أو سفيها، وعند مسألتي حاجة لنفسي.

وفي طرقات المدينة استوقفته امرأة عابدة فأكرمها وأحسن إليها فقالت: يا سعيد لا جعل الله لك حاجة إلى لنيم، ولا زالت المنة لك في أعناق الكرام، وإذا أزال الله من كريم نعمة جعلك
سببا في ردها إليه.

واستوقفه أعرابي شاكياً إليه سوء حاله فأعطاه عطاء جزلاً فبكى الأعرابي فقال له مالك ؟ ألم يكن عطاؤنا كاف لإصلاح حالك قال الأعرابي : إنني أبكي عليك أيها الأمير كيف تأكل الأرض مثلك؟.

وعندما حضرته الوفاة جمع بنيه العشرة وقال لهم: الا يفقدون أصحابي غير وجهي وصلوهم بما كنتُ أصلهم به و اكفوهم مؤونة الطلب وأوفوا ما علي من الدين والوعود ولا تزوجوا أخواتكم إلا من الأكفاء وسودوا أكبركم ولا تنقلوني من موضعي هذا - يعني قصره ومزارعه على ضفاف العقيق حتى أموت فإنه أحب المواضع إلي وقليل لي من قومي في بري بهم أن يحملوني على رقابهم إلى موضع قبري ......

وتوفي رحمه الله في عام 58هـ وحمله رجال من قريش إلى قبره في البقيع.

غادر دنيانا هذا الجواد الكريم وبقيت آثار قصره طيلة أربعة عشر قرناً من الزمان تحدث الأجيال عن ذلك الرمز السخي العابد النقي نموذج الكرم والتواضع، وكم شهد هذا القصر من ألوان السمو والشموخ والتواضع (معا) وكم شهدت جنباته من ألوان الحضارة الزاهية في عصر ازدهار العقيق في القرن الأول والثاني الهجري.

بقي القول بأن القصر لا تزال معالمه ومداخله ومكوناته واقفة تتحدى عوامل الزمن وقد وصفه الشيخ عبد القدوس الأنصاري قبل قرن من الزمان في كتابه آثار المدينة وصفاً دقيقاً، فلو قامت هيئة تطوير المدينة المنورة بتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة حفظه الله تعالى ورعاه بإعادة ترميمه والاستمتاع بوهجه الحضاري كمعلم من معالم الحياة في القرن الأول الهجري وليبقى شامخاً أمام الضيوف والزوار وليكون صفحة مشرقة من
صفحات ازدهار العقيق وتاريخ المدينة المنورة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.