الدكتور .. سعيد السريحي
محمد بن صالح البليهشي

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي أن تترددا
بيت من الشعر حفظته عندما ردده فقيد الساحة الأدبية قبل 30 عاما. الدكتور سعيد بن مصلح السريحي رحمه الله، أبو المهندس (إقبال). حيث التقينا به في المدينة المنورة، عندما أتى لإلقاء محاضرة بالنادي الأدبي بالمدينة المنورة، كان هذا البيت لشاعر العربية أحمد شوقي رحمه الله، ردده فقيدنا في ذلك اللقاء بضع مرات كمثل سائر على لسانه وكبيت من الشعر معجب به ومؤمن بمضمونه ومراميه وذلك بتاريخ 19/10/1410هـ في محاضرته التي كانت بعنوان: حوار مع بيت من الشعر. لا أعرف الدكتور السريحي قبل ذلك اللقاء، ولكنني أتابع كتاباته ومناكفاته مع مناوتيه، وكان خلال تلك المناقشات والمشاكسات عنيفا، صلب الرأي، قوي العزيمة، بالغ الحجة، لا يعرف الاستكانة، ولا يلين جانبه، ولا تهتز قناته خاصة عندما تلقى خطاب الجامعة فيما بعد الذي أفاد بمنعه من نيل درجة الدكتوراه بقرار إداري يحجب الدرجة اعتراضا على ما ورد في أطروحته التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين وموقف النقد القديم تجاهها وتجربتهم الشعرية، وكانت تلك في وقتها أزمة من الأزمات غير المعتادة، إن لم تكن مجرد خلاف أكاديمي، بل لبست صراعًا فكريا بين رؤية متفتحة في رأي البعض وتيار محافظ رأى في ذلك خروجا عن المألوف.....
ورغم حجب الجائزة حينها، إلا أن السريحي والغذامي والثبيتي والصيخان وآخرين رأوا أن ذلك تعد على حرية الفكر والإبداع. ورأى المتعمقون في طرح السريحي بأن مشروعه تميز بالانتقال من نقد النص إلى نقد الخطاب، ومن هنا قامت قضية تصدى السريحي أمامها رافعا علم التحدي والإصرار وقوة الحجة والبرهان، وبقيت القضية وقتا ليس بالقصير حتى تم حلها، لما أثير لها من أراء
وشكوك وزال غبارها....
ولا علم لي بمال تلك العجة) التي أخذت أبعادًا كبيرة في حينها. وتم تصنيف الدكتور سعيد ضمن الأدباء الذين ظلمهم بعض معاصريهم، كما تعرض له الدكتور زكي مبارك في وقته، وكتب عنه الأديب الأستاذ عبد العزيز الربيع في المدينة في السبعينات الهجرية. من القرن الماضي مقالات تحت عنوان: أديب ظلمه معاصروه)، حيث انبرى الدكتور زكي مبارك لعدد من المناوئين، وتجاهلوا جهوده وجهاده من أجل شهادات الدكتوراه الكثيره في تخصصه حتى لقبه محبوه بلقب الدكاترة بدلا من الدكتور ومضى الزمن بأيامه ولياليه، ويغادر الربيع الأديب والتربوي والناقد والصحفي إلى دار البقاء والخلود ويسري عليه ما جرى للدكتور زكي مبارك من تجاهل جهوده وتعليقاته وكتاباته ونقده الأدبي من أدباء عصره. وكتبت حينها في العقد الثاني من القرن الهجري الماضي نفس العنوان : أديب ظلمه معاصروه حيث رأيت أن ذلك العملاق الأستاذ الربيع رحمه الله بعد موته تجاهله معاصروه من الأدباء والصحفيين والنقاد، ولم يكن له ذكر في كتاباتهم واستشهاداتهم وتعليقاتهم معه مع أنه كان ملء السمع والبصر، وتسابق الصحف في نشر نتاجه الأدبي والنقدي، ولا يكاد يمر يوم إلا وله مقال أدبي أو لقاء صحفي أو مناقشة رأي أو تعليق أو نقد وكانت دائرة معارضه تمشي على الأرض، رحمه الله فظلم الأدباء لبعضهم ظاهرة ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الأدب، وإن كانت تختلف زوايا الظلم ومسبباته. وصاحبنا الدكتور السريحي واحد من المظلومين الذين سجلت ساحات الأدب اسمهم بامتياز في أبواب المظلومية، ولكنه قابلها بصلابة وقوة مراس، وسار في طريقه دون أن تتعثر قدمه أو يختل مساره ورأى المتابعون للدكتور السريحي أن حجب الدرجة بعد أن منحت له في العام الهجري 1408 قد زاد من مكانة السريحي الرمز
كمفكر متميز مستنير لا يخشى مساءلة المسلمات والدفاع عن حرية الفكر والإبداع .....
والدكتور السريحي رحمه الله عرف عنه عمق الثقافة وتقليب الحرف العربي وحواره مع القصيدة على مستوى البيت الشعري وعموم معناها وأهدافها، وهو منذ بداياته متذوق جيد للغة العربية، وقلمه سيال لكل معنى أو اتجاه يرغب الكتابة فيه بلغة راقية وبيان رصين. وحظي نادي المدينة المنورة الأدبي بتشريفه بأربع محاضرات لذلك الأديب العملاق، وكانت بعناوين فلسفة الضيوف عند العرب بتاريخ 13/5/1415هـ، وحوار مع بيت من الشعر بتاريخ 19/7/1410هـ، وأنا والآخر في أدبيات الكرم بتاريخ 10/6/1414هـ، ونظرية التلقي الحركة الثالثة بتاريخ 15/7/1414هـ، خلاف الندوات التي اشترك فيها في رحاب هذا النادي العريق. وله مشاركات عديدة مع الأندية الأخرى وصروحالجامعات داخل المملكة وخارجها، والمؤتمرات الثقافية واللقاءات والمعارض الفكرية، وله حضور مميز ونكهة خاصة في لقاءاته ومناقشاته، وأسلوبه يتسلل إلى الأعماق دون استئذان، يجذب السامع إلى التلقي والإقناع. وله مشاركات في مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه داخل المملكة وخارجها، وله حضور أيضا في تحكيم العديد من الجوائز الأدبية والثقافية كجائزة بلند الحيدري وجائزة الطيب صالح، وجائزة محمد حسن عواد، وجائزة محمد الثبيتي، وجائزة صدام حسين في دورة سنة 1989م، وصدرت له كتب عديدة منها رواية الاسم، وسيرة الفهم، والقهوة، وخطاب التحريم والرويس، والكتابة خارج الأقواس. وآخر مؤلفاته روايته عن محبوبته جدة، التي أبحر بها في حياة أهالي جدة في القرن العاشر الهجري خلال وباء الجدري وغيرها. وتميزت زاويته في عموده اليومي تحت عنوان: (ولكم الرأي...) في جريدة عكاظ، الذي استمر قرابة 30 عاما..... والدكتور سعيد بمصلح السريحي السالمي الحربي من مواليد جدة في حي الرويس عام 1373هـ، ودرس في مدارسها، والتحق في تعليمه الجامعي والدراسات العليا في كلية الشريعة ثم كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى في مكة المكرمة. وسجلت صالات وممرات الجامعة صوته وحضوره لمدة 20 عاما، ولذلك في الجامعة هو أحد أساطينها. عمل فيها مدرسا ومحاضرًا وإداريا، واستهوته إصاحبة الجلالة) الصحافة في جريدة عكاظ متعاونا، ثم متفرغا ومشرفا على القسم الثقافي والشؤون المحلية والشؤون الدولية والأقسام التنفيذية ومساعدا للرئيس ونائبا مكلفا بالتحرير، وكاتبا صحفيا لزاوية يومية كانت محط الأنظار والمتابعة للمعجبين بأسلوبه وأفكاره. ذلك العملاق الأدبي، وذلك الصوت الثقافي المميز، كنت أعتقد أن الدكتور سعيد السريحي له موقف من الشعر الشعبي بحكم حياته في جدة ومعايشته للمجتمع الجداوي، ولكن سمعته يلقي قصيدة شعبية كنت أحتفظ بها، ولكنني لم أجدها ولا أعرف قائلها، ولكن الدكتور السريحي عندما ألقاها استنطق حروفها وتموسق مع معانيها، وهي مليئة بالمعاني السامية والآفاق الشعرية الرفيعة، وإذا بإلقائه لها لا يزيد جمالها إلا جمالاً، ويلقيها بصوت (بدوي) شعبي، ويقف عند كل كلمة بشيء من الحس الشعري والنقد الأدبي الذي يفصل حروفها بإعجاب منقطع النظير. تعامل مع القصيدة ومع ألفاظها وأهدافها وبنائها وقوة جرسها كما يتعامل مع الفصحى رحل الدكتور السريحي إلى عالم البقاء والخلود في يوم الأربعاء 23 شعبان 1447هـ، وترك خلفه إرثا ثقافيا وصهيلا نقديا وذكريات ثقافية حفظتها الساحة الثقافية في الداخل والخارج، وبقيت أعماله صوتا للتجديد وحرية الفكر والإبداع، رحمه الله وغفر له وقد نعته الأوساط الثقافية باعتباره رائدا من رواد الأدب والثقافة في هذا العصر، وأحد أساطين الصحافة في بلادنا، كما وجه الأمير بدر بن عبد العزيز بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه....






