الأستاذ سعد بن سعيد العوفي
محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ الشاعر سعد بن سعيد بن سليمان المطرفي الصاعدي العوفي الحربي هو (رمزنا) لهذا اليوم ولد في ديار عوف في ذات الشلايل) في ضاحية جبل ورقان الشرقية على بعد سبعين كيلو متراً من المدينة المنورة، التقيت به في عام 1413هـ بالمدينة بعد ترحال طويل امتد من المدينة إلى جدة فجيزان ثم ظهران الجنوب ثم إلى تبوك والرياض والمنطقة الشرقية وأطلعني في لقاني به على شيء من حياته وسيرته وعلى العديد من دواوينه الشعرية وقرأ حينها عدداً من قصائده خاصة التي نظمها في بداية شبابه وكانت ملينة بالعواطف والشهامة والوطنية والشجن ثم افترقنا وانقطعت أخباره وفي الأيام الماضية وفي جلسة من جلسات الأصدقاء كان من بينهم الشيخ رشيد بن رشيد الصاعدي (أبو فهد) وهو أحد أعلام قبيلة المطارفة من عوف الحربية حفظه الله تعالى أهداني بعضاً من الكتب وكان من بينها ديوانين لرمزنا الشاعر سعد العوفي بعنوان (شعر على مدارج الزمن) والبليل الأسير فذكرني بذلك الرجل العصامي الفذ الذي حفر طريقه في هذه الحياة في (صم الصخر) وهذا الرمز (سعد العوفي واحد من الأعلام الذين لم ينالوا حظاً من الظهور والشهرة العزوف عنها طيلة حياته مع أنه من الرجال الأفذاذ الذين بنوا أنفسهم وكونوا حياتهم من العدم وهو قدوة في الكفاح والعزيمة وقوة الإرادة وهو نموذج من النماذج التي يحتذى بها أصالة وكفاحاً وإخلاصاً ووطنية وشاعرية عربية أصيلة، ومن هنا رأيت أن استعرض شيئاً من حياته وسيرته من الأهمية بمكان فهو بحق سيرة ومسيرة مشي على دروب الأشواك طيلة حياته حتى استطاع أن يسير في دربه بكل جدارة وتصميم وهو إداري ناجح وشاعر بحس مرهف وإبداع مميز ويمتاز شعره بالألفاظ الراقية والتصوير البديع والمعاني السامية.
عاش (رمزنا الكبير الشاعر سعد العوفي طفولته على ضفاف وادي (ريم) وفي رياض (السلائل) وظلال جبل (ورقان) وسهول وادي ملل واليتمة والعشيرة كل هذه الأماكن لامست أقدام ذلك الطفل اليتيم) أرضها ووهادها وجبالها في حالة يتم وعوز وفاقة وأمراض كادت أن تودي بحياته بصورة كبيرة لولا عناية الله سبحانه وتعالى وإرادته، وانتهى به المطاف إلى حيث النور والاستقرار في المدينة المنورة وانضم بعد معاناة ومصاعب إلى خيمة مدرسة دار الأيتام والصنائع الوطنية كما كانت تسمى في ذلك الوقت، وهي مدرسة أهلية أنشأها الأخوان عبد الكريم وعبد الغني دادا لإيواء الأيتام في دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم عام 1352هـ بموافقة جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى، وقامت الدار برعاية الأطفال الأيتام وتعليمهم وفق مناهج مديرية المعارف في ذلك الوقت إضافة إلى إكسابهم حرفاً يدوية في برنامج محدد لضمان حياة أبنائها في مستقبل أيامهم من إيجاد حرفة يمارسونها ويستعيشون منها وتخرج منها الأعداد الكبيرة الذين زرعت فيهم تلك الدار العصامية والرجولة وخدمة الوطن وحولت تلك المحن التي مروا بها إلى (منح) عظيمة في بناء مستقبلهم وحياتهم فجزاهما الله تعالى خير الجزاء وغفر لهما.
ووجد (الرمز) سعد العوفي في الدار الأم الرؤوم والأب الحاني والرعاية المطلوبة في ذلك الزمن مع بقية زملائه وأصبح من المتفوقين بالدار علما وأدباً وأخلاقاً وحسن تعامل وعرفه. مدرسو المدرسة ورعاه في ميله إلى العربية أساتذة الدار الكبار كمحمد حسين زيدان ومحمد عمر توفيق ومحمد أمين الشنقيطي وغيرهم ورأوا في هذا الشاب البدوي حدة الذكاء وصفاء القلب والملكة الشعرية الرائعة فقدموه في طابور الصباح وفي الحفلات الكبيرة. للدار عند زيارة المسؤولين والأدباء من داخل المملكة وخارجها، وفي العام الهجري 1363هـ كان سعد العوفي من ضمن الخريجين من الصف السادس الابتدائي الذي في ذلك الوقت بحكم قوة المناهج ورعاية المربين والمدرسين في تلك الدار بنظامها الدراسي والداخلي في مستوى خريجي الجامعات في هذا الوقت أو يزيد، فنظم الشاعر (سعد) قصيدة طويلة من ثلاثة وعشرين بيتاً في الدار عند تخرجه في عام 1363هـ بعنوان وداعاً أمي... دار الأيتام) احتفى بها مدير المدرسة الأستاذ احسنى العلي) رحمه الله تعالى وعلقها في غرفة الإدارة. قال فيها:
أماه يا من حققت أحلامي
ونشللني من وهدة البؤس الذي نهشت ضراوتها نخاع عظامي
ومحى حنانك قسوة الأيام
قد كنت في بيداء قفر موحش
خلفي هلاك محدق وأمامي
حتى احتضنتني بكف راحم
حملت حنان الأم بالإنعام
فنسيت فيك جميع ما قاسيته
ووجدت عطفك منهلا للظامي
وأخذت أنظر للأمام بنظرة فيها الطموح إلى علو سامي
ومن المدينة المنورة إلى جيزان حيث تقدم (رمزنا) لوظيفة معلم هناك ووصلها بعد معاناة ومتاعب كبيرة وراتب لا يزيد عن اثنين وستين ريالا ومن المدرسة وبعد الكثير من المعاناة قدم الأستاذ سعد استقالته وانتقل إلى التفتيش العام بالجمارك بمالية جيزان براتب قدره تسعون ريالاً كان هذا في العام 1365هـ وبعد مدة أراد الله أن يوفق بوظيفة في جمرك ظهران الجنوب براتب 150 ريالاً فغادر جيزان إلى ظهران الجنوب لمباشرة عمله الجديد وودع جيزان وأهلها بقصيدة تزيد عن عشرين بيتاً قال فيها : أن الرحيل فودع الأحبابا
واصبر على مضض الفراق وغربة نزعت أمامك برقعاً ونقابا
والأصدقاء كذلك والأصحايا
ان صد باب دون تحقيق المنى فاطرق ولا تعجز بحال بابا
ما انقادت الدنيا لغير مغامر
ما كان ذا خور ولا هيايا
وقال عن أناس نصحوه بعدم الذهاب إلى ظهران الجنوب وحاولوا أن يثنوه عنها لأنها قرية تصعب حياته فيها :
مهلا أخي النصح الحقي فإنني
أصبحت فيما قلته مرتابا
ماضرها من بالبداوة عابها
وابن القبيلة يؤثر الإعرابا
ظهران إن شاعت بها أمية
لا تنكر الأخلاق والادابا
قلبي إلى سبل السمو يقودني
قال ارتحل ... لا تؤثر الإطنايا
فلعل فجراً بالبشائر طالع
ينسيك بعد المحنة الأوصايا
وقال عن ظهران الجنوب بعدما وصلها على ظهور الجمال في عام 1365هـ هي بلدة صغيرة حولها كثير من القرى وأهلها حرفتهم الزراعة والتجارة ليس بها جزار ولا قرآن ولا غسال ملابس، لا يوجد أي طحين جاهز وكان الثمن لبعض الحاجات يدفع من البن.
وبقي شاعرنا في ظهران الجنوب التي ارتاح لها وتأقلم بأجوائها وصارت له صداقات بها وعرفه أهلها بأصالته ورجولته وشهامته بينهم ولذلك رغبوا فيه وزوجوه فقال شعراً :
نزلت كضيف على وادعة
فأكرم بهم أسد وادعه
ظفرت بهم اخوة في الصلاح
قد أنسوني في الغربة اللاذعة
ومن أرضهم قد حياتي الإله
بجوهرة حرة رائعة .
شريكة عمري ربيع الحياة
حياتي بها أصبحت يانعة
عجبت لأمية في النساء
أحاطت بما لم تعي جامعة
إذا ضقت في ظهران نفساً فهاهنا
وما لبث أن لاحت له وظيفة الإحصاء براتب قدره مائتان وخمسون ريالا في تبوك فشد رحاله إليها بعد أن نقش على صخرة في وادي ظهران الجنوب هذه الأبيات:
فديتك واد بالجمال خصيب
به الجو طلق والنسيم مسجسج
وماء يميت الداء فهو طبيب
ومن عرعر الأطراف تلقاك نكهة
مع الريح يذكو ريحها ويطيب
وسار ركب الشاعر الرمز من ظهران الجنوب إلى الخميس فأبها فجيزان فجدة والمدينة فالعلا ثم تبوك بمعاناة وصعوبة المواصلات والطرق أحياناً على شاحنات وأحياناً على ظهور الجمال في تلك الأيام ومعه أسرته وكان ذلك في العام الهجري 1367هـ وفي تبوك لقي شاعرنا من المتاعب في السكن والعمل ما لا يطاق ولكنه بصلابته وقوة إرادته وإيمانه بالله تعالى تغلب عليها وتم تعيينه رئيساً للمحاسبة والإحصاء والتدقيق في الجمارك وأضيف إليها جمارك خط التابلين وكان جديرا بالقيام بكل ذلك وبعد أن عرفت جدارته في الجمارك وممارسته لأعمالها ويطلب منه تم نقله لعمل جديد في جدة بقسم التعرفة والتثمين في المديرية العامة للجمارك وبعده تم نقله منتدياً لمدقق حسابات في جمرك المدينة المنورة وفي هذه المدة التي بقي فيها في المدينة درس في المدرسة الليلية ونال الشهادة الثانوية من مدرسة طيبة الثانوية ومن المدينة بعد ست سنوات انتقل إلى الدمام في وظيفة مقاطعة البضائع الصهيونية والشركات المشاركة أو المنحازة لها.. وفي العام 1367هـ انتدب الأستاذ سعد مع أربعة من موظفي المقاطعة الشرقية إلى بيروت للتعرف على أسلوب الجمارك اللبنانية في مقاطعة إسرائيل عاد بعدها لمواصلة عمله بالدمام وكلف بالعمل في التثمين بالإضافة إلى عمل المقاطعة في جمرك سكة الحديد ومنها إلى جمرك الخبر، وفي كل موقع يحل فيه يبدي جدارة فائقة وإخلاصاً وأمانة وحسن تعامل وبعد ذلك الترحال في ربوع المملكة من غربها لجنوبها إلى شمالها وشرقها رأى أن الوقت قد حان لإلقاء عصا التسيار وعناء السير والارتحال وتقاعد بناء على طلبه وهو نظيف اليد واللسان في جميع المواقع التي حل بها طلب التقاعد مع رغبة المسؤولين في بقائه وإغراءاتهم له ولكنه أثر العودة إلى محبوبته ومرابع
صباه في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم واتخذها
مقراً وسكنا وإقامة.
وخلال مطارحته الشعر والمشاعر في مختلف الأوقات والمناسبات كان لشاعرنا الأستاذ سعد بن سعيد العوفي وقفات وأهات وحب وحنين وتغنى بمعالم لها في نفسه أجمل الذكريات وأنواع المعاناة فخاطبها وأحبها ووصف مغانيها وأمجادها بقصائد ضمتها دواوينه الشعرية في جماوات المدينة وعقيقها ولابتيها ومسجدها وبقيعها وأجدها ومدارسها في دار الأيتام وثانوية طيبة وفي سد العاقول وجبال الفقرة وورقان وشعاب ووديان تلك الربوع وخاطب جبل الهدا وجيزان والمدينة وظهران الجنوب وتبوك وواحات العلا ولم ينس أبناءه وأحفاده وأصدقائه وشريكة حياته.
لقد كان وفياً مع كل ذلك وغيره منح لها ولهم الكثير من عصارة فكره واختلاج صدره وجوانحه وقد أعطاه ذلك الترحال بما فيه من معاناة وألم فسحة كبيرة للخطاب المؤثر والشعر المبدع والذكريات التي اختزنتها ذاكرته الحية وقلبه الكبير ونفسه الرضية فصاغ شعراً عذباً سلساً ينساب إلى القلوب ببلاغة مميزة وتصوير ونكهة
عربية أصيلة ممزوجة بالسمو والأصالة والإبداع. أسأل الله تعالى له حسن الإقامة في طيبة الطيبة والشفاء العاجل والأجر العظيم وطول العمر في صحة
وعافية وحسن الخاتمة إنه سميع مجيب.






