الشيخ سعد بن ناصر السديري

محمد بن صالح البليهشي

قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة
قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة

غادرنا يوم الثلاثاء الماضي 7 جمادى الأولى من عام 1445هـ إلى دار البقاء والخلود معاني الأستاذ سعد الناصر السديري مستشار وزير الداخلية وقبله أمين عام مجلس الأمن الوطني بالمملكة العربية السعودية رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له والعزاء لأبنائه وذويه وكافة أفراد أسرته وقبيلته والعزاء كذلك للوطن ومحبيه وكافة عارفيه.

والشيخ أبو ناصر (رمز من رموز الوطن عاش حياته خادماً لدينه ومليكه ووطنه وأمته بأمانة وإخلاص وحب ووطنية مميزة عرف بها طوال حياته، فهو من الرجال الأفذاذ الذين يضرب بهم المثل في التضحية والبذل من أجل بلاده وقادتها ديدنه الإخلاص ومبدؤه الحب والتقدير لكل فئات المجتمع دون استثناء. ولا أستطيع في هذه الزاوية أن أستوعب أعماله وإنجازاته رحمه الله، فهو عملاق من عمالقة هذا الوطن، ولكنني سأقتصر على الجانب المدني في حياة هذا الرجل الذي ولد بالغاط عام 1358هـ بمنطقة سدير وعاش طفولته ومراحل دراسته في أرض النبوة والهدى في طيبة الطيبة، وقد عرفت المدينة المنورة ذلك الطفل الذي استنشق عبيرها وامتلأت نفسه بروحانيتها منذ طفولته، وعاش حياتها وطيبتها وأمثلت جوانحه وأفكاره ومشاعره بنسماتها، بل تشكلت شخصيته بشخصيتها وهذا ما أراد له والده يوم أن مر بالمدينة حاجاً ورأى أن ينهل ابنه (سعد من معين العلم والدراسة في مهاجر المصطفى صلى الله عليه وسلم تحت رعاية عمه الحاكم الإداري بالمدينة الشيخ عبد الله بن سعد السديري وتحت وطأة الرغبة الملحة للوالد وللاطمئنان الذي شعر به وهو يرى المدارس النظامية بالمدينة التي كانت لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة في ذلك الوقت ترك ابنه فيها ينهل من معين الدراسة الجادة والقوية في نظامها ومناهجها وجدارة مدرسيها برعاية الله سبحانه وتعالى ثم برعاية الأمير عبد الله السديري الذي كان وكيلا الإمارة المدينة المنورة ويحظى بتقدير واحترام جميع أهالي المدينة.

وتنقل (الطالب) سعد السديري في مراحل التعليم المختلفة واستقبلته أعتاب
مدرسة طيبة الثانوية في العام الهجري 1373 هـ، وفي أثناء إعدادي لكتاب طيبة الثانوية بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً وجدت اسم رمزنا) سعد الناصر السديري ضمن الطلاب الناجحين منها من القسم الأدبي في عام 1378هـ، وهو من المميزين دراسياً ضمن الطلاب أسامة عبد الرحمن عثمان وحسين علوي وزين العابدين توفيق وعبد العزيز غوث وعمر محمد شريف ومحمد مسلم الردادي وهاشم خليل ويوسف رفاعي وحامد حجار ودخيل جنادي وعبدالله بري وغازي عنبر ومنصور التركي ويوسف برزنجي ويوسف عويضة هؤلاء زملاء الدراسة والتخرج رحم الله من مات منهم وأطال عمر من متعه الله بالحياة والسعادة. ويذكر الأستاذ سعد السديري زملاءه في أكثر لقاءاته، كما يشيد المدرسية الذين يدين لهم بالفضل الكبير في صقل شخصيته وتنمية مواهبه والأخذ بيده إلى مواطن التميز والبروز وكثيرا ما ذكر منهم الأساتذة على العبسي وأمين مرشد ومحمد حميدة والأستاذ الكبير أحمد بوشناق مدير الثانوية وغيرهم في مدارس المدينة وقد غرسوا في طلابهم الكثير من المبادئ والقيم والأخلاق والعلم كما كان يؤكده رمزنا سعد السديري مراراً في المناسبات التربوية التي كانت تقام على شرفه بالمدينة.

ومع بداية العام الهجري 1380 هـ ودع المدينة مغادراً إلى مصر للدراسة الجامعية في جامعة القاهرة وحصل على شهادة الليسانس في تخصص الحقوق عام 1384هـ وعاد إلى المملكة يحمل المؤهل الجامعي.

عاد لمواصلة عمله أميراً لمدينة الغاط حيث سبق أن صدر أمر جلالة الملك سعود رحمه الله بتعيينه في هذا المنصب بعد وفاة والده مع السماح له بإنهاء اختباراته ولما أبداه من جدارة وحب العمل والإخلاص أصدر الملك فيصل رحمه الله أمرا ملكيا في 22 رجب عام 1387 هـ بتعيينه وكيلا الإمارة المدينة المنورة حيث عاد إلى مراتع صباه في طيبة الطيبة ودخل مسجدها العظيم زائرا ومسؤولاً في هذه المرة. وتسلم عمله تحت إدارة صاحب السمو الملكي. الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز أمير المدينة. المنورة، وصل سعد الناصر وكيل الإمارة وصرح فور وصوله بقوله : (أنا مواطن خادم الحكومة مولاي الملك المعظم وأرجو أن تتحقق الآمال والأعمال التي القيت علينا لرفعة شأن هذه المدينة الطاهرة. ومعلوم أن الإنسان الطموح المخلص مهما عمل يشعر دائما بالتقصير، ومعلوم كذلك أن واجبه أن يصل أكثر وأكثر لخدمة مليكه ودينه ومواطنيه...

وقال وهو يخاطب أهل المدينة في الحفل الذي أقيم احتفاء به إنني أعتبر المدينة مدينتي وإن كانت الغاط مسقط رأسي، ولكن كل دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية بالمدينة وقد أتيت إليها وأنا طفل صغير وعشت بين أملها ودرست في مسجدها وعرفت طرقاتها وأحياءها وبساتينها وعادات أهلها فهي مدينة الحب والسلام ومنها انطلقت جيوش الفتح الإسلامي لنشر دعوة التوحيد ويكفيها فخراً أن نبي الأمه أحبها ودعا لها...

وسار وكيل الإمارة تحت مظلة الأمير عبد المحسن الذي اعتبره الموجه والمرشد والأب الكبير ولذلك اكتسب الشيخ سعد الناصر السديري محبة الأمير ومحبة أهل المدينة بتواضعه وخدمته لهم وحياته بينهم، وصار في إدارته بوكالة الإمارة سيرة وسريرة يعيش أفراح الناس حاضرة وبادية ويشارك في أفراحهم وأتراحهم ويرحم ضعيفهم ويأخذ على يد كل متجاوز للحقوق والواجبات، وهو حاكم إداري مخضرم يعرف بواطن الأمور ويتعامل مع الأحداث صغيرها وكبيرها بدبلوماسية وشفافية معينة اللين في غير ضعف، وشدة في غير عنف لأنه يقدر المواطن ويعيش معه في مشاكله، كما يقدر قداسة هذه المدينة العظيمة وأهميتها لدى الدولة ولدى زوارها ومواطنيها وقد فتح قلبه وبابه للمواطنين واستمع إلى كل شكاية أو معاناة وأوصلها إلى أعتاب سمو الأمير وإلى أبواب الدولة مساهماً في حلها ومقدراً حقوق الوطن وواجبات المواطن وامتاز خلال إدارته الأمور المدينة بمعرفته الخاصة بأهلها وبيوتاتها وبالقبائل وشيوخها ومتطلباتها لأنه قد عاش ردحاً من الزمن في ظلال عمه عبد الله السديري وهو من هو في
رأيه وحكمته وهدوئه وحسن تصرفه وتقديره للأمور.

وشارك في جميع فعاليات المجتمع المدني وعرف طبائعه، وحضر المناسبات الاجتماعية على اختلاف مستوياتها ومما أذكره في مجال مشاركاته ورعايته للنشاطات الشبابية أن المدينة كان بها ناديان هما نادي احد ونادي الأنصار) وبينهما تنافس شديد في التسعينات الهجرية من القرن الماضي وصادق أن ترأس الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير التعليم الأسبق نادي الأنصار، وسخر اسمه ومديري المدارس الخدمة النادي، ويقينا نحن في نادي أحد مكتوفي الأيدي أمام هذا الاجتياح الشبابي من نادي الأنصار، واجتمعنا نحن أعضاء مجلس إدارة نادي أحد لبحث الأمر واستقر رأينا على وجوب ترؤس وكيل الإمارة سعد الناصر السديري لنادي أحد فذهبنا أنا والأستاذ فايز عايش الأحمدي لوكيل الإمارة الشيخ سعد السديري ورجوناه لتعبئة استمارة الترشيح لرئاسة نادي أحد فامتنع وبعد
الحاج وشرح أمامه لموقفنا وافق بعد تردد كبير واعتذارات كثيرة ولكن أكدنا له أن وجود اسمه كرئيس لأحد مكسب للنادي ورفعة لرياضة المدينة وسار النادي سيره الطبيعي بندية وحماس في مواجهة النادي الآخر وكسب بذلك بطولات كبيرة في جميع الألعاب بفضل الله ثم بفضل انضمام هذا الرمز الكبير لنادي أحد في تلك السنوات التسعينات المجربة، وحظي النادي من رعايته ووقته وجهده بالشيء الكثير وكان دائم التطلع لكل فوز أو إنجاز في كل مناحي الحياة بالمدينة وبعد عشرين عاماً من العمل الإداري للشيخ سعد الناصر السديري
رجل الدولة المحب المخلص الغيور على وطنه وفي بداية العام الهجري 1408هـ تم تعيينه أميناً عاماً لمجلس الأمن الوطني بالمرتبة الممتازة وبقي في هذا المركز حتى العام الهجري 1422هـ، ثم صدر الأمر الملكي في 13 رمضان 1426هـ بتعيينه مستشاراً لصاحب السمو الملكي وزير الداخلية لما يختزنه من معلومات في شتى شؤون الحياة الرسمية منها والشعبية والاجتماعية والثقافية وذكر جميع الذين زاروه من أهل المدينة بعد انتقاله إلى الرياض تلك الحفاوة البالغة والتواضع الجم والحب والنفس الرضية لكل قادم من طيبة الطيبة التي تشرب طيبها وعاش روحانيتها وبقيت ذكراها وذكرى أهلها في نفسه ووجدانه وتخلق بخلقها وعاشت في أعماقه ذكرى محببة وإشراقات جميلة في مسجدها العظيم وروضتها
المطهرة وآثارها وروحانيتها وعيقها التاريخي.

وفي يوم الثلاثاء 7 جمادى الأولى عام 1445هـ سرت في أرجاء طيبة أخبار أقول ذلك النجم الذي كان له موقع في سماء المدينة، ذلكم هو ابن المدينة البار الشيخ سعد بن ناصر بن سعد بن عبد المحسن بن أحمد السديري حيث توفي رحمه الله ودفن في اليوم التالي بمقبرة العود بعد الصلاة عليه بالرياض، وبقي اسمه في سجل إشراقات المدينة المنورة التي لا تنسى العاملين المخلصين بها مهما
تباعدت الديار وتقادمت الأزمنة، رحمه الله وغفر له.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.