رجال في التربية

محمد بن صالح البليهشي

رجال في التربية
رجال في التربية

قبل ما يزيد على أربعين عاماً شهد مسرح مدرسة طيبة الثانوية حفلا كبيراً لمنح ميداليات الاستحقاق لقدامى المعلمين بالمدينة المنورة، حضر الحفل عدد كبير من رجال التربية والتعليم ومن الأدباء والشعراء والمثقفين وكافة فئات المجتمع المدني على شرف سعادة مدير التعليم الأستاذ حسين جوادي رحمه الله تعالى وكبار وقدامي منسوبي التربية والتعليم وقد تشرفت بتقديم ذلك الحفل الذي لا أذكر منه الآن سوى ترجمات مختصرة عن الذين استحقوا الميداليات من الدرجة الثانية والثالثة بأمر ملكي أمر به جلالة الملك خالد بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى.

لقد وجدت ما ذكرته من ترجمات مختصرة عن أولئك الرجال من قدامى المعلمين الذين منحوا تلك الميداليات في ذلك الحفل البهيج الذي طلب مني ذكر جميع المستحقين لتلك الميداليات باختصار شديد ووجدت في الوقت الحاضر وأنا أعثر على تلك الترجمات في ثنايا أوراقي القديمة ما رأيت إثباته وتسجيله لتلك الرموز التعليمية التي اختيرت لمنحها تلك المكرمة تقديراً لجهودها واعترافا بفضلها. ويسرني أن أنقل ما كتبته وما قلته في ذلك الحفل لأنه قد أصبح تاريخاً يحكى ووثائق للتاريخ أنقله هنا في هذه الزاوية رموز.. في الذاكرة قلت ليلتها بعد حمد الله والصلاة والسلام على نبي الأمة المعلم الأول صلى الله عليه وسلم:

أيها السادة: لقد تهيبت كثيراً عندما كلفت بالحديث لتقديم ترجمة مختصرة عن رجال أعطوا ما وسعهم العطاء في وقت يعز فيه العطاء، وضحوا بصحتهم وشبابهم لينيروا الطريق للأجيال في زمن خيم فيه الجهل وعاش الناس في ظلام حالك فكانوا مشاعل تنير الدرب وتبرز معالم الطريق.

تهيبت كثيراً لأنني أجلهم كل الإجلال وباعي يقصر كثيراً لأتحدث من قريب أو من بعيد عن أعمالهم وتضحياتهم وما قاموا به من جلائل الأعمال نحو جيل اليوم الذي يتحمل المسؤولية بكل ثقة واطمئنان الحسن التوجيه والتربية على يد رجالنا الأفاضل الذين نحتفل اليوم بتكريمهم.

أيها السادة على الرغم من مغريات العصر وطغيان المادة وضياع المعلم بين تلك المغريات أو بمعنى أصح تجاهل الناس لدوره في الرعاية والتوجيه وغمط الناس لقدره في دنيا البشر إلا أنه يظل في كل وقت رجل الحياة الأول ولذلك ولأن:

الفضل يعرفه الكريم تفضلا
ومن الأفاضل تنبع الأفضال

كما يقول الشاعر.. ولا يعرف الفضل لأهله إلا ذووه، وانطلاقا من هذا أصدر جلالة الملك المفدى أمره الكريم بمنح ميداليات الاستحقاق لعدد من رجال التعليم الذين كانت لهم جهودهم في خدمة التعليم وبداياته وتقديراً لجهود الشيخ محمد عبد الكريم السناري والشيخ أحمد بوشناق صدر أمر جلالة الملك خالد بن عبد العزيز بمنح كل منهما ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية.

والشيخ محمد عبد الكريم السناري تخرج من عالية الصولتية عام 1347هـ والتحق بمدرسة الصفا بمكة معلماً براتب قدره (440 قرشا) ثم معاوناً بالمدرسة المذكورة لمدة تزيد على ثلاثة عشر عاماً انتقل بعدها للمدينة المنورة مديرا للمدرسة الناصرية، وفي عام 1371هـ صدر الأمر بتعيينه مديراً لمعهد المعلمين والمعهد العلمي بالمدينة

وكان الشيخ السناري جديرا به أعطاه من جهده ووقته الشيء الكثير وجميعنا يذكر له الجهود المخلصة والرعاية والتوجيه وكان يتابع أبناءه طلاب المعهد الذين كانوا يعملون بالمدارس أثناء التربية العملية متابعة دقيقة وبعد جهد دام قرابة أربعة عشر عاماً بالمعهد صدر الأمر من

معالي وزير المعارف بترقيته إلى خبير للشؤون الفنية بإدارة التعليم، وفي غرة رجب من عام 1394هـ ترك العمل بعد أن ترك أطيب ذكرى في عالم الحياة.

وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر محرم عام 1358هـ وردت إلى معتمدية المعارف بالمدينة المنورة من مدير المعارف المرحوم الشيخ طاهر الدباغ البرقية التالية: صودق من المقام السامي برقم 1154 في 1358/1/27هـ على اعتماد استقالة الأستاذ عبد الحق من سلخ ذي الحجة عام 1357هـ وتعيين الأستاذ محمد عبد الكريم السناري من 27 الجاري بدله وتعيين الأستاذ أحمد بوشناق بدل عبد الكريم من التاريخ

المذكور وبلغ للمالية...

وفي اليوم العاشر من شوال عام 1361هـ تلقى الشيخ أحمد بوشناق الخطاب التالي من معتمد المعارف الأستاذ محمد سعيد دفتر دار رحمه الله تعالى يقول فيه: حضرة الفاضل الأستاذ أحمد بوشناق المحترم، كتبت لنا مديرية المعارف العامة برقم 225 في 1361/10/8هـ أن الهيئة الإدارية قررت ترفيعكم إلى الوظيفة المحدثة بالمدرسة المنصورية براتبها الذي قدره (525) قرشاً على أن يبقى عملكم بالمدرسة الناصرية قائماً وأنه جرى اعتماد ذلك من غرة شوال عام 1361هـ وبلغت المالية بذلك.

ومشوار الشيخ بوشناق مع التربية والتعليم مشوار طويل فبعد عمل بالمدارس الابتدائية دام ثلاث سنوات انتقل بعد ذلك ليكون مدرسا في مدرسة طيبة الثانوية عند افتتاحها ومعاوناً لمديرها الأستاذ محمد سعيد دفتردار، والمشغوليات مدير الثانوية الأستاذ محمد سعيد دفتردار بالمعتمدية اضطلع الأستاذ البوشناق بمسؤوليات إدارة المدرسة الثانوية وأبدى نشاطاً وحيوية ووعياً وثقافة وحسن إدارة خلال ذلك.

وفي 26/5/1369 هـ أسندت إدارة المدرسة الثانوية إلى الأستاذ أحمد بوشناق فسارت المدرسة بإدارته أشواطاً بعيدة في مشوار أدائها لمهامها وإعدادها لشبابها في مدينة المصطفى - صلى الله عليه وسلم وبقي في إدارة المدرسة الثانوية حتى 1/7/1394 هـ حيث أحيل إلى التقاعد بعد أن قدم خدمات جليلة لشباب المدينة من خلال إدارته المدرسة طيبة الثانوية ومن خلال مشاركاته في جميع النشاطات الشبابية التي تقيمها إدارة التعليم بالمدينة المنورة وكان من الرجال الذين يعتمد عليهم مدير التعليم الأسبق المرحوم الأستاذ عبد العزيز الربيع غفر الله له في الكثير من شؤون التربية والتعليم بالمنطقة

وعلى مستوى الوزارة.

وشارك في الجمعيات الأدبية والاجتماعية التي أنشئت في المدينة المنورة منذ عام 1360 هـ حتى أحيل إلى التقاعد عام 1394 هـ طيلة 34 عاماً كان آخرها رئيس صندوق البر بالمدينة المنورة الذي تم إنشاؤه

في 1379 هـ.

هذه شخصيات تعليمية حظيت بتكريم جلالة الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بمنحها ميداليات الاستحقاق من الدرجة الثانية والثالثة كان لي شرف تقديم مختصرات من مسارها في بداية هذا القرن في حفل التكريم لها وجميعهم غادروا إلى دار البقاء والخلود رحمهم الله تعالى وأحسن جزاءهم وغفر لهم، وقد تعمدت توثيق ما قلته عنهم في ذلك الحفل البهيج على صالة ثانوية طيبة بالمدينة المنورة مساء الأربعاء 1402/6/13هـ، عرضته كما وجدته في أوراقي التي قرأت منها شيئاً من سيرهم تذكيراً بهم وترحما عليهم وإشادة بجهودهم بالمصاعب وتذكيرا

التي لاقوها في التنقل في وقت شحت فيه المواصلات والمعيشة وصعبت فيه المسالك والطرق وتغلبوا عليها بنفوس طموحة وإخلاص ووطنية وحب للعلم ونشره والتضحية في سبيله ولذلك استحقوا

التكريم من ولي الأمر. رحمهم الله تعالى وغفر لهم وأجزل لهم الأجر والمثوبة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.