الأستاذ رزيق بن سليمان العوفي
محمد بن صالح البليهشي

ذلك العصامي الذي كان له مع قصة التعليم بوادي الفرع موقع مميز.
ارتبط اسمه قبل سبعين عاماً بأول ومضة إشعاع للتعليم في هذا الوادي
العريق وادي الفرع).
وقبل عرض قصة الأستاذ رزيق بن سليمان الرويتعي العوفي الحربي ودوره في بدايات التعليم نقف أمام تلك المناسبة الكبيرة التي سبقت افتتاح أول مدرسة في وادي الفرع وهي مدرسة أبي ضباع) في عام 1372هـ.
لم يعرف وادي الفرع بقراه على مساحته المقدرة طولا بخمسة وسبعين كيلو مترا تقريباً والذي يبعد عن المدينة المنورة بـ 150 كم، لم تعرف قرى هذا الوادي قبل ما يقارب 70 عاماً التعليم النظامي ولا المدارس وكان التعليم في ذلك الوقت في بداياته وكانت الدولة أعزها الله تعالى تسابق الزمن لافتتاح المدارس وإضاءة عقول الشباب بأنوار العلم حسب ظروفها
وإمكاناتها.
وفي ليلة مقمرة من ليالي بدايات عام 1372هـ تنامى إلى المواطنين في رابع والأبواء وأسافل قرى وادي الفرع أن الملك سعود يرحمه الله وكان ولياً للعهد عزمه على زيارة المدينة المنورة من جدة عن طريق البر وكانت الطرق وعرة فتنادي المواطنون إلى تمهيد الطرق البرية الواصلة بين رابغ ووادي الصفراء فالمدينة عبر مسارات من وادي الفرع وتم ذلك وتقرر أن يأتي الموكب الملكي في مسارات القاحة وأم البرك وأقيم المخيم) في موقع يسمى البستان) بالقرب من أم البرك في أسفل قرى أبي ضياع.
واحتفى المواطنون في تلك النواحي بولي العهد الذي أقيم (سرادقه) في الموقع المقرر وشهدت تلك الربوع وفود القبائل المحيطة لتشرف برؤية ولي العهد والسلام عليه والفرحة بوجوده بينهم.
وأقيمت ليلتها الحفلات والقصائد والعرضات المرحبة والمستبشرة بولي العهد الذي يزور تلك المناطق في مسيره إلى مدينة المصطفى . ومن بين تلك العرضات التي حفظها التاريخ في تلك المناسبة قولهم:
يا مرحبا ياحاكم كلن يهابه .
الجود والمعروف نوخ فوق بابه
يامن به الخائف ويلجا في جنابه
قوم حدود الشرع بالحد الرهيف
فاز الحجاز ومنه فازت كل ديرة
واستبشر البستان في وسط الجزيرة
خادمك واللي في جنابه من عشيرة
بك وأنت مرباع القوي زين الضعيف
أقام المواطنون تلك العرضات بالسيوف وبنادق البارود في ليلة سجلتها جنبات البستان) في أم البرك والقاحة وتلك النواحي وكان على رأس المستقبلين والمحتفين الشيخ مربع بن حسن العبيدي شيخ قرى أبي ضباع وقبائله إضافة إلى جموع قبائل اللهبة واللقامين وغيرهم.
وليلتها قدم الشيخ امربع بن حسن العبيدي طلبا إلى ولي العهد بافتتاح مدرسة في قرية أبي ضباع بوادي الفرع مصدر أمر ولي العهد يرحمه الله على الفور إلى معتمد المعارف الشيخ محمد بن مانع بافتتاح المدرسة وبذلك كانت مدرسة أبي ضباع) أول مدرسة يتم افتتاحها بوادي الفرع في عام 1372
ولم يمض وقت طويل حتى شاهد المواطنون مفتش . المعارف الشيخ صالح الأخميمي ومعه مدرسي. المدرسة وأثاتها يأتون في سيارة (جمالية) كبيرة يحملون بشرى افتتاح المدرسة تنفيذاً لأمر ولي العهد وتلبية لطلب الشيخ (مربع) والمواطنون في تلك الديار، وكما كان لمدرسة أبي ضباع السبق في افتتاح المدارس في تلك الناحية. كان للأستاذ رزيق بن سليمان الرويتعي العوفي الحربي السبق في أن يكون أول العاملين الذين يعملون في تلك المدرسة وأول العاملين الذين نالوا السبق في التعليم النظامي من مواطني وادي الفرع، والأستاذ رزيق أول معلم يأتي إلى الوادي من أهله يحمل الشهادة الابتدائية من مدرسة دار الأيتام بالمدينة المنورة وهذه الأولوية لذلك الرجل العصامي يرحمه الله لم تأت من فراغ ولم يكن تعليمه وإحرازه قصب السبق هذا إلا توفيق من الله سبحانه وتعالى حيث عاش طفولته المبكرة في شعاب الهضبة) جبل (آره) المنبع الأساسي لعيون وادي الفرع.
لقد ذاق الطفل رزيق بن سليمان مرارة اليتم والحرمان والمرض وهو لم يبلغ السادسة من عمره وعاش تحت مظلة أمه وأعمامه فاقداً رعاية وحنان الأب ومتجرعاً مرارة الأمراض والفقر والحرمان في وقت قاس فاقد لكل متطلبات الحياة لكل من عاش تلك السنين في الخمسينات الهجرية من القرن الماضي وقد أوكل إليه أعمامه عوض وثواب رحمهما الله رعاية البهم) صغار الماعز لصغر سنه واعتلال صحته التي رأى كل من حوله أنها لا تساعده على البقاء حياً وصار هذا الطفل يذوي يوماً بعد يوم فانتزعه عمه إلى المدينة المنورة وأدخله دار الأيتام وكان في انتزاعه وإدخاله الدار غرابة من مواطني تلك الجهات واستنكاراً لهذا التصرف.
وجد الطفل في تلك الدار الرعاية والاهتمام والتعليم والمتابعة والأبوة. الحانية من مديرها حسني العلي يرحمه الله ذلك الرجل الراعي للأيتام الذي لقب بـ(أبو الأيتام والذي اختاره وكيل أمير المدينة المنورة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم يرحمه الله عند افتتاح الدار من قبل مؤسسيها عبد الغني وعبد الكريم دادا في عام 1352هـ ليكون حسني العلي مديراً لها بعد خدماته. في السلك العسكري وأدار المدرسة إدارة منضبطة وحرص كل الحرص يرحمه الله على إعداد شبابها إعداداً رجوليا وحل برعايته واهتمامه محل أولئك الآباء الذين فقدهم الأطفال بالدار وكان الأستاذ رزيق بن سليمان أحد طلاب الدار الذين وجدوا العناية والرعاية والتعليم والمتابعة والأبوة الحانية وهو أحد خريجي المدرسة في عام 1369هـ وكان متفوقاً في دراسته وصار ترتيبه الخامس بين أعداد الذين تخرجوا من الشهادة الابتدائية في ذلك
العام وعددهم 250 طالباً في كل مناطق المملكة.
ومع افتتاح مدرسة أبي ضباع في عام 1372هـ شاهد المواطنون رزيق بن سليمان الرويتعي العوفي ذلك الطفل الذي غادر المنطقة (روحاً) بلا جسد وقد نسيه بعضهم، شاهدوه يأتي مدرساً فمديراً لأول مدرسة تضيء المنطقة بأنوارها.
شاهدوه رجلاً يشار إليه بالبنان علماً وعقلاً ورجولة واتزاناً ومعرفة وكا وكانت أولى خطواته في التعليم بعد تخرجه مدرساً في مدينة بدر واثر الانتقال ! إلى وادي الفرع مع فجر التعليم بالمنطقة من خلال افتتاح مدرسة أبي ضباع ليحظى بالقرب ورعاية والدته التي فقدها سنين عديدة لدراسته بدار الأيتام وحياته في أقسامها الداخلية وليحظى برؤية أعمامه وجماعته في شعار عاب الهضبة) ووديانها وليضرب أقوى مثل في العصامية والرجولة والاعتـ على الله ثم على بناء نفسه في وقت قاس وزمن لا يرحم، إنها عناية اية الله ورعايته وتوفيقه. اعتماد
قول وتحقق أمام ذلك الشاب العصامي الذي أحال الله محنته إلى منحه قوا
الشاعر:
وإذا المخاوف لاحظتك عيونها
لا تخشى من بأس فأنت تصان
وبكل أرض قد نزلت قفارها
تم فالمخاوف كلهن أمان
تقاعداً وبعد خدمة في مدرسة أبي ضباع ورعاية من الأستاذ رزيق لأبنائه مديراً في تلك المدرسة لمدة تزيد على أحد عشر عاماً انتقل إلى المدينة تاركاً أطيب الذكريات في نفوس طلابه وأولياء أمورهم وتم ترشيحه مديراً لمدرسة الحسين بن علي ثم مدرسة أسيد بن حضير ومن ثم تقاعد نظامياً في عام 1408هـ وفي اليوم الثامن من الشهر الثامن من عام 1414هـ. ووافاه الأجل المحتوم حيث توفي رحمه الله تعالى في طيبة الطيبة وضم جسده بقيع الغرقد بالمدينة المنورة رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له وأجزل له المثوبة.
بقي القول أن مناسبة ذكر هذا الرمز الأستاذ رزيق بن سليمان
الرويتعي العوفي الحربي أبو عبد الرزاق مع مناسبة افتتاح أول مدرسة في وادي الفرع هو التذكير بالبداية الأولى لانطلاق التعليم النظامي في وادٍ عريق يحفل بالتاريخ الموغل في القدم واهتمام الدولة أعزها الله بالتعليم وانتشاره مع الخطوات الأولى للتأسيس باعتبار العلم هو الركيزة الأساسية للتطور والبناء وقد تمثل ذلك الأمر
الفوري لولي العهد يرحمه الله بافتتاح المدرسة كنواة لإشعاع نور العلم بالمنطقة، والتذكير كذلك برمز من رموز الطلائع الأولى للمتعلمين من أبناء المنطقة الذي حظي بشرف التضحية والفداء والصبر والرجولة وتحدي الصعاب ليكون الأول في أول صرح للعلم والمعرفة في منطقة الوادي طولا
وعرضاً.






