الاستاذ رشيد محمد الفريدي
محمد بن صالح البليهشي

في حياة المعلمين والمربين مواقف لا تنسى مهما طال عليها الزمن وتعاقبت عليها الأيام وتزداد تلك المواقف عمقاً عندما تكون تلك الأحداث مؤثرة في حياة النشء لظروف حياتية أو اجتماعية عميقة ويزداد ابتهاجنا نحن المعلمين ومديري المدارس إذا كانت المواقف تفتح أبواب واسعة المستقبل أولئك النشء وتؤثر في حياتهم .....
وكواحد من أولئك المربين الذين مارسوا العمل التربوي في مختلف مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي تختزل ذاكرتي العديد من الأحداث والمواقف التي ستجد توثيقها في الكتاب الذي أعده عن مراحل ومحطات حياتي العملية والتعليمية والذي سيرى النور قريباً إن شاء الله ....
وبالأمس القريب كتب الله أن ألتقي بأحد طلابي الذين كانوا تحت إدارتي في ثانوية الأنصار بالمدينة المنورة يوم أن كنت مديراً لها في بداية القرن الحالي .... التقيت به صدفة وهو يزور المدينة المنورة بعد غياب عنها حيث أتم تعليمه وصار مديراً لثانوية في الرياض ثم في القصيم .... وقد نسيته من ضمن الطلاب الذين مروا في مختلف المراحل ولكنه حفظه الله لم ينسني وعندما قابلته وذكر لي اسمه والمرحلة التي كان بها وبعض المواقف التي ارتبطت به في المرحلة الثانوية عرفته وارتسم في ذهني وضعه وحياته وأدبه وحرصه على الدرس والتحصيل وتذكرت تلك الرسالة. التي شرفت بها من ذلك الطالب الرمز الذي أحسن الظن بي في ذلك. الوقت ورأى أنني أهل لبث شكواه وشجونه وآلامه وآماله في تلك المرحلة وكانت رسالته مليئة بالآمال العريضة والمعاناة التي مر بها والفقر والعوز الذي عايشه خاصة وأنه يتيم الأب والأم حيث فقدهما وهو لا يزال في السنة الثالثة من عمره وعاش تحت كنف (أخ) له مقام والده ولكن لا بديل للاب حيث تجرع مرارة الحرمان واليتم في مراحل حياته بالتعليم العام الابتدائي والمتوسط والثانوي......
ومنذ أكثر من أربعين عاماً والرسالة لدي .. احتفظ بها للمعاني الواردة بها والمعاناة التي تحملها وذلك المجهول الذي يعيشه ذلك الطالب العصامي المكافح .... أعجبت بها وبما حملته من تعبير ومعايشة لواقع مرير وفقر مدقع وفراغ أب وأم ومع ذلك سار ذلك الشاب متحدياً ظروفه ومتجرعا مرارات عديدة لم تثنه عن مساره في الدراسة مع نقص في المواصلات حيث كان يسير لأكثر من خمسة عشر كيلاً يومياً للمدرسة ونقص في المصرف والملبس .
أعجبت بجرأته حيث رأى في شخصي البسيط الإنسان الذي يبث له همومه وشجونه وآلامه وآماله برسالة مليئة بإعجاب وأخبار وعبارات بليغة لإيصال أهدافه ومعاناته وأحسست من خلال الرسالة أنه قد وضعني في موضع أبيه الذي افتقده مع مدارج صباه وربما جهل ملامحه وملامح أمه ومن هنا رأى في شخصي البسيط أباً ثانياً حمل رسالته ما يلاقيه من عنت مشقة شظف العيش وصعوبة الحياة وفقدان الناصر والمعين
كما أعجبت بحسن خطه ودقة ألفاظه وسبك عباراته حتى ليخيل لمن يقرأ الرسالة وتعابيرها أن ذلك الخط وتلك العبارات البليغة ليست من إعداد طالب في المرحلة الثانوية بل في مراحل متقدمة كرسالات الماجستير والدكتوراه ... بل واعتقد أن حاملي تلك الشهادات يفتقد كثير منهم ذلك الحسن في الخط وتلك العبارات الجزلة التي رأى كاتب الرسالة الطالب رشيد الفريدي استخدامها لإيصال رسالته إلى الأعماق
من هنا كان إعجابي بالرسالة وكاتبها مما رأيت الاحتفاظ بها في أوراقي الخاصة مع يأسي من لقاء ذلك الشاب بعد غياب زمن زاد على أربعين عاماً نسيت خلالها ملامحه وما يتصل به من مواقف وأحداث ولكن لقائي به في الأيام الماضية وتذكيري أثار كثيراً من مشاعر الوفاء والعرفان وأحاسيس الأبوة ووفاء الأبناء ....
قابلني بعد أربعين عاماً وهو رجل مكتمل الرجولة يحمل الشهادة الجامعية ويدير مدارس ثانوية ...
قابلني رجلاً تربوياً على درجة عالية من الأخلاق وسمات التربية وإعلامياً من كبار رجال الإعلام والتواصل الاجتماعي ورجل علاقات من طراز فريد وفوق ذلك كله هو شاعر من شعراء العصر ينضم الشعر بأسلوب مؤثر ونهج بليغ يحلق بقصائده في كل ميادين الشعر وتفرح به منصات اللقاءات والأفراح والمناسبات وسلك طريقه إلى الإذاعة والتلفزيون مشاركاً ومتفاعلا مع برامجها وفتحت الصحافة له أبوابها لما امتاز به من بليغ القول ودقة المعنى ورهافة الحس والأسلوب
وهو شخصية جاذبة من أولئك الرجال الذين يألفون ويُؤلفون وله اسمه في منتديات علية القوم من الأمراء ومشايخ القبائل والأعيان له قدره ووزنه في المحافل المنبرية وغيرها لعذوبة أسلوبه وسلاسة منطقه وما تسربل به من ثقافة عالية ومنطق سليم وأخلاق راقية
لقد فرح بي كثيراً مقرا بالأستاذية ومعترفا بالفضل .. وقابلني بحفاوة بالغة يوم أن شرفت بمقابلته بوساطة أحد أصدقائه ومعارفه بعد أن سأل عني ذلك الصديق وتطرّق المجلس إلى ذكري وأكد رغبته في مقابلتي ولكنني فاجأته بعد هذا بالوصول إليه في مقر إقامته بالمدينة وكان لقاءً رائعاً ووفاءً مميزاً من ذلك الرمز الذي يعتبر عنواناً للوفاء والأخلاق الراقية وهو الأستاذ رشيد بن محمد بن دخيل الله الفريدي) (أبو عبد الإله) الذي تركت رسالته الأثر البالغ في نفسي عندما كان طالباً في مدرسة أديرها بالمدينة قبل أربعين سنة والذي جعلني احتفظ بها في أوراقي الخاصة دون معرفتي بوجهة كاتبها بعد تخرجه ونسياني لصاحبها ولكنها بقيت لما حملته من مشاعر وأحاسيس ولما رأيت فيها من معالم النبوغ والرجولة والعصامية ... وكتب الله أن تبقى تلك الرسالة تاريخاً وتراثاً وحباً ووفاءً لأذكرها في هذا الوقت ولتكون الرسالة وصاحبها (رمزاً) من رموز الذاكرة في مقتبل الأيام.






