أي بني..

محمد بن صالح البليهشي

قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة
قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة

أي بني..

توقفت رسائلي إليك بعض الوقت لمشاغل أبيك الحياتية التي تستغرق عليه وقته كله في كثير من الأحيان وفي أحيان أخرى يمل أبوك من عناء التعامل مع الحرف ولذلك يهجر الكتابة هجران المحب المشفق الذي يكون هجرانه وسيلة لحب متجدد لا يعيش إلا به ولا يتنفس إلا من خلاله وهذا يابني ديدن فئة من المحبين الذين يطردون ما قد يعتري نفوسهم من ملل لما أحبوه مع الوقت بهجر مؤقت لا يطول آمده حفاظاً على حبهم ووسيلة لحب متجدد لا يبلى مع مرور الأيام والسنين.

هذه نظرتهم وتلك فلسفتهم وأبوك واحد من أولئك الذين يجددون حبهم وتعاملهم مع الحرف قراءة وكتابة وحياً بالهجر القصير الذي يكون بداية لحب وتعامل جديدين كلما أحس يمثل أو جفوة عارضة بين نفسه وبين متنفسه وعشقه في الكتابة أو القراءة.

وهي نصيحة أسديها إليك عشتها وعايشتها واقعاً ولمست أثرها يمرور أيامي وسنيني الماضية وهي تسير وفق التوجيه في الأثر الذي يقول: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت، ولا أشك أن طريقة أبيك التي ذكرتها أنها والتي تعيش بها فئة من البشر تتفق مع رافد
من روافد هذا التوجيه الكريم.

على أن الهجر الذي ذكرته لك لا يعني الانقطاع بالكلية ولا يعني تمزيق جميع الأواصر ونسف جميع الجسور الموصلة وسد جميع القنوات بل يعني ذلك الهجر المشفق الذي يداري من خلاله النفس عن الملل والذي يحافظ من خلاله على سلامة المعابر والجسور الرابطة والذي يتخذ منه قاعدة وانطلاقاً النشاط وحب جديدين.

أي بني :

لقد استرسلت معك في موضوع نفسي لا أرغب التطرق إليه ولا البوح به ولكنها الأبوة الثانية التي تتدفق كلما وجدت طريقا إلى الإصلاح والاستقامة والتي لا تستطيع إخفاء مكنوناتها كلما وجدت في ذلك طريقاً إلى المثالية التي تنشدها وتحاول أن تعمق جذورها في وجدان الأبناء
. أعود بعد هذا كله إلى رسالتي السابقة التي حدثتك فيها عن التمر وأثره في حياة الآباء والأجداد وكيف كان الطعام في الحضر والزاد والمذهب) في السفر وكيف أن الأبحاث الطبية في العصر الحديث قد أكدت على أن الإنسان لو عاش طوال حياته على التمر فقط لأمكنه ذلك من غير أن تعتل صحته أو يضعف جسمه بإذن الله تعالى لأنه يحتوي على كل ما يحتاجه الجسم من العناصر اللازمة للماله وبقائه فهو يحتوي كما ذكرت الأبحاث الطبية حديثاً على خمسة وأربعين عنصراً من العناصر التي يحتاجها جسم الإنسان وبه ما يزيد على عشرة أحماض وكم هائل من الفيتامينات الضرورية لجسم الانسان.

ولذلك عاش آباؤنا يوم كانوا يأكلون التمر ويغذون به أطفالهم في صحة وهناءة بال، كانوا يتخذون من الثمر فطوراً مع الفجر وإذا وجدوه لم يبحثوا عن غيره وكانوا يؤمنون بالهدي النبوي الذي يقول: « من أفطر يشق من التمر كفاه الله شر ذلك اليوم... ولذلك حرصوا عليه أكثر من غيره، وهو فاكهتهم وغذاؤهم وزادهم في سفرهم وحروبهم واكتشفوا بخبرتهم كيف يخزنون التمر ويحافظون عليه من التسوس أو السوس) والتعفن لأن التمر إذا ترك على حاله ولم يخزن التخزين الصحيح دب إلى كل (فذة) فيه السوس من داخلها حيث يؤثر فيها ويجعل (الغدة) بفتح الفاء وتشديد الذال المفتوحة واحدة التمر يجعلها خواء من داخلها ثم يتولد بها دود أسود صغير وإذا تراكم التمر على بعضه دون أن يبقى في الشمس مدة كافية يعرفها أهل التمر وجدت الحموضة والتعفن طريقها إلى كل فذة ويسمونها في هذه الحالة أي حالة الحموضة والتعفن (الخفج) بفتح الخاء والميم وسكون الجيم وإذا تعفن التمر لا يمكن أكله ولكل ذلك وجدوا الوسائل التي بها يحفظون التمر وهي بالطبع غير الوسائل الحديثة التي عرفتها مصانع التمر في هذه الأيام.

أي بني:

كثيرة في طرق حفظ وحمل التمر القديمة التي عرفها الآباء والأجداد وأذكر منها مثلا (المجاليد) وواحدها مجلاد ويكون المجلاد بطريقة عجيبة حيث يعمدون إلى فرش التمر على خصف من جريد النخل والخصفة فراش دائري قطره يبلغ المترين تقريباً يصنع خصيصاً في أكثر الأوقات للتمر. حيث تفرش الخصفة وينشر عليها التمر ويترك ثلاث ساعات تقريباً في شمس الظهيرة الحامية وبعد مضى هذه المدة ينزل الرجال ليطأوا التمر المفروش بأرجلهم بعد غسلها ورش التمر بالماء حيث يستمر (الوطي) بالأرجل للتمر حتى يحيله الى عجين يمثلونه بالكيفية التي يرغبونها ولذلك يكون منه المجلاد وجمعها مجاليد والمجلاد ملء كيس الدخن أو كيس الأرز الكبير أي حشوه من التمر (الماطي) أي المعجون بالأرجل ويوم أن كانوا لا يجدون هذه الأكياس كانوا يصنعون على هيئتها من جريد النخل وكانوا يعتبرون المجلادين حمل بعير لأن الجمل لا يستطيع أن يحمل أكثر من مجلادين، ونصف المجلاد يسمونه (دربوساً) والدريوس من التمر المعجون بالأرجل يكونونه على هيئة مكعب وهو نصف المجلاد ولكنه يمثل من التمر ولا يوضع في وعاء غالباً بل يترك على حاله حيث يجف التمر ويتماسك وبذلك لا يجد السوس ولا التعفن إليه طريقاً ويبلغ من شدة تماسكه إذا طال عليه الوقت، وكان وطيه بعناية إنه لا يمكن الأخذ منه أو
الكسر من ثمره إلا بآلة حادة تحمى في النار

قد تستغرب يابني وجيلك من وطي التمر بالأرجل بهذه الطريقة وأكله ولكنني أزيدك بالقول بأن وطي التمر لا يكون إلا في (القائلة) أي في عز الظهيرة التي يسيل العرق من الوطاية) أي ممن يطأون التمر أنهاراً وبالطبع يصل العرق إلى التمر ومع ذلك لا يجدون بأساً ولا تشمئز نفوسهم بل ويشترى ذلك التمر بأعلى الأثمان.

لقد كان هذا وطي التمر في الماضي لإعداد المجاليد والدرابيس أما اليوم فقد انتشرت مصانع التمر وقامت بالمهمة لعجنه وطحنه وبيعه بلغة الكيلو ونصفه وربعه.. كذلك أوجد الناس حالياً طريقة أخرى لعجن التمر بكميات كبيرة غير وطيه بالأرجل وغير المصانع وهذه تتمثل في فرش التمر في شراع نظيف على أرض مستوية مبلطة ورش ذلك التمر بالماء وتغطيته بشراع آخر غطاءاً محكما ثم تمرير السيارة على التمر المغطى لتهرس عجلاتها التمر وتحيله بعد المرور عليه مرات عديدة إلى عجينة يكونون منها المجاليد المذكورة، وترقيد التمر طريقة أخرى من طرق حفظه وتصنيعه تتم يفرش التمر على خصفة أو شراع في الشمس الحامية مدة ثلاث ساعات أو تزيد وبعد ذلك يغسل التمر ويوضع في صفائح من التنك حيث يكبس باليد كيساً جيداً لا يعجن التمرة ولا يترك فراغاً بينها وبين ما قبلها مع المحافظة على شكلها وحجمها، وهذه الطريقة تتبع حالياً بعد أن عرف الناس صفائح التنك) أما في الزمن الماضي فقد كانوا يعمدون إلى القرب القديمة، وهي جلد الماعز أو الضأن بعد أن تدبغ وتستعمل مدة في تبريد الماء حتى إذا قدمت هذه القرية ولم تعد تبرد الماء ولم تعد تطعم الدباغ أي تقبله أو لم يؤثر فيها وبذلك تصير (سنة) بفتح الشين وتشديد النون المفتوحة، فإذا صارت كذلك استعملت لحشو التمر بها حيث يخزن التمر محشواً بما وتعطيه نكهة وبريقاً يحلى مذاقه وتتميز الشنة بأنها تحفظ (الديس) وهو دبس التمر في داخلها ويختلط مع بقايا الدباغ مما يجعل لها مذاقاً خاصاً وتميزاً لتمرها دون غيره، وكان التجار في المدن يعمدون إلى تخزين التمر قديماً في أوعية فخارية كانت تستورد من صعيد مصر وهي مخصصة لخزن التمر ثم حلت البراميل محل تلك الأوعية وأخيراً تولت مصانع التمر المهمة بطرق حديثة
نظيفة.

أي بني :

كان أهل المدينة يتفننون في تخزين التمر في الماضي ووصل تفننهم إلى تشقير التمرة الواحدة وهذا ما يسمونه بالشقير، والشقير هذا له لذة خاصة، ويتمثل في تشقير الزهو الذي بدأ فيه الترطيب فتشقر الواحدة إلى ثلاث أو أربع شقرات طولية ثم يجفف في الشمس ويحفظ حتى ينتهي موسم الصيف ثم يتهادونه ويتفاخرون بوجوده لذاته المميزة ونكهته الخاصة.

كما كان لبعضهم اهتمام بجمع الرطب التي نقرها الطير أي أكل منها وعادة ما يأكل الطير من المناصف) أي التي نصفها زهو ونصفها قد ترطب، كانوا يهتمون بهذه التي نقرها الطير ويسمونها (نقر الطير) فيجمعون من الرطب ما نقره الطير ويهتمون به ويحدون فيه حلاوة وتميزاً لأنه ينشف على حاله الذي نقره الطير فيه مما يعطيه حلاوة ومذاقاً خاصة يميزه عن غيره، وللعجائز اهتمام خاص بقلائد البلح التي ربما تشاهدها لدى العطارين في الحجاز عموماً إلى اليوم وهذه القلائد تصنع من الزهو الفاخر حيث يأخذون هذا الزهو ويضعنه في ماء مغلى بالهرد (أي الكركم) ليكسبه اللون الأصفر وبعد دقائق يخرج من هذا الماء المغلي ليبرد ثم ينظم نظماً في خيوط من ليف النخل ويترك في الشمس معلقاً بخيوطه حتى يجف ليستعمل أو يسوق ويدخلته كما يدخله العطارون في كثير من الأدوية الشعبية التي يصفونها لمرتاديهم.

أي بني:

أطلت عليك في موضوع النخلة لأنني أحب هذه الشجرة وأقدرها وهناك الكثير عنها سوف أؤجله حتى لا تمل وسوف تحمل رسالتي القادمة إليك جانباً آخر من الجوانب التي تبحث عنها في حياة الآباء والأجداد فإلى اللقاء والسلام

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.