أي بني..
محمد بن صالح البليهشي

أي بني..
افتتحت مدرسة القرية كما أخبرتك في الرسالة الماضية في غرفتين كانتا (زاوية) من زوايا الشعوذة كانت منتشرة بانتشار الجهل في مختلف القرى والهجر قبل أن تسعد بلادنا بظلال هذه الدولة السعودية التي أعزها الله وبدأت تمارس رسالتها بقلة قليلة من الطلاب لأن الغالبية العظمى في القرية كانت تشك في المدرسة ولا تطمئن إلى تعليمها وتخشى أن تتبنى المدرسة أبناءهم ومن ثم تتسلط الحكومة عليهم وتأخذهم عنوة بواسطة هذه المدرسة وكان هذا اعتقاداً قديماً ترسب في أذهان الناس في مدن الحجاز وقراه من ركام الماضي، نتيجة لما مرت بهذه البلاد من سنين عجاف ساد فيها الجهل وتفشي الفقر والمرض، ومع هيمنة هذا الثالوث الخطير ضربت الخرافة أطنابها، ووجد السحر والشعوذة طريقا سهلاً إلى النفوس فهيمنا على الإفهام والمدارك والعقول.
أي بني:
في اليوم الأول الذي عرفنا فيه المدرسة وأجلسنا المفتش على حصير الخصف، ووقف بجانبه مدرسا المدرسة، رأينا بيده إصبعاً أبيض قال لنا بأن اسمه (طباشير) ووجدنا أمامنا لوحاً كبيراً أوقف على رجلين وتم ركزه على الجدار وقالوا لنا بأن اسمه (سبورة)، وعجبنا من كبره ومن لونه الأسود، لأنه لا يقارب الألواح التي أتينا بها نحملها في أيدينا والتي تعود كل منا على أن يحمل لوحه بيده يقرأ منه منفردا، وكنا نظن بأن ذلك اللوح الكبير الأسود يتم مسحه (بالمغر) الذي اعتدنا أن نمسح الواحنا به وقلنا في أنفسنا كيف تسطيع أن نمدد هذا اللوحالكبير للفسحة (بالمغر) أو الماء وكيف يتم تجفيفه؟ وكانت في نفوسنا أسئلة كثيرة حول ذلك اللوح، ولكن المفتش قطع جميع تلك الاسئلة بكتابة ( ب د ا ) مشكلة عليه بذلك الإصبع الأبيض الذي حمله بين أصابعه وبجانبها كتب كلمة ( وزن ) وطلب منا قراءتها واحداً بعد الآخر، فمن عرف القراءة منا ومن لم يعرف، حيث حدد مكاناً للعارفين وآخر للآخرين، وبهذا جرى تقسيمنا إلى فصلين في غرفتين متجاورتين ترى جميع الحركات والأصوات التي تصدر منهما بعضنا وتسمع جميع الأصوات والحركات التي تصدر من أي واحد منا، وسلم كل مدرس فصلاً وسبورة وعدداً من أصابع الطباشير.. وسلّم كلا منا دفتراً واحداً ومرساماً قلم رصاص) وطلب منا عدم اصطحاب ألواحالفقيه التي كنا نحملها إلى المدرسة مرة أخرى، وعلمنا بأن هذا اللوحالكبير لنا جميعاً نقرأ منه ونكتب فيه وهو يغني عن جميع تلك الألواح. وقد استغربنا كثيراً من سرعة الكتابة على هذا اللوح الكبير وسرعة مسحة وإعادة الكتابة عليه مرة أخرى بالطباشير.. كما فرحنا أكثر بتلك الدفاتر التي أعطانا إياها والمراسيم التي علمنا كيف نستخدمها ونبري رأسها كما يفعل الفقيه بقلمه من أعواد العوسج الذي عرفناه والفنا مشاهدته ورأينا أن الفرق بين مراسيمنا التي كنا نكتب بها وقلم الفقيه أن هذه المراسيم أقلام الرصاص تحمل حيرها في جوفها. وتنقص كلما كتبنا بها بينما قلم الفقيه العوسجي) يرتوي بالحبر مع كتابة أول كل كلمة ويكلفه عناء خاصاً ولكنه لا ينقص سريعاً
ولا يتأكل في أيام قليلة...
ومع الساعة الأولى لافتتاح المدرسة رأينا المفتش يخرج من جيبه (صفارة) بعد أن وزعنا إلى فصلين وأرانا اياها، وقال بأن صوتها علامة على دخول الحصة وخروجها وابتداء اليوم المدرسي وانتهائه وكان الصوتها الذي ينطلق بنفخ المفتش فيها بين براطمة) شفتيه رنة عجيبة في نفوسنا وأفهامنا لأننا في ذلك الوقت قبل أكثر من أربعين عاماً في قريتنا لا نعرف الصغيرة) والصافرة، وكنا نصفر بأيدنا بحيث نبسط الكف اليسرى ثم تنفخ بقوة ذلك الحقن الذي كوتاه بأيدينا فيظهر الصغير قوياً مجلجلاً في الجبال هذه الطريقة للتصغير لدينا وهناك طريقة أخرى وهي النفخ بطريقة خاصة داخل (الزعتة) الفارغة ليحدث التصغير والزعتة الفارغة يابني هي مشكة) أم خمس أو أم ركبة بعد تفريغها مما بها من بارود وتلك الفشكة هي السهم الذي ينطلق من البندق مدفوعاً بقوة الرمي والبارود وأم خمس وأم ركبة من أنواع البنادق.. وكانت الإشادة بها لا تقف عند حد حيث يقول شاعرهم فيها:
ام خمس الطيبة بابواردية
وأم ركبة من عطيبات الضرايب
والزعتة أو الفشكة التي أعنيها تشبه إلى حد كبير سهام أو مشك الرشاش في أيامنا والطريقة الثالثة كنا نصفر بها هي جمع الشفتين بطريقة خاصة وإطلاق الهواء من خلالهما ليحدث الصغير وكان أحد زملاننا بارعا في هذه الطريقة حيث كان يستخدم تصغيره بشفتيه لمسك العصافير مسكا باليد فهو يدخل بين الأشجار والمزارع ثم يصفر للعصافير تصغيراً خاصاً ولديه قدرة عجيبة على الصبر والتأني ساعات طوالا حتى يمسك العصفور الحذر مسكا باليد.
ويحظى بإعجاب كل رفاقه ولكنه مقابل ذلك كان يبقى الساعات الطوال بين المزارع والأعشاب وهو يغني بتصغيره للعصافير التي تألف صوته وتميل إليه وتنس أن المصفر (صياد بارع للعصافير لا مغنياً لها أو شادياً بألحانها .. وكنا نتودد إليه ليشركنا في العصافير التي يمسكها ويشوبها أمامنا ليعطينا شيئاً منها أو جزءاً من لحمها اللذيذ
نسيت ما أنا فيه مع ذكر أم خمس) و (أم ركبة) و (الزعتة والفشكة) والتصغير ومسك العصافير، وكذلك استرسلت في هذا غير أنني أعود إلى ما أنا مخيرك به في الرسالة مستقلة عن البنادق ونوعياتها وأغراضها وأسمائها، وما قيل فيها من شعر يظهر مكانتها واعتزاز
الأجداد بها في ماضي الأيام....
أعود فأقول بأن صغيرة أو صافرة المدرسة قد أظهرها وأبان استخدامها مفتش المعارف منذ اليوم الأول للمدرسة وكنا مع مرور الأيام نتمنى أن نصفر بها ولو مرة واحدة لأنها تختلف عما ألفناه في قريتنا الصغيرة.. وقد عرف أحد مدرسينا فيما بعد برغبتنا فكان من وسائل تشجيعه لنا إعطاء من استحق التشجيع في نظره الصافرة لكي يصفر يوماً كاملاً لدخول الحصة أو خروجها وكنت أجمع كل نفسي داخل صدري لأطلقه دفعة واحدة على تلك الصافرة ليكون صوتها عالياً بصورة مزعجة ولكنه كان مصدر افتخار لي أمام الآخرين. وقد علمنا الأستاذ عندما ترغب في الذهاب لشرب الماء أن يقبض الراغب أصابعه ويضمها إلى كفه ويضع ذلك الكف الأيمن المقبوض على فمه ليعرف المدرس أنه يرغب في شرب الماء فيسمح له أو لا
يسمح...
كما علمونا أن من يرغب أن يذهب إلى الخلاء أن يقبض أصابع يده اليمني إلى كفه ويترك الخنصر ممدوداً رافعاً ذلك الكف أمامه أعلى من رأسه ليعرف الأستاذ أن ذلك يرغب أن يشرب) بضم الياء وفتحالشين وكسر الراء المشددة وسكون الباء أو يطير الشراب) أو (يزغل) بضم الياء وفتح الزين وكسر الغين المشددة وسكون اللام. وهذه كنايات عن الرغبة في قضاء الحاجة كما كانت ألفاظ متعارف عليها.. فعلمنا الأستاذ أن نقوم بتلك الاشارة بدون أي كلام يذكر وعندها يسمح لذلك الطالب أو لا يسمح، وكم من طالب بال على نفسه نتيجة عدم اقتناع المدرس برغبته وعدم استطاعته التحدث مع الأستاذ والحاحه في تلك الرغبة، إنها إشارة فقط و قد حظر علينا أستاذنا عدم تكرارها في حالة عدم السماح منه سامحه الله وغفر له... ومن يستطيع أن يتجرأ على مخالفة أمره مهما كانت الظروف والأسباب ؟!
لقد مكث مفتش المعارف ثلاثة أيام افتتح خلالها المدرسة واطمأن على الدراسة وكانت شخصيته قوية وقراره نافذاً وله سلطة أحسسنا بها نحن الصغار وهو يتحدث إلى رجال القرية وإلى مدرسي المدرسة وكان سنه وخبرته وما أعطى من سلطة تؤهله للأمر والنهي وفوق سلطته وشخصيته كانت له مرونة عجيبة في تقبل الآراء وسماع حديث كل متحدث والتصرف في المواقف بناء على ما تمليه المصلحة العامة ويفرضه العمل ومداخله المختلفة...
حقاً يا بني كان الموجه في تلك الأيام موجهاً بكل ما تعنيه الكلمة سناً وخبرة ومعرفة وعقلاً وبعد نظر ورغبة في صالح المجموع وأداء للأمانة وإحساساً بالمسؤولية.. كان موجهاً فعلاً في تلك الأيام وإن سمي مفتشاً ولذلك برزت أسماء للموجهين التربويين الذين ساهموا في مسار العملية التربوية لدينا مع بداياتها الأولى وقد حضرت أسماؤهم في أذهان الناس وتاريخ التعليم لإخلاصهم الذي أمتازوا به وحرصهم على أداء ما حملوا به من أمانة وما اضطلعوا به من
مسؤوليات رغم المصاعب التي واجهوها والمتاعب التي تكبدوها...
أي بني : أطلت حديثي إليك في هذه الرسالة ولدي تكملة لها في الرسالة القادمة والسلام.






