قباء.. أول بقعة في المدينة وطئتها أقدام نبي الأمة
محمد بن صالح البليهشي

في هجرته عليه الصلاة والسلام وعند وصوله إلى الجنجاثة، قال : من يدلنا إلى بني عمرو بن عوف فلا يقرب المدينة.
ويتو عمرو بن عوف من الأوس كانت مساكنهم في قباء، ومن هنا أشرقت قباء بالنور المحمدي قبل غيرها من بقعة أرجاء طيبة الطيبة وفاخرت بذلك الاختصاص وذلك السبق والمفخرة، وبها تجمع الأولون من المهاجرين والأنصار فرحاً بمقدمه
قرية قباء بالمدينة المنورة اسم قديم القباء يوم أن كانت ضاحية من ضواحي المدينة المنورة في القرون الماضية، أما اليوم فقد صارت قباء جزءاً من المدينة بل دخلت في أعماقها بحكم التوسع العمراني والارتباط المكاني والسكاني وتجاوزها التوسع إلى أحياء جديدة من كافة جهاتها، حتى أصبحت قباء جوهرة في عقد
منظومة مكونات مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام.
وتميزت قباء منذ أقدم العصور بميزات من جمال الطبيعة ونقاء الهواء وإشراقات التاريخ، وخير ما يذكر عنها في هذا المجال ذلك الوصف الذي وصفها به (العلامة) الأستاذ عبد القدوس الأنصاري رحمه الله تعالى في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري حيث قال عن قرية قباء في طيبة الطيبة (قرية قباء بما امتلأت به من حدائق ممتدة ومجمعة في شتى أنحائها وبما لطف من هوائها وازدان به جمالها تعتبر من بين قرى ضواحي المدينة (غوطة المدينة، ويمضي الأنصاري في وصف قباء إلى أن يقول: إن السائر فيها أو المتنزه بها يشعر بغبطة غامرة وانشراح عميق ومتعة كبيرة فارعة، ذلك أن ظلالها ظليلة وسوانيها قديماً ذات ألحان شجية تبعث البهجة والفرحة في أرجاء الصدور (ومكنات ضخ مائها تملأ القلب سروراً برنات مثاني موسيقاها المتعاقبة والمنسجمة والمشجية، وحيثما تداعب أصابع النسمات العذاب قدود غصون الأشجار تستمع إلى نغمات (جوقة) فنية مبدعة وممتعة.
هذا وصف الأنصاري لقرية قباء قبل مائة عام تقريباً واليوم مع جمال هذه البقعة المباركة بدت ملامح جمال جديدة في جنباتها، منذ إعلان ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله تعالى إطلاق أكبر توسعة في تاريخ مسجد قباء بواقع عشرة أضعاف مساحة المسجد الحالية بطاقة ستة وستين ألف مصل وهذه أكبر توسعة يشهدها هذا المسجد منذ إنشائه في السنة الأولى من الهجرة، ومن ضمن التوسعة تطوير المنطقة المحيطة به وتسمية المشروع باسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود يحفظه الله تعالى.
وبإزالة المباني المحيطة التي يقتضيها المشروع، بدت (قباء بمزارعها وآثارها التاريخية لوحة فنية رائعة الجمال، مساحة وهواء وبدأ المسجد درة بوضعه الحالي وعند اكتمال المشروع سيكون غاية في الجمال والتألق والسعة، وسيقف الزائر للمسجد ليرى المعالم التاريخية من الآبار والحصون والأطام والمزارع التي تحفل بها منطقة قباء بارزة تحدث الأجيال مباشرة بتاريخ إسلامي عريق ومؤثر غطت معالمه العشوائية والمصالح الشخصية طيلة القرون الماضية، وأبرزه هذا المشروع
العظيم.
وقرية قباء على تسميتها القديمة هي جزء من عالية المدينة التي كانت تشمل قرى قربان والعوالي وقباء وقد اهتم بها نبي الهدى عليه الصلاة والسلام عند انتصاره في غزوة بدر يوم أن أرسل عبد الله بن رواحه رضي الله عنه للمناداة في جنباتها ببشارة أهل العالية بذلك النصر المبين في بدر.
ويبدو من خلال استقراء التاريخ أن منطقة العالية هذه كانت أكثر سكان المدينة المنورة قبل الهجرة حضارة وسكاناً، بدليل كثرة حوائطها وبساتينها وأطامها وحصونها، وأن منطقة قباء بالذات كانت أكثرها شهرة وتجمعات سكانية بدليل أن المصطفى قصدها أولاً عند قدومه في هجرته، حيث روى سعد في طبقاته قوله: ثم هبط بطن العقيق حتى انتهى الجنجاثة فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوف فلا يقرب المدينة فتقلل على طريق الظبي حتى خرج على العصبة...
وطريق الظبي بالقرب من جبل قرين ( صريحة) الواقع في حديقة الملك فهد اليوم
في غربها وإلى الشرق من جبل عير.
وبنو عمر بن عوف من الأوس كانت مساكنهم في قباء وفي العصبة، وهي المنطقة الواقعة غرب مسجد قباء وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأوائل في
العصبة وكان مصعب بن عمير يؤمهم في قباء قبل وصول النبي إلى قباء.
وتؤكد المصادر التاريخية على أن عالية المدينة كانت بمثابة حاضرة يثرب بأكملها قبل الهجرة، وأن الأطام في قباء وحدها زادت عن خمسة وأربعين أطماً وكان أشهرها أطم الضحيان والمستظل لأحيحة بن الجلاح وأطم الشنيف لبني بياضة، وهو الأطم الذي رؤي منه النبي صباح يوم الهجرة وأطم الصفاصف قرب العصبة وبها سوق العصبة ومنازل بني جحجبا وأطم عاصم بجوار بئر قباء الذي تنسب إليه قرية قباء
بكاملها والذي يقول فيها شاعرهم :
ولو نطقت يوماً قباء لخبرت
بأنا نزلنا قبل عاد وتبع
وأطم واقم شرقي مسجد قباء وواقع الآخر بالحرة الذي عناه الشاعر بقوله:
نحن بنينا واقماً بالحرة
بلازب الطين وبالأصرة
وكان بالصياصي في قباء أربعة عشر أطماً حيث يتعاطى أهلها النيران بينهم لقربها
من بعضها.
والأطم لمن لا يعرفها حصون تبنى بالحجارة غالباً مربعة أو مستطيلة تحتوي على غرف لا فتحات غالباً في الخارج وتشرف على بهو في الداخل من طابق أو طابقين أو ثلاثة، وإلى جانب هذه الأطام والحصون هناك الآبار النبوية والتاريخية التي تزخر بها قباء ولا تزال بمواقعها ووجودها إلى اليوم كآبار عذق والعهن وغرس والمستظل والضحيان وعذب وهناك المساجد النبوية والتاريخية كقباء وبني أنيف والعصبة وغرس وغيرها والمزارع والبساتين التي تزين قباء من جميع جهاتها والبيوت التي ذكر التاريخ أن النبي كان يرتادها، والمواقع التي شهدت حروب الأوس والخزرج على مدى مئات السنين حتى ألف الرسول بينهم بدعوة الإسلام وجعل منهم أنصاراً متحابين متأخين.
إن الساحات التي بدت بعد نزع ملكيات العقارات المشروع التوسعة قد أبرزت المعالم التاريخية في منطقة قباء وزاد من بروزها اتصال تلك الساحات بجادة قباء التي هيأتها أمانة المدينة المنورة وهيئة تطوير المدينة المنورة للسير عبرها من قباء إلى المسجد النبوي الشريف ذهاباً وإياباً، بل وأسهمت تلك الساحات (القبانية) في إبراز المعالم التاريخية في منطقة قباء والعصبة بصورة لم يسبق لها مثيل. وقد بدت بساتين النخيل التي حول ساحات المسجد والتي تقرر الإبقاء عليها مشرقة تنساب من بينها نسائم قباء بصورة تبعث في النفوس معنى متميزاً من معاني البلدة المقدسة التي أمر المصطفى عليه الصلاة والسلام بالهجرة إليها والحياة
بها ونشر دعوته منها.
إن مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لتوسعة مسجد قباء وتطوير الساحات حوله وإبراز المعالم التاريخية في هذه المنطقة أمام الزائرين والمعتمرين، يعتبر تاريخاً جديداً يبرز ويؤصل تاريخ المنطقة ويزيد إشراقات وقدسية قباء ومسجد قباء أول مسجد بناه الرسول في طيبة الطيبة والمشروع إلى جانب أنه خدمة وراحة لزائري المدينة المقدسة من كافة أرجاء المعمورة هو تاريخ المواقع تشرفت باستقبال خير البرية وتنزلت في جنباتها وميادينها وحوائطها آيات وتعاليم وتشريعات بقيت خالدة مخلدة تصل الأرض بالسماء وهو بعث جديد لتاريخ مواقع
تتحدث التاريخ وتخاطب العقل والوجدان بنسمات قباء وظلالها ورياحينها.






