الأستاذ قَبِل بن عيسى العبيري
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله تعالى أستاذنا القدير ومعلمنا الأول الأستاذ قبل بن عيسى بن عواد العبيري الحازمي الذي تشرفت به مدرسة المضيق قبل أربعة وسبعين عاماً مع أول يوم تم فيه افتتاح المدرسة بهذه القرية العريقة بوادي الفرع.
ففي صبيحة يوم غانم من شهر جمادى الأولى من عام 1374هـ فوجىء سكان القرية بسيارة كبيرة وصلت عبر طرق وعرة من المدينة المنورة إلى قرية المضيق بهذا الوادي التاريخي الذي لا تصل إليه السيارات إلا نادراً لوعورة الطرق وصعوبة المسالك وكنا يومها ندرس عند شيخنا الفاضل الشيخ مفلح بن فالح الشاماني في كتابه) بأحد مساجد القرية، وصل إلينا ونحن عند ذلك الشيخ من يستحثنا للذهاب إلى حيث وقفت السيارة لأنها تحمل بشرى افتتاح مدرسة بالقرية، حملنا ألواحنا التي تدرس بها عند شيخنا وتوجهنا جميعاً إلى السيارة التي وقفت في وسط وادي القرية منتظرة المواطنين وأبناءهم ووجدنا أمامنا ثلاثة هم حمولة السيارة مفتش التعليم الشيخ صالح إخميمي والأستاذ قبل بن عيسى العبيري والشيخ محمد فاضل السادات
رحمهم الله تعالى جميعاً، اجتمعنا وبعض أولياء أمورنا وعرفنا أسماء الثلاثة فيما بعد وذهبنا جميعا إلى مبنى بأحد أحياء القرية من غرفتين كبيرتين فقط وفناء صغير وحمل بعض المواطنين أثاث المدرسة الجديدة المكون من سبورتين وعشرين علبة من الطباشير ومائة دفتر وستة درازن من أقلام الرصاص وحنفية من الصفيح للماء وخمسة مغاريف وخمسة حنابل، وجرى على الفور اختيار فراش المدرسة من
أهل القرية وتحدد مكان السكن للمدرسين في غرفتين صغيرتين في مزرعة قريبة من موقع المدرسة، جلسنا جميعاً على فرش من الخصف في هاتين الغرفتين اللتين قد بنيتا قديماً من (اللبن) وعلم (المفتش) بأن بعضنا يعرف القراءة والكتابة من دراستنا لدى شيخنا في المسجد فكتب على السبورة عبارات | قرأ - كتب - زرع ) مفرقة ومن خلالها برز من يجيد القراءة ومن يجهلها، ومن هنا أوجد منا فرقتين وأوكل للشيخ السادات الفرقة التي تعرف القراءة وللأستاذ
قبل العبيري الفرقة الأخرى التي لا تعرف شيئا في فك الحرف) كما
يقولون كل ذلك جرى أمامنا في ساعة من نهار وسط استغرابنا مما
رأيناه ومن هذه الوجوه الجديدة التي رأيناها وعرفنا من المفتش سير الدراسة ومسار الحصص وأخرج من جيبه (صفارة) واسمعنا صوتها البداية اليوم الدراسي ونهايته وسير الحصص الدراسية، كما علمنا بمساعدة المدرسين كيفية الاستئذان لشرب الماء بقبضة أصابع الكف ووضعها على الفم والاستئذان لقضاء الحاجة بقبضة أصابع الكف وإطلاق الخنصر عاليا، وعلمونا كيفية احترام المدرس إذا دخل الفصل بالقيام احتراماً وعدم الجلوس حتى يأذن بذلك بقوله (جلوس) وبقي المفتش الشيخ صالح إخميمي مع المدرسين ثلاثة أيام ثم
سافر إلى المدينة، ومن هنا بدأنا الدراسة بمدرسة مديرها الأستاذ قبل العبيري إضافة إلى قيامه بالتدريس مع زميله الآخر الأستاذ الشيخ محمد فاضل السادات. هناك الكثير من التفاصيل مع بداية الدراسة ولكن (رمزنا اليوم هو محور الضوء ومركز الإشعاع حيث قام رحمه الله تعالى بدور فاعل رغم صغر سنه في إدارة المدرسة والقيام بمهامه كمدرس الفرقة.
مبتدئة في القراءة والتهجي بإخلاص وحرص وجدارة الدراسة على فرش من الخصف ولا وجود لكرسي المعلم والماء من الحنفية وعلب الطباشير محدودة ومع هذا بعد ثلاثة أشهر جرى امتحاننا وتم نجاحنا بتفوق للفرقتين إلى الصف الثاني الابتدائي لانتهاء العام الدراسي ويمرور الوقت أبدى مديرنا العبيري جدارته وتغلبه على مصاعب القرية وشظف العيش ووعورة الطرق وصار أستاذنا الأستاذ قبل العبيري مدير المدرسة واحداً من أهل القرية يقدرهم ويقدرونه ويحضر مناسباتهم ويعيش أفراحهم وأتراحهم ويحظى من الجميع بالثقة المطلقة بلا حدود حتى صار طوال الست السنوات التي بقيها مديراً للمدرسة هو الحكم العدل بينهم فيما يتصل بأبنائهم لا يسأله أحد عن أي عقاب يوقعه على ابنه بل صار من الثقة والإكبار محل شكاوى المواطنين لأي عبث أو تعد من أي طالب بحيث لا يشتكي العابث والمتعدي على ولي أمره ولكنه يجد شكاوي المواطنين لدى مدير المدرسة في اليوم التالي ويلاقي العقاب الرادع من المدير احتل الأستاذ (قبل) في القرية مكانة رغم صغر سنه كما قلت وصاروا يقدمونه في المجالس ويبحثون عنه في غيابه وكنا نحن طلاب المدرسة تحسب له ألف حساب ولا تقابله مع الطريق الذي يمر فيه وإذا حضر مناسبة في زواج لا تتحرك المشاركة في لعب وغيره حتى يغادر المكان، أذكر أنه في إحدى السنوات تأخر وصول المدرسين وكنا في السنة الرابعة الابتدائية وبقيت الأربعة صفوف من الأول الابتدائي وحتى الصف الرابع دون مدرسين فما كان من المدير قبل عيسى العبيري) إلا أنه قام بإدارة المدرسة وتحمل تدريس الصفوف جميعها ووضع لكل صف رئيساً ومساعداً من الطلاب وتسمية في ذلك الوقت أعريف الصف أو شاووش الصف) وعلم هؤلاء كيف يواصلون تدريس الحصص وقام هو يرحمه الله تعالى بكتابة مسائل حساب لهذا الصف وكتابة قطعة إملائية للآخر وبدأ في تدريس القراءة لثالث وطلب من رؤساء الصفوف مواصلة المسيرة وصار مروره بين الفينة والأخرى على كل أولئك متفقداً ومراقباً ومصححاً حتى انتهاء اليوم الدراسي وبقينا على هذا الحال حتى أرسلت إدارة التعليم مدرسين بعد انتهاء النصف الأول تقريباً. وكان عرفاء الفصول يقومون خلال تلك الفترة مقام المعلمين وكانت طريقته هذه ناجحة إلى أبعد حد حيث تلافي النقص وحافظ على سير الدراسة التي أعجبت أحد المفتشين الذين زاروا المدرسة في وقت نقص معلميها وأشاد بطريقة مديرها وحرصه وإخلاصه، وبهذه الطريقة أوجد قيادات طلابية في وقت مبكر وصار يعتمد على رؤساء الصفوف في كثير من شؤون المدرسة، لقد كان الأستاذ (قبل بن عيسى بن عواد العبيري الحازمي نموذجاً من النماذج التي يحتذى بها رجولة وإخلاصاً ونزاهة وتربية وتعليماً رغم صغر سنه في تلك الأيام وترك بصمة في قرية المضيق بوادي الفرع وبقي بصمة يتردد في تاريخ القرية بمرور الأيام والسنين، لأنه عمل بشرف وتعامل مع أهل القرية بشرف ونزاهة ورجولة وأعطى من نفسه ومن قبيلته أجمل صورة وأطيب ذكرى، وبعد أن أتم ست سنوات وعندما رأي طلابه الذين بدأ معهم قد نالوا الشهادة الابتدائية في عام 1379هـ أصر على الانتقال من هذه القرية التي حفر اسمه فيها على مستوى المدرسة وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى القرية والتحق بدورة في الطائف لمدة عامين دراسيين عاد بعدها ليعمل مدرساً بالمدرسة الفيصلية ثم رأت إدارة التعليم الاستفادة منه في العمل الإداري بإدارة التعليم ثم تمت ترقيته أمينا لمكتبة متوسطة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من عام 1405هـ إلى أن تقاعد في نهاية العام الدراسي 1419هـ، وفي الرابع من شهر صفر عام 1430هـ غادر إلى دار البقاء والخلود (شهيداً) إن شاء الله تعالى وصلى عليه جموع المصلين بالمسجد النبوي الشريف وصار قبره في بقيع الفرقد بهذه المدينة المقدسة، رحم الله تعالى (أبو محمد الأستاذ طيب الذكر قبل بن عيسى بن عواد العبيري الحازمي






