الشيخ عمر بن محمد بكر فلاته
محمد بن صالح البليهشي

قبل ستة وثلاثين عاماً كان هاجس هذا العنوان رموز .. في الذاكرة) يراودني وعزمت على البدء فيه وصممت استمارة لهذا الغرض واخترت حينها في عام 1408هـ. بعض الرموز التي كانت في مخيلتي لاستضافتها وكان من بين أولئك فضيله الشيخ عمر بن محمد بكر فلاته رحمه الله وحينها كان مديراً لمركز خدمة السنة والسيرة النبوية في الجامعة الإسلامية، وتلقيت من فضيلته كل ترحاب وتشجيع على ما عزمت عليه بأسلوب راقي وعبارات بليغة وتواضع جم، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وصرفت النظر وقتها عن مشروعي النابع من وفائي لتلك الرموز ولكنه بقي في ذاكرتي كل هذه المدة الطويلة.
وبعد تقاعدي عاد إلي ذلك الحنين إلى الوفاء وبدأت فيه وقطعت مشواراً في سلمه مع عزمي إن شاء الله على أن تكون هذه اللمحات عن الرموز التي في ذاكرتي (كتاباً)، سيجد طريقه إلى الصدور قريباً إن شاء الله. واليوم أعيش مع الرمز الذي عنونت به هذه المقالة حيث عثرت بين أوراقي على تلك الاستجابة الرائعة والأدب الرفيع والأسلوب الراقي لشيخنا الكبير وعالمنا الجليل الشيخ عمر محمد فلاته رحمه الله رحمة الأبرار وحمدت الله سبحانه وتعالى على احتفاظي برسالته المعبرة التي تشع من جوانبها كل الإشراقات والتجلي والتقدير والأدب والوفاء.
اكتبها بنصها للتذكير والترحم عليه وليرى القارئ والمستطلع مدى التشجيع والحميمية والحب الذي امتاز به ذلك الجيل، والرفعة والسمو والعظمة والتواضع في وقت واحد لتلك النفوس الكبيرة قال يرحمه الله
في رسالته:
سعادة الأستاذ الأديب محمد بن صالح البليهشي "أعزه الله"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فقد اطلعت على رسالتكم الكريمة في 20/2/1408هـ. ووقفت على المشروع النبيل الذي عقدتم العزم على القيام به . وأسأل الله تعالى أن يعينكم عليه ولا شك انه أمر هام وجليل . يجب على أبناء طيبة الطيبة أن يهتموا به جيلا بعد جيل.
وكم يحز في النفس أنه منذ القرن الحادي عشر الهجري قل الاهتمام بهذا الأمر، وكاد أعيان طيبة أن يكونوا في زاوية النسيان والإهمال لذا فإني أبارك لكم القيام بهذا العمل وأرجو الله تعالى مخلصاً أن يوفقكم الإبرازه على أحسن وجه وأكمل صورة، وبذلك تكونون قد قشعتم عمن عاش من أبناء طيبة في نصف القرن الماضي عار التواني والتقصير في الوفاء بحق هذه المدينة النبوية العظيمة والعرفان بجميل بناتها البارين بها. وفي ذلك حفز جهود اللاحقين ليقفوا على جهود من قبلهم، ويقتدوا بهم في أعمالهم وأمجادهم . أما بالنسبة للاستمارة المرافقة للخطاب فإني ويشهد الله متحرج عن ملئها وتعبئتها لأني استشعر بأني لست من فرسان المدرج ولا من حراس المحبس وينطبق في ما قال الشاعر
خلت الديار
فسدت غير مسود
وأنا أعجب كل العجب من التصور بأن مثلي يسلك وينخرط في هذا العقد فيا لله للعلم والعلماء ويالله بطيبة ورجالها الأفذاذ وأنا إلى حين كتابتي هذا إليكم أصارع النفس وأتردد في ملته. ولولا شعوري أخيراً بأن القارئ ناقد وفاحص لما قرأ فمتى مر على ذكر شيء استعمل رؤيته ونقد إلا مر بثاقب رأيه لما لبيت طلبكم وكتبت إليكم بذلك إذا فإني أسجل لكم معلومات حتى أحث الجيل القادم على العمل خيراً مني وليقوم بأداء واجب عليه لهذا الدين ولهذه المدينة أجل وأعظم فإن الذي قمت به لا يساوي سقط المتاع فحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأخيراً استسمحكم المعذرة وأشكر لكم حسن الظن وأسأل الله لكم التوفيق وأرجو عند الاطلاع على عيبي إن كان كثيراً اصرف النظر عني والله يتولاكم......
أخوكم مدير مركز خدمة السنة والسيرة النبوية عمر محمد فلاته
التوقيع وأقول هنا:
أرأيتم كيف يكون أسلوب العلماء والأدباء الكبار وذوي النفوس الخيرة .....
إنه أسلوب يفتح الأبواب الواسعة للشباب بتنمية روح الإقدام والبحث والطموح وغرس القيم في النفوس وإبراز المناقب وتخليد معالم الوفاء والفضل لذويه جيلاً بعد جيل في هذه المدينة الحبيبة، كنت حينها شاباً طموحاً أتطلع لكل بادرة نحو المستقبل وكنت من هواة الصحافة ومحبي الأدب والتاريخ وقد لمح ذلك يرحمه الله فلم تثنه مشغولياته ومسؤولياته في الجامعة عن الاستجابة بهذا اللون من الأدب الرفيع وهذا الأسلوب
الراقي والتواضع الجم.
لقد فرحت كثيرا بوجود هذه الرسالة بين أوراقي رغم كثرتها وهي في واقعها تعطي الكثير من المعاني والقيم، أعود بعد هذا إلى القول بأن الشيخ الأستاذ عمر محمد فلاته ممن تربوا على أرض هذه المدينة المقدسة طفولة وشباباً وفتوة فتخلق بأخلاقها قولاً وفعلاً، فهو قد عايش أيام الكتاتيب وكان من ضمن من فكوا الحرف في كتاب العريف محمد بن سالم رحمه الله ثم التحق بمدرسة العلوم الشرعية وتدرج في مراحلها المختلفة وحفظ القرآن الكريم ونال الابتدائية عام 1363هـ. والتحق بدار الحديث وتخرج منها 1367هـ. ومع دراسته في مراحله المختلفة لازم حلقات المسجد النبوي الشريف واستفاد من العلماء في تلك المرحلة وكان الشيخه الشيخ عبد الرحمن بن يوسف الإفريقي رحمه الله أثر كبير في علمه وخلقه وتربيته كما درس على الشيخ أحمد محمد الدهلوي مؤسس مدرسة دار الحديث ومكتبة أهل الحديث بالمدينة واستفاد من المشايخ عمر بن علي الفلاته و محمد بن علي الحركان وعمار الازعر
الجزائري وغيرهم رحمهم الله جميعا، ولذلك تشكلت ثقافته وعلومه من هؤلاء جميعاً، وهو طوال حياته شديد الحب والوفاء لأساتذته ومشايخه وبدأ حياته العملية مدرساً في مدرسة دار الحديث ثم معلماً في المدرسة المنصورية فالمعهد العلمي السعودي ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية مدرساً في كلية الحديث بالجامعة ومساعد للأمين العام ثم صار أميناً عاماً للجامعة وفي عام 1396هـ عين الشيخ عمر رئيساً لمجلس شؤون الدعوة الإسلامية وأخيراً في 1406هـ. صار مديراً لمركز خدمة السنة والسيرة النبوية وخلال هذه المسيرة العملية كان المسجد النبوي الشريف يعيش في وجدانه حيث أجيز من رئاسة القضاء 1370هـ للتدريس فيه وقام بهذا الشرف قرابة خمسين عاماً حتى وفاته رحمه الله وإلى جانب كل ذلك كان
يدير شؤون مدرسة دار الحديث ومكتبة أهل الحديث التي تولى نظارتها وإدارة شؤونها بعد وفاة الشيخ الإفريقي رحمه الله، وفي عهده أقيم مبنى دار الحديث الجديد بعد أن دخل المبنى القديم في توسعة المسجد النبوي الشريف ونال المبنى الجديد جائزة المدينة المنورة في عام 1417هـ لما امتاز به من دقة ومظهر في التصميم والتنسيق والسعة وكان الشيخ تفرغ لهذه الدار بعد تقاعده في عام 1410هـ، وفي عام 1416هـ كان الشيخ عمر فلاته من ضمن المكرمين من الرواد الأوائل من رجال التربية والتعليم في ذلك الحفل الكبير الذي رعاه الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز - رحمه الله وحضره وزير التربية والتعليم وجمع كبير من رجال الأدب والتربية
والثقافة.
كل من عرف الشيخ عمر فلاته يكن له المحبة والتقدير والاحترام لرحابة صدره وحسن تعامله وتواضعه وخلقه وبشاشته وابتسامته الهادئة التي لا تفارق محياه، وكان محباً للمدينة المنورة حفياً بها وبمآثرها وحدودها وقد نذر نفسه طوال حياته لخدمتها وخدمة دينه وأمته بأمانة وإخلاص وصدق وحقق الله أمنيته بوفاته في هذه المدينة المقدسة صباح الأربعاء التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة 1419هـ، وصلى عليه في المسجد النبوي الشريف وأخذ مكانه في بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته






