المهندس عمر بن عبدالله قاضي
محمد بن صالح البليهشي

قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
لقد صدق الشاعر في هذا البيت فمن يفعل الخير سيناله الجزاء من الله سبحانه وتعالى ثم من الناس العارفين المنصفين. تذكرت هذا البيت من الشعر وأنا في جلسة لفضلاء من المدينة المنورة وهم يستعرضون أمناء أمانة المدينة المنورة السابقين الذين عملوا بها وأثروا في (غربلة) مشاريعها ووجهوا تلك المشاريع إلى التطوير والتنسيق والحضارة كما يريدها ولاة الأمر السابقين رحمهم الله واللاحقين وفقهم الله.
وجاء ذكر ذلك العلم وذلك (الرمز) معالي المهندس عمر بن عبد الله بن عبد الرحيم قاضي الذي أتى إلى المدينة المنورة أميناً لها وكانت في أمس الحاجة إلى مثله في تلك الفترة وبقي بها من عام 1402هـ 1408هـ استطاع في ست من السنوات أن يحدث تغييراً في نمط العمل البلدي بالمدينة وسيره وفق الأنظمة والتعليمات المدروسة التي تعتمد على الأسس الهندسية الملائمة وأحدث تغييراً كذلك في طريقة إقامة المنشآت المعمارية وقنن أساليب المراجعة للمواطنين في تسيير المعاملات وفي التعامل مع الموظفين وطوّر وعي وتعامل أصحاب النفوذ من المواطنين الذين كثيراً ما وجدوا ثغرات للدخول إلى مشاريع التطوير باقتراحات وتوجيهات تبعد كثيرا عن تحقيق المصالح العامة وبرمجة مشاريع الأمانة وقدم ما توجيه الظروف للتقديم وغرس في الأذهان مفاهيم الأنظمة والتعليمات ومفاهيم التنسيق والتطوير الصحيح الذي يظهر المدينة بمظهرها اللائق المتفق مع القدسية والروحانية ومسايرة مفاهيم العصر الحديث تنظيماً وتطويراً وأعد في برامجه البلدية مفاهيم وأهمية الحدائق والمنتزهات وقضى على الكثير من العشوائيات المنتشرة في ذلك الوقت وأزال بعض الأحياء من (العشش والصنادق التي كانت مشوهة للمنظر العام أمام المواطنين والزائرين، أتى معالي المهندس عمر قاضي إلى المدينة في العام 1402هـ وهو أول أمين يأتي إليها بمفهوم الهندسة أي أنه أول مهندس يعين أمينا للمدينة النبوية في تاريخها ولذلك انطلق في ربوعها وجهات محافظاتها بمفهوم الهندسة المعمارية ولم يأت من فراغ بل أتاها وتشرف بأمانتها وهو الخبير في شؤون الأمانات والبلديات على مستوى المملكة بأجمعها حيث كان بوكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات وترأس مكتب تخطيط المدن والإدارة الهندسية في المنطقة الشرقية، ثم تولى إدارة تخطيط المدن في وكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات ثم تمت ترقيته إلى وكيل وزارة لشؤون تخطيط المدن.
أتى إلى دار الهجرة ولديه الحصيلة والمخزون الدقيق من الخبرة في العمل الهندسي وشؤون تخطيط المدن وكذلك من المؤهلات العلمية التي صقلت مواهبه وشحذت مداركه، حيث نال شهادته في الهندسة المعمارية من كلية الهندسة بجامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية عام 1965م ثم ابتعث للدراسة في أمريكا لنيل شهادة الماجستير في تخطيط المدن من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس) وبعد هذا المؤهل العالي وجد مكانه في أروقة وزارة الشؤون البلدية والقروية وكان من الكفاءات الهندسية الإدارية التي اعتمدت عليها الوزارة في تسيير العمل البلدي وما لبث أن تشرف بالعمل في المدينة المنورة أميناً لها بمرسوم ملكي.
وقد سار (رمزنا) اليوم معاني المهندس القاضي في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم سير العارف المقدر للمدينة وقدسيتها والمحترم لأهلها ولذلك أحبه أهل المدينة ووثق به كل العارفين المخلصين ونال تعاونهم واستجابتهم ووجدت أقدامه طريقها إلى مسجدها العظيم الذي حرص طوال وقته بها أن يكون ضمن مرتاديه مصلياً وداعياً ومستغفراً ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى.
أقول هذا من واقع مشاهدة المسار عمر قاضي بالمدينة منذ أيامه الأولى (أميناً لها وكنت يومها مديراً لمكتب جريدة الندوة بالمدينة المنورة ومحرراً صحفيا بها ومن الحريصين على متابعة وتوثيق كل خطوات النجاح والتطوير لهذه المدينة المقدسة.
وأشهد أنه قد واجه الكثير من المصاعب والعقبات وهو يرسم ويخطط ويتابع أعمال الأمانة ولكنه باعتماد على الله سبحانه وتعالى ثم بإخلاصه وثقته بنفسه وعلمه وعقله ورويته وحسن تصرفه وقدرته على اتخاذ القرار استطاع أن يذلل كل المصاعب وأن يعمق مفاهيم العمل والتعامل مع المواطنين ويحقق الكثير من التطلعات لما يريده ولاة الأمر لهذه المدينة العظيمة في التطوير والحضارة والبناء.
ونتيجة لذلك كله أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله أمره الكريم بتعيينه أميناً للعاصمة المقدسة في بداية العام الهجري 1409 وسار في إدارة أمانتها بنفس النهج الذي سار به في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم لمدة 10 سنوات الى عام 1418هـ تحقق للبلد الأمين خلالها الكثير من معالم التطوير والحضارة والرقي بتوجيه القيادة ومتابعتها وبالتنفيذ الكوادر الوطنية التي رأسها وأشرف عليها ودربها أبو باسم ولذلك يحق له أن يفخر كل الفخر بثقة المسؤولين فيه وإسناد أمانة المدينتين المقدستين تباعا في حقبة من الزمن إليه وتوج بعد ذلك عضوا في مجلس الشورى في عام 1422 هـ ثم تشرف بأن يكون الأمين العام لمنظمة العواصم والمدن الإسلامية وهي منظمة تأسست في عام 1400هـ واتخذت من مكة المكرمة مقراً لها وتنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي وينتشر أعضاؤها في أربع قارات من العالم ولها صلة مباشرة بالمراكز البحثية والاستشارية والجامعات ذات الصلة بأنشطة وأهداف المنظمة، ولا شك بأن اختيار المهندس عمر قاضي) الأمانة هذه المنظمة هو اختيار موفق وشهد له الكثير من أعضاء المنظمة بتميزه في اتخاذ القرارات المواكبة للتطلعات وقدرته على الربط بين التخطيط ومواقع الخدمات الخاصة بالإنسان وحياته اليومية الملحة وعمله الدؤوب على إعادة تقييم وتأصيل العمارة الإسلامية الموجودة في المدن العربية والإسلامية ومرونته في التعامل حين دراسته لكل ما يتعلق بالعمارة الإسلامية وشخصيتها المميزة إضافة إلى هدوئه واتزانه ودماثة أخلاقه الذي عرف به منذ بداياته الأولى في العمل الحكومي والخدمة المدنية نسيت أن أقول بأن رمزنا اليوم المهندس عمر قاضي حفظه الله من مواليد مدينة الطائف في عام 1359هـ وتدرّج في مدارسها بمراحل الدراسة المختلفة حتى تم ابتعاثه إلى مصر لدراسة الهندسة ومن ثم إلى أمريكا وخلال مسيرته الحياتية شارك معاليه في عضوية عدد من المنظمات الأهلية والعلمية المحلية والدولية ولم يبخل بجهد ولا بمال في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة وله مؤلفات علمية وأبحاث ودراسات متعددة عن تخطيط المدن والعمران والهندسة عموماً بكل مفاهيمها حفظه الله ووفقه وأطال عمره في طاعته وأدام عليه لباس الصحة والعافية.






