الأستاذ عمر عادل
محمد بن صالح البليهشي

في مساء يوم الأربعاء 18/3/1402هـ، كان طلاب كلية التربية بالمدينة المنورة على موعد مع الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير عام التعليم بالمدينة الأسبق رحمه الله في صالة المحاضرات بالكلية ليستمعوا إلى محاضرة قيمة شاملة ارتجلها، وتضمنت الكثير من تاريخ مسيرة التعليم في طيبة الطيبة، وتضمنت الكثير من الأفكار والحكم والوصايا. وكانت تلك المحاضرة آخر محاضرات الربيع حيث توفي بعدها بعشرة أيام ومما ورد في تلك المحاضرة عن رمزنا اليوم الأستاذ والشيخ عمر عادل التركي قوله: وكان في مدرسة العلوم الشرعية مرب فاضل، هو الأستاذ عمر عادل التركي، وقد حصل خلاف بينه وبين إدارة مدرسة العلوم الشرعية، فأخذ مجموعة من الطلاب وخرج بهم من المدرسة، وافتتح مدرسة سماها مدرسة النجاح، ولا تزال تحتفظ بهذا الاسم. وهكذا أصبح في المدينة هذا العدد من المدارس الناصرية، ومدرسة العلوم الشرعية، ومدرسة النجاح ومدرسة دار الأيتام....
هذا قوله رحمه الله، ويقصد بهذا العدد من المدارس بالمدينة. المنورة في بداية السبعينات من القرن الماضي، إضافة إلى مدرسة طيبة الثانوية ومعهد إعداد المعلمين كما ذكر في المحاضرة. وقد أدركت الأستاذ الشيخ عمر عادل قبل وفاته رحمه الله إماما في مسجد البساطية، وكنت مدير متوسطة عبد الرحمن الناصر في حي البساطية بباب الشامي بالمدينة. أدركته رجلاً مهيبا يجلله الوقار ويزينه صمته، ولسانه رطب بذكر الله يحرص على أن لا تفوته فريضة في ذلك المسجد، ويمتاز بقراءة رائعة وترتيل مجود، وأعتقد أنه من حفاظ كتاب الله تعالى، وبقي إمامًا للمسجد المذكور حتى أقعده المرض، وفاضت روحه إلى بارتها، وغادر دنيانا الفانية في يوم الثلاثاء 17 ذي القعدة عام 1420هـ، وأدت الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف جموع المصلين من الحجاج والمعتمرين، وجمع غفير من أهل المدينة، واستقبله بقيع الغرقد، وتحققت أمنيته في دفنه بالبقيع، رحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة.....
واليوم ونحن نتذكر ذلك العلم الرائد التربوي الذي حرص كل الحرص على البقاء بالمدينة، مستشعرا ومؤمنا بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع لمن يموت بها أو كما قال عليه الصلاة والسلام، نتذكره ونترحم عليه ونستعرض شيئا من سيرته. فهو رحمه الله كان اسمه عادل حافظ إبراهيم، واشتهر باسم عمر عادل، من مواليد ديار بكر في تركيا عام 1316هـ، ويوم أن توفي كان عمره يناهز مائة وأربعة أعوام. ودرس في بداية حياته في تركيا، وتخرج من دار العلوم ومن المدرسة العسكرية برتبة ملازم، واشترك في الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال عام 1346هـ، وبعدها كتب الله له الحج، وزار المدينة المنورة، وصلى في مسجدها، ودعا ربه أن يرزقه الإقامة في طيبة الطيبة، وحقق الله له تلك الأمنية، فوصل إلى المدينة المنورة في عام 1347هـ مصطحبا أمه وزوجته، وتنقل في حلقات الدروس في المسجد النبوي، ورأى فيه المدرسون بالمسجد النبوي حصيلة ثقافية مميزة في كافة العلوم والمعارف، فحرص المسؤولون في مدرسة العلوم الشرعية على وجود كرسي له بين مدرسي تلك المدرسة لثقافته الواسعة وشخصيته المميزة، فبقي في المدرسة سبع سنوات، استفاد منه الطلاب وأعجبوا بطريقة درسه وعمق ثقافته....
وفي العام 1353هـ، اختلف مع إدارة العلوم الشرعية كما ذكر الأستاذ الربيع، فأخذ مجموعة من الطلاب وخرج بهم إلى بيته بباب المجيدي يدرسهم، ورفع لجلالة الملك عبد العزيز طلبه بافتتاح مدرسة تحت مسمى (مدرسة النجاح) وتلقى الموافقة، وبارك بإدارته هذه أمير المدينة بالوكالة المرحوم الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم.
وكذلك خلفه الشيخ عبد الله السديري رحمهما الله، وتلقى الدعم والمساندة منهما، وحضور الحفلات التي كان يقيمها تشجيعا للطلاب وتنشيطا لهم في مواصلة العلم والدراسة، وحظيت المدرسة بزيارة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة، ومدير المعارف السيد محمد طاهر الدباغ، وأعجبوا بمسار المدرسة وحسن إدارة صاحبها، ولكن مصاريف المدرسة قد أثقلت كاهله، وعجز عن الوفاء للمدرسين باستحقاقاتهم، مما جعل بعضهم يعمل معه لوجه الله تعالى، كالشيخ عبد الرؤوف عبد الباقي، والشيخ حسن الشاعر والشيخ أحمد ياسين الخياري، والشيخ حمزة زاهد رحمهم الله جميعا..... وفي العام 1359هـ رأى الشيخ عمر عادل أن يسلم المدرسة لمديرية المعارف لأنه لم يجد سبيلا للوفاء بالرواتب، على الرغم من أنهم قد كونوا للمدرسة مجلس إدارة برئاسة الشيخ عبد الله عبد العزيز الخريجي لجمع التبرعات، وكان في خطط الشيخ عمر عادل افتتاح قسم عالي لإعداد مدرسين للمدرسة، وافتتاح شعبة لتحفيظ القرآن الكريم بمنهج أعلى من المنهج القائم بالمدرسة واحتفظت سجلات المدرسة بأسماء مدرسين أكفاء خلال إدارة الشيخ عمر عادل، منهم الأساتذة صالح الحيدري، ومحمد سيف وعلي رضا، ومحمد رضوان وأحمد التونسي، وعلي عبد الرحيم، والعمال محمد برنو وعبد الله قاسم، رحم الله الجميع. ويوم أن سلمت المدرسة لمديرية المعارف كان عدد طلابها يزيد على 300 طالب في التحضيري والابتدائي، ومنهم من أكمل حفظ القرآن، كعلي عمر هوسه، وعبد السلام بن إبراهيم الجزائري، وبكر بن شريف برناوي، وتركي بن راشد الخزرجي، ومحمد بن إبراهيم الجنيدي، وعبد الله بن قاسم اليماني، وصديق بن حافظ محمد السندي، ومحمد موسى بن أحمد الطيب الجزائري، وعمر بن السيد أحمد، وأحمد محمد جوجو، ومحمد بن أسعد عويضة، رحمهم الله جميعا وغفر لهم.....
ولما عرف عن الشيخ عمر عادل من إخلاص وتفان وحب للتعليم ولما عرف عنه أيضا من ثقافة عالية، تم تعيينه مديرا لمدرسة جازان عام 1360هـ، ومعتمدا للمعارف في صبيا وأبي عريش، ولكنه لم يستمر، وغلبه الحنين إلى المدينة المنورة، فاستقال من عمله في جيزان وعاد وتم تعيينه في عام 1361هـ مأمورًا للبرقيات في المدينة المنورة، ومع بداية عام 1363هـ تألق اسمه مدرسا في شركة أرامكو بالظهران، وغلبه حنينه إلى المدينة فعاد إليها، واشتغل في عام 1370 هـ مدرسا في مدرسة الأيتام بها، وانتقل منها في عام 1375 هـ إلى المدرسة العسكرية مدرسا وكبيرا للمعلمين بالمدينة. وأخيرا في العام 1382هـ أحيل إلى التقاعد، وصار إماما في مسجد البساطية وبقي في الإمامة حتى قبيل وفاته بأيام، حيث غادر في عام 1420 هـ إلى دار البقاء والخلود عليه رحمة الله، وقد بكاه جميع أصدقائه ومعارفه وجيرانه لتواضعه وأخلاقه، وهو رحمه الله من الرعيل الأول في سلم التعليم بمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد جرى تكريمه في مهرجان التعليم في عام 1416 هـ، ولا يكاد يذكر رواد التعليم في المدينة إلا ويُذكر الرمز عمر عادل في مقدمتهم وتحتفظ سجلات التعليم باسمه وجهوده وتضحياته في تأسيس مدرسة النجاح التي أسسها غرفة في منزله، ثم تنقل بها في العديد من المواقع حتى برزت مدرسة لها كيانها ورسالتها ومسؤوليتها، تنافس مدرسة العلوم الشرعية ودار الأيتام وغيرها. ولولا الله ثم حماسه وغيرته وحرصه على شؤون التعليم لما وجدت هذه المدرسة التي وضع لبنتها وأسس كيانها حتى صارت مدرسة مكتملة في كل شؤونها، ثم سلمها لمديرية المعارف. عاش رحمه الله، ووضع المدينة النبوية نصب عينه رغبة في الحياة بها والموت في أرضها. رحمه الله وغفر له....






