الأستاذ عبيد الله محمد أمين كردي
محمد بن صالح البليهشي

واحد ممن عرفتهم المدينة المنورة وتربوا في ساحاتها وتشبعوا بحبها في النصف الأول من القرن الماضي توفي والده في العام الهجري 1373 وهو طفل تجرع مرارة يتم الأم ثم الأب حيث ماتت والدته وهو لا يزال في حبوه ولا يزال أخوه الذي يصغره بعام في سن الرضاع مما اضطر الوالد أن يوكل رعايتهما وحضانتهما إلى رجل شهم اسمه علي المحمادي الذي أوكل رعاية هذين الطفلين إلى امرأته التي صارت لهما أما رؤوفا رعت شؤونهما وتولت حضانتهما حتى سن الطفولة المبكرة حيث التحق (رمزنا) عبيد الله محمد أمين كردي بمدرسة دار الأيتام والصنائع الوطنية بالمدينة المنورة بعد أن تشربت نفسه من خلال ما تربى عليه وسمعه في مجلس حاضنه وتعامل مرضعته كل معاني الاهتمام والتربية الحسنة والثقافة (البدوية) الأصيلة في منزل الشيخ علي المحمادي في ساحات حي المغيسلة في المدينة المنورة خارج الأسوار وعندما عاد بعد الحضانة إلى منزل والده أولاه وإخوانه اهتمامه ورعايته وأدخله مدرسة العلوم الشرعية ثم مدرسة القراءات ورغم صغر سنه وجد طريقه إلى مصنع مقام في ذلك الوقت الصنع السجاد ولم يطل مقامه فيه حيث توفي والده فاستقبلته دار الأيتام بالمدينة المنورة التي وجد فيها استقرارًا وهدوءا ونظاما دراسيا صارفا ورعاية أبوية مميزة وبناء على خبرته البسيطة في السجاد التحق بقسم السجاد بالدار وبرز فيه وتميز على أقرانه حتى صار رئيسا لذلك القسم كما برزت مواهبه ذكاء وفطنة وحفظا وتميزا في الدراسة مما أوجد له مكانا في نفوس مدرسيه والمشرفين بالمدرسة وكان المسجد النبوي في ذلك الزمن يعيش في وجدان كل شاب طموح للالتحاق بحلقات الدرس والتحصيل فإلى جانب الدراسة النظامية بدار الأيتام كان لا رمزنا اليوم) جادة نحو حلقات الدراسة بهذا المسجد العظيم فقد أمضى أربع سنوات ملازما لحلقة الشيخ محمد علي بن تركي وقال عنها رحمه الله بأنها من أخصب أيام التلقي والتحصيل في التربية والمسلك الإسلامي كما سجلت حلقات درس الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي حضورًا له خاصة في دروسه التي يعقدها صيفا في صالة بمزرعة الشيخ حسين أبو العلا ونال من دروس الشيخ أبو بكر التمبكتي ودرس أصول التوحيد والعقيدة عند الشيخ حامد عبد الحفيظ، كل تلك الحلقات وغيرها كانت لها أساسيات في مسار الأستاذ عبيد الله كردي وقد حرص عليها خلال دراساته النظامية في الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وقال رحمه الله بأن والده رغم قصر فترة حياته معه كان له الفضل في بذر النواة الأولى حيث وجهه للوجهة السليمة ليكون حنبلي المذهب سلفي العقيدة.
بعد وفاة والده في ذلك السن المبكرة وبعد نجاحه من دار الأيتام اعتمد على نفسه في السكن والملبس والمأكل فذاق مرارة الفقر والحرمان) ووجد صعوبة ومعاناة في كل ذلك ولكنه اعتمد على الله سبحانه وتعالى والتحق بالمتوسطة ونالها في عام 1379هـ والثانوية في مدرسة طيبة الثانوية ثم المعهد العلمي في المدينة ونجح في عام 1382هـ ثم واصل دراسته الجامعية حتى نال الماجستير في التربية في إدارة التعليم العالي كليات متوسطة من الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1400هـ كما قادة طموحة إلى الحصول على دبلوم التربية من جامعة الملك سعود في الرياض ودبلوم الإدارة التربوية من أمريكا وتدرج سلمه الوظيفي من مدرس بمتوسطة الإمام علي ثم ثانوية طيبة فثانوية أحد وبعد الابتعاث صار مدرسا في الكلية المتوسطة بالمدينة المنورة وتسلم رئاسة القسم للمواد الاجتماعية بالكلية ثم صار وكيلا لها ويذكره طلابه في كافة المراحل التي عمل بها بالكثير من الاحترام والتقدير والإجلال بأسلوبه في التعامل وحرصه على مصالحهم واستقامة أمورهم مما كان له أثره في غرس القيم والمثل والأخلاق الإسلامية واستشعار قدسية هذه البلاد وروحانيتها ووجوب الاستقامة بها هذا كله قد ظلل أسلوبه في برامجه التلفزيونية التي كان يتعاون خلالها مع التلفزيون السعودي في حلقات عديدة.
كما يكن له زملاؤه وطلابه أثناء عمله متعاونا ومحاضرا في كلية التربية التابعة لجامعة الملك عبد العزيز وقتها التي هي النواة الأولى لجامعة طيبة حاليا، يكنون له الكثير من التقدير لأسلوبه الراقي معهم وتخلقه بالخلق الإسلامي الذي تمثله في نفسه وحثهم على التمسك به والعمل بمقتضى أحكامه وقد أثر في طلابه كما أثر في أبنائه للعمل على حفظ القرآن الكريم الذي وجد فيه خاصة بعد تقاعده المبكر الراحة النفسية والإيمان العميق وشرف النسبة إلى أهل القرآن والتوفيق والصلاح.
اتجه الشيخ عبيد الله كردي بعد تقاعده إلى الأعمال الخيرية والدعوة وإصلاح ذات البين وكسبته جمعية البر بالمدينة عضوا فعالا في مجلسها. وأذكر أنه في صالة المحاضرات بالكلية المتوسطة كان لي شرف الحضور في محاضرة له عن قدسية المدينة وعظمتها ووجوب الاستقامة بها في عام 1408هـ وإجابة على سؤال عن نشاطه أثناء ابتعاثه قال: حين ابتعثت إلى أمريكا أدركت أن من واجبي أن أحمل الرسالة الشرعية الإسلامية وكان لي نشاط أرجو أن يكون مخلصا لله تعالى وكان من ثماره أن أسلم عدد يتجاوز العشرين في مناطق مختلفة من أوروبا وأمريكا وجلهم من مستويات مثقفة واعية تحمل مؤهلات عليا، وحاليا لدي نسخة من مؤلف تاريخ المدينة المنورة للسيد أحمد ياسين الخياري احرص على تحقيقه بقدر الجهد وإبرازه للوجود بعد أن كان مطمورا لمدة سبعة وعشرين عاما. وفي جلسة خاصة بعد المحاضرة تلك في جناح رئاسة قسم الاجتماعيات سألت الأستاذ عبيد كردي كما كنا نسميه عن بعض المواقف التي مرت معه أثناء عمله فقال:
هي كثيرة وأذكر حاليا قصة طالب في الثانوية حينما أتاني زملاؤه وهو في الصف الثاني ثانوي وأخبروني بأنه قد أصيب بإحباط نفسي وعزم على أن لا يدخل الامتحان رغم قرب موعده وأفادوا بأن له تصرفات تذمر وضجر عنيفة وطلبوا مني أن أسهم في حل مشكلته وذهبت معهم إلى دار الطالب المذكور دون علمه ولم نجده بالدار ووجدنا المقررات الدراسية ممزقة ومتناثرة فيحلوا عنه وأتوا به بعد محاولات عديدة من خارج الدار وأخذته لوحده في غرفة من غرف دارهم واستعصت معه كل أساليب الإقناع ولما رأى إصراري الفجر باكيا وقال : لا أمل في نجاحي في الفرنسي وأنا ناجح بالتعويض فهل تعتقد أن الله ينزل علي وحي من السماء ؟) فقلت له: إذا كنت مؤمنا بالله فليس ببعيد أن ينزل عليك الوحي في أي صورة من الصور فهل تعدني أنك تثق بالله تمام الثقة وأنا أتعهد لك بأن الله سوف يجعل لك مخرجا في الفرنسي بوحي أو بغيره فقال: أعدك بذلك ولكني سأدخل الامتحان من أجلك إرضاء لمقدمك وحرصك علي. ودخل الامتحان ورسب في اللغة الفرنسية ولا أمل في نجاحه ولكن قبل إعلان النتيجة أتت برقية من الوزارة بإلغاء مادة الفرنسي ونجح الطالب بتفوق وأرسلت إليه أن يستمر على الإيمان والثقة بالله والتقوى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا.
وسألته عن موقف آخر مر به أثناء الدراسة فقال: في أمريكا كنت استغل معظم أوقاتي في الدعوة إلى الله وفي أثناء الاختبارات مرضت مرضا الزمني الفراش ونمت في المستشفى وكل الذين حولي يحملون هم تخلفي عن الامتحان فقلت لهم: الله معنا ولن يضيعنا وله في كل شيء حكمة ..... وبعد خروجي من المستشفى وجدت اسمي من ضمن الناجحين بتقدير جيد جدا مع أن معظم زملائي الذين دخلوا الامتحان قد رسبوا فاحتجوا لدى الأستاذ فاخبرهم انه قد اختبرني في المستشفى رغم انني لم أر الأستاذ إطلاقا، وهذه عناية الله وأنا لا أحب أن أذكر ما مر بي لأنه في معظمه من باب العناية الإلهية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب .....
وفي ذلك اللقاء معه ذكر مواقف كثيرة لا يتسع المجال لإيرادها ولكنها. في مجموعها تدل على قوة الإيمان لهذا الرمز الأستاذ عبيد كردي كما تدل على أنه من عباد الله المتقين ولا نزكيه على الله.
والأستاذ عبيد الله محمد أمين كردي من أولئك الرجال الذين لا تكاد تخلو سيرة كل منهم من قصة بارعة من قصص الخير ودرس قيم من دروس الأخلاق ولوحة رائعة من صور التضحية الاجتماعية رحمه الله رحمة الأبرار حيث غادرنا إلى حياة البقاء والخلود بعد الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف في 16 شعبان 1420هـ ونال شرف الدخول إلى بقيع الغرقد في طيبة الطيبة.






