السيد عبيد مدني

محمد بن صالح البليهشي

السيد عبيد مدني
السيد عبيد مدني

في عام 1360هـ كان جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية يرحمه الله تعالى في روضة الخمس، ووسط جموع الشعراء وذلك المحفل الكبير وقف شاعر مدني وألقى قصيدة بليغة، وفجأة وقفت الجموع عندما قال ذلك الشاعر:
عبد العزيز ومن إذا ذكر اسمه
قام الجميع له ودوى النادي
وطالبوا بإعادة البيت وهم وقوف يصفقون ويهتفون و تتعالى أصواتهم
اعد .. أعد
بدت المعالم من شفير الوادي
فاستوفر الركب الشعاع البادي
ملك يرى فيه الملوك صحيفة
يستلهمون بها الصواب الهادي
يترسمون خطاه في أحكامهم
فتكون مصدر حكمة ورشاد
قبس يشع الهدى في جنباته
فيشيع نور الحق للآباد
وهنا وقف الشاعر هنيهة، ونقل لجلالة الملك شوق أبناء المدينة المنورة
لزيارته وولاءهم ومحبتهم قائلا:
مولاي إنا وفقد من خلفتهم
يشكون شجو تشوق وبعاد
انهلتهم بالقرب منك هنيهة
والآن كلهم يبعدك صاد
ودوا لو استطاعوا المثول جميعهم
ليسكنوا بك لوعة الأكباد
إنه الشاعر المبدع السيد عبيد عبد الله مدني رحمه الله وكان على رأس وفد من المدينة المنورة في تلك المناسبة وكانت لفتة ذكية من شاعر المدينة المنورة وسط جموع الشعراء الكبار حيث استطاع أن يخلد قصيدته وأن يلبسها شهرة وتفرداً ومكانة ببيت القصيدة الذي وقف
الجميع له وصفقوا وهتفوا.
والسيد عبيد مدني أو شاعر المدينة المنورة كما لقبه الأستاذ عبد القدوس الأنصاري يرحمه الله تعالى أو جبرتي المدينة كما ذكره الفوزان في الأدب الحجازي أو بقية الناس كما قال عنه الأديب محمد حسین زیدان هو عبيد الله بن عبد الله بن حمزة بن محمد المدني كانت ولادته في شهر ربيع الأول من عام 1324هـ توفي والده عبد الله مدني ولم يبلغ الخامسة من عمره وكان والده من رجالات المدينة المنورة البارزين مدحه الشعراء وراسله أمراء وملوك عصره، وقد توفي والده يرحمه الله تعالى في عام 1329هـ وتربى شاعرنا على يد أمه السيدة صفية برزنجي وبرعاية خاله زكي برزنجي وعمه زين العابدين وحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بالمدرسة الفيصلية في العهد الهاشمي ثم المدرسة الراقية، وأخذ دروساً في الخط على يد الخطاط شكري أفندي التركي، وقرأ على الشيخ عمر حمدان ثم عكف على حلقات المسجد النبوي الشريف حيث درس على الشيخ عبد الحق رفقة علي وإبراهيم البري، الذي منحه شهادة تقدير وإجازة قال فيها : وقد قرأ على قسطاً وافراً من العلوم العربية والشرعية والعقلية وطلب مني أن أجيزه ولو بعبارة موجزة فأجبته المطلوبه وأنلته غاية مرغوبه. لما أعهده فيه من حسن الخلق والفهم والمقدرة والحزم، وأجزته.. بجميع ما تجوز روايته ودرايته من العلوم المنطوق منها والمفهوم بالشرط المعتبر عند أهل الأثر)
كما درس على الشيخ محمد الطيب الأنصاري في علوم اللغة والشريعة وأجازه في جميع فنون العلم نحوه و لغته وتوحيده وبيانه وصرفه قال: (وأجزته الصحاح السبعة, الموطأ والبخاري ومسلم وأبا داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه، إجازة مطلقة عامة محررة بشروطها المعتبرة عند أهلها البررة)
أما شيخه وأستاذه محمد الواسطي العمري فهو الذي أرسى دعائم الأدب وقواعد الشعر في نفس السيد عبيد مدني حيث فتح أمامه آفاق القراءة الأدبية وهيأ شاعريته وصقل موهبته الشعرية ووجهها إلى ما يمكن أن يقرأه ويستفيد منه، وعلمه قواعد التشطير والتذييل، وكان السيد عبيد مدني يجل جميع من علموه، ويحظى العمري بالكثير من الود والاحترام والتقدير والتبجيل.
هذا وقد ساهم شاعرنا في الكثير من الأعمال التي تخدم المدينة المنورة وتمثلها في المحافل وتظهر صورتها، حيث أنتخب عضواً في مجلس إدارة المدينة المنورة وعين مديراً لأوقافها واختير عضوا في مجلس الشورى بمكة المكرمة من أواخر عام 1355هـ إلى عام 1373 هـ، وهو منصب يختار له من ذوي المكانة والخبرة والدراية والمعرفة، كما اختير ليكون رئيساً لجمعية الدفاع عن فلسطين، وعضوا في مجلس الأوقاف الأعلى.
وعضوا في وفود المدينة المنورة لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود. وعضوا في لجنة تحديد حرم المدينة المنورة، ومنع ميدالية الريادة عام 1394هـ بعد اشتراكه في المؤتمر الأول للأدباء في مكة المكرمة.
هذا وكان شعر عبيد مدني يحتل مكانة مرموقة رصانة وقوة وسبكاً وشاعرية، وهو في شعره يميل إلى الحكم وضرب الأمثلة، وتحتل الواقعية من شعره الشيء الكثير، كما أنه كان يركز في سبك القصيدة. لتعطي أعمق مدلولها، ويختار العبارات المؤثرة في كل أغراض شعره. فهو إن مدح لإعجابه الحقيقي بشخصية الممدوح، حيث لم يمدح إلا المتميزين ذوي المكانة والسمعة والحب والإيثار، وهو أن انتقد بعض السلبيات في المجتمع فهو كثيراً ما يمقت تنكر الأصدقاء ويزدري التطاول والغرور ويحتقر انقلاب المفاهيم.
وهو إن تكلم في الإصلاح فهو يركز على العلم والاهتمام به ونشره والحث عليه والتسابق فيه، ويحذر من الجهل وعواقبه الوخيمة ويستنهض همم الشباب ويحث على حسن تربيته، وهو إن تكلم في الإسلام أشاد بأمجاده واستعرض قضاياه ومجد شخصيته.
أما المدينة التي ولد فيها الشاعر وتربى بين كتابها ومسجدها العظيم. فقد تحدث عن مآثرها ومعالمها في قباء وأحد والمسجد وروضته
الشريفة والعقيق وما يحمله من عبق تاريخي أصيل.
لقد ضم ديوان الشاعر عبيد مدني المدنيات)، كل ذلك بعمق في المعنى وشفافية في العرض، إضافة إلى قصائد الإخوانيات والابتهالات والحكم والنصائح والرحلات والوصف والغزل، ضمها هذا الديوان المكون من ثلاثة أجزاء الذي طبع بعد وفاة الشاعر في طبعة أنيقة قام بها أبناؤه جزاهم الله خيراً، يذكر أصدقاؤه عبد القدوس الأنصاري وعبد الحق النقشبندي ومحمد هاشم رشيد وعبد العزيز الربيع وغيرهم، أن لديه مؤلفات عكف وقتاً طويلاً عليها، ومنها:
تاريخ المدينة المنورة في خمسة أجزاء، وتاريخ المسجد النبوي الشريف. وتاريخ مساجد المدينة، وتاريخ أطام المدينة وغيرها.
لقد تميز الشاعر عبيد مدني بحبه لهذه المدينة العظيمة التي نشأ وترعرع في جنباتها وأبدع في قصائد فيها تعبر عن إعجاب ليس له حدود وإشادة بمآثرها، عند حد إنه يقول في قصيدة عن المدينة :
اين مني العقيق والرقمتان
ومنظر الحجيج واللابتان
وربوع تجمع الحسن فيها
وسفوح معشوشبات الجنان
وحياها الرسول يوم حياها
بأثير الرضا وصفو الجنان
فتخطت منابت المجد حتى
أسفر الحق واضحا للعيان
دق آفلاذها العروش ليبنوا
فوق أطلالها هدى الإنسان
وهكذا عاش شاعر المدينة وممثل الصفوة فيها في أواسط وأواخر القرن الماضي، عاشقاً للكلمة الصادقة، معبراً عن الحب لله تعالى ثم للوطن وقيادته ثم لمدينة المصطفى لا يبخل بعطاء ولا يبخل بجهد ولا بجاه في كل ما يحقق إضاءة وفاء أو تطور أو حضارة للمدينة المنورة التي أحبها واحتواه بقيعها في يوم الجمعة 1396/11/12هـ بعد أن وافاه الأجل المحتوم بالقاهرة عصر يوم الأربعاء العاشر من شهر ذي القعدة من عام
1396هــ
رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.