الدكتور نزار بن عبيد مدني
محمد بن صالح البليهشي

في جلسة عقدها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز في أواخر أيام إمارته على المدينة المنورة قال سموه: نحتفي هذه الليلة جميعاً في المدينة المنورة بإطلاق جائزة الدكتور نزار عبيد مدني التي يشرف عليها مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، وتأتي هذه امتداداً لما أبداه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله عندما التقى به الدكتور نزار بمناسبة نهاية عمله وقلده وسام الملك عبد العزيز وقال حينها رعاه الله: إن الإنسان يجب أن يشكر ويكرم أثناء وجوده. وأضاف الأمير قائلا: (الدكتور نزار مدني ابن بار للمدينة المنورة وخدم دولته وملوك هذه البلاد منذ عهد الملك فيصل وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ويستحق التكريم وكذلك يستحق أن يذكر اسمه في جائزة من هذا النوع وفي تخصص نادر يتسابق عليها عدد مميز من الباحثين). وكان الدكتور نزار قد حظى قبل ذلك كما قال سمو الأمير بتكريم الملك. سلمان له بمنحه وشاح الملك عبد العزيز من الطبقة الثانية تقديراً لجهوده في خدمة الوطن، وجائزة الدكتور نزار مدني جائزة دورية وجه بإنشائها سمو الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز ويرعاها من بعده سمو الأمير سلمان بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة رئيس مجلس نظارة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة تقديراً لمعالي الدكتور نزار ويديرها مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة تمنح كل ثلاث سنوات لتعزيز البحث العلمي لتاريخ المدينة المنورة الحضاري.
ولا شك أن في كل ذلك تقدير وأي تقدير يفخر به الدكتور نزار مدني وتفخر به مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنها أحد أبنائها الذين ارتووا من عبقها التاريخي وعلى أرضها درجت خطاه وبين روابيها ومسجدها العظيم وعلى يد أب عظيم هو الأديب والشاعر والمؤرخ ورجل الدولة السيد عبيد مدني، كل تلك العوامل كانت أساسية في تكوينه وصقله وشحذ مواهبه وغرس جذور الوطنية فيه قصار بتوفيق الله سبحانه وتعالى نسيجاً إنسانياً مسلماً وطنياً محباً لأرضه وقادة بلاده وأمته. وعندما أعلن سمو الأمير فيصل عن الجائزة في محفل كبير بقصر سموه فرح كل المخلصين من أبناء المدينة الطيبة وتشربت نفسياتهم بذلك. الحب الأبوي والتقدير المميز من قادة البلاد لابن من أبناء طيبة الطيبة الذين مثلوها أحسن تمثيل حباً وإخلاصا ووطنية وانتماءاً.
ومع افتخار الدكتور (نزار) بهذا التقدير والجائزة التي أطلقت باسمه عرفاناً لما قدم وإكباراً بإخلاصه قال حينها ليس هناك ما هو أجل وأعظم من الانتماء إلى بلد هو مهبط الوحي وقبلة المسلمين وموطن الحضارات وهذه الجائزة لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها تكريم لشخص بذاته، بقدر ما هي تعبير عن اهتمام أمير منطقة المدينة المنورة بتاريخ وحضارة هذه المدينة المباركة وحرصه الشديد على إحياء التراث الإسلامي والحفاظ على الهوية التاريخية والإرث الكبير الذي تمثله مواقع التاريخ والتراث فيها.
كما أن مبادرة سمو الأمير بإنشاء هذه الجائزة تمثل من جانب آخر حلقة جديدة في سلسلة المنظومة المترابطة والمتوازنة التي يحرص على نسجها والسير على هداها في السنوات الماضية خدمة الطيبة الطيبة وتنفيذاً للتوجيهات السامية الكريمة ومما تهدف إليه الجائزة في مجموعها انتقاء أبرز الدراسات والبحوث التي تختص بالتاريخ والحضارة للمدينة المنورة القديم منه والحديث بما يتضمنه من مظاهر وموضوعات وبكافة أشكال الأوعية كالدراسات التي تصدر عن الجامعات ومراكز البحوث العلمية أو الدراسات التي يصدرها الأفراد أو نشر الوثائق التي تخرج من أوعية التاريخ على من العصور والأزمان).
وبالعودة إلى مدارج الصبا في حياة الرمز الدكتور نزار بن عبيد مدني نجد اسمه في الصف الأول والثاني الابتدائي بمدرسة الرحمانية بمكة المكرمة عندما كان والده عضواً بمجلس الشورى في ذلك الزمن واحتضنته المدرسة الناصرية بالمدينة حيث نال الشهادة الابتدائية منها وحصل على الثانوية من مدرسة طيبة في عام 1379هـ وكان ترتيبه الأول في الثانوية العامة وبعدها حرص والده على دراسته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ونال (البكالوريوس) منها عام 1384هـ. وبعدها التحق بالعمل في وزارة الخارجية، ونقلت خدماته للعمل في سفارة المملكة العربية السعودية في (واشنطن) بأمريكا في عام 1387 هـ وتدرج في أعمال السفارة حتى أصبح في بعض الفترات قائماً بالعمل فيها، وسار به طموحه لنيل الماجستير وكذلك الدكتوراه في العلاقات الدولية من الجامعة الأمريكية في (واشنطن) عام 1977م، وفي عام 1998 م نقلت خدماته إلى الديوان العام في وزارة الخارجية حيث تم تعيينه مسؤولا عن الشؤون الإعلامية بالوزارة ومع حلول العام الهجري 1405 هـ صدر قرار سمو وزير الخارجية بتعيينه نائباً لمدير عام مكتب سموه ثم بعد سنتين صدر قرار سمو وزير الخارجية لتعيينه رئيسا للإدارة العامة للشؤون الغربية بالوزارة وما لبث حتى تلقى قرار مجلس الوزراء القاضي بتعيينه سفيراً بالمرتبة الخامسة عشرة، وبعد ذلك اختير عضواً في مجلس الشورى في دورته الأولى، ثم صدر الأمر الملكي في عام 1418 هـ بتعيينه مساعداً لوزير الخارجية ولما عرف عنه من انتماء ووطنية وإخلاص تم تمديد خدماته وصدر الأمر الملكي بتعيينه وزيراً للدولة للشؤون الخارجية، ومددت خدماته وبعدها أحيل للتقاعد، وأثناء وجوده في وزارة الخارجية شارك في مختلف وفود ومؤتمرات وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ومؤتمرات وزراء خارجية الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية ودورات الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفي الاجتماعات المشتركة لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ودول المجموعة الأوروبية، كما كان للدكتور نزار مدنى حضور في مؤتمرات قمة دول عدم الانحياز وحضر استعمال الأسلحة الكيماوية وحقوق الإنسان كما رأس وقد المملكة في اجتماعات لجنة نزع السلاح والأمن الإقليمي ووفد المملكة لاجتماعات لجنة التوجيه والتسيير المنبثقة عن المفاوضات متعددة الأطراف الخاصة بعملية السلام في الشرق الأوسط، وتشرف الدكتور نزار بمرافقة سمو وزير الخارجية في كثير من زيارات سموه الرسمية لمختلف عواصم العالم وله مشاركات ومساهمات في الأنشطة الأكاديمية والفكرية بمعهد الدراسات الدبلوماسية في وزارة الخارجية وفى المطبوعات التي يصدرها معهد الدراسات الدبلوماسية وفي بعض الصحف المحلية والعالمية. ولرمزنا الدكتور نزار العديد من الإصدارات التي كانت نتاج فكره وثقافته منها: دبلوماسي من طيبة.. محطات في رحلة العمر، قضايا ومواقف في الفكر والسياسة المستقبل، سعود الفيصل حياته وشخصيته، صدى الكلمة، أوراق من الجعبة، تأملات سياسي متقاعد سيرة فكرية ... وغيرها كثير من الإصدارات والكتب والمقالات التي رشحت من نفسية وأفكار وثقافة هذا الرجل الذي عاش السياسة من منابعها ومثل دولته وبلاده خير تمثيل وكان أحد الساسة والدبلوماسيين الذين خرجتهم مدرسة ذلك العبقري الفذ صاحب السمو الملكي المرحوم سعود الفيصل لقد أثبت الدكتور نزار مدني نجابته وأصالته وإخلاصه وتفوقه في مدرسة سعود الفيصل وعاش عمراً مديداً قارب الخمسين عاماً في ظلال تلك الدوحة السياسية الوارفة التي أرساها ورعاها عبقري السياسة السعودية. وكان نزار مدني أحد نجباء مدرسة السياسة السعودية إخلاصاً وانتماء واعتزازاً وعبقرية وحباً ووطنية لبلاده وقادتها، وبذلك حظي وتشرف بتقدير ولاة الأمر واستحق وشاح الملك عبد العزيز من يده قائد الأمة ومليكها. خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، كما استحق ثناء أمير المدينة المنورة وتخصيص جائزة ثقافية ترتبط بهذه المدينة المباركة وبتاريخها الحضاري تمنح باسمه ويرعاها مركز ثقافي شفت أنواره في ربوع سيدة البلدان يحمل اسم مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة. هذا تقدير من ولاة الأمر في بلادنا وبرهان على أن النبوغ والإخلاص مقدر لديهم والوفاء سمة أصيلة فيهم وكل ذلك تاج فخار لكل المخلصين من أبناء هذا الوطن المعطاء وعلى رأسهم الرمز) نزار بن عبيد مدني حفظه الله وأمد في عمره.






