الدكتور ناصر بن حمد السلوم
محمد بن صالح البليهشي

في صباح يوم الجمعة 5 / 12 / 1444هـ غادرنا إلى دار البقاء والخلود معالي الدكتور ناصر بن حمد السلوم وزير المواصلات الأسبق رحمه الله وغفر له. والدكتور ناصر من مواليد مدينة المصطفى في عام 1358هـ تعطرت أقدامه بترابها بين طرقاتها في قياء والساحة وباب المجيدي وعرف منذ يفاعه أبواب مسجد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام دارساً على مشائخ ذلك النبع الصافي وحافظاً لسور آيات الله العظيم من كتابه الكريم ومصليا بين أروقته وتحت قبابه وفي ثنايا حصواته الطاهرة ومن بوابة. مدرسة العلوم الشرعية قاد طموحه وحرص والده عليه إلى مدرسة طيبة الثانوية التي وجد بها مكانه مع بداية العام الهجري 1371هـ وبين سلم. مدرسة طيبة الثانوية ودكان والده في سوق الشروق) حيث كان والده يمارس تجارة الأقمشة التقليدية في نهاية شارع العينية بالشراكة مع صديق أبيه الشيخ صالح القاضي كان برنامج ذلك الفتى ناصر السلوم) يدرس نهاراً ويسير مع والده إلى مسجد المصطفى لمصلياً ومستزيداً من المعرفة والثقافة في حلقات مدرسي ومشائخ ذلك العصر في أواخر.
المسجد العظيم ضمن حلقات الدرس والتحصيل.. ويوم أن نجح في اختيار شهادة الكفاءة في الدور الأول إلى السنة الرابعة الثانوية التحق بمدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة التي أتم دراسته. بها في المرحلة الثانوية ومنها كان رحيله إلى مصر مبتعثا للحصول على بكالوريوس الهندسة المدنية من جمهورية مصر العربية. لا أعرف الدكتور ناصر الحمد السلوم قبل أن التقيه في عام 1430هـ ضمن
كوكبة من الوزراء من خريجي مدرسة طيبة الثانوية تم تكريمهم في قصر سمو أمير منطقة المدينة المنورة مساء يوم الثلاثاء 4 / 4 / 1430هـ. وكانت جمعية خريجي مدرسة طيبة الثانوية قد كلفتني بإعداد كتاب توثيقي المسيرة وتاريخ هذه المدرسة العتيقة الرائدة التي تأسست في عام 1362هـ. وكانت ثاني ثانوية بالمملكة العربية السعودية في ذلك الوقت وبلغت في العام الهجري 1413هـ خمسين عاماً وتم الاحتفال باليوبيل الذهبي في مهرجان كبير على شرف صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى حضرة خريجو المدرسة وجمع من أهل المدينة وتمت طباعة الكتاب الذي أعددته عن مسار المدرسة في خمسين عاماً والذي رصد تاريخها ومراحل مسارها خلال ذلك الزمن وبلغت صفحات الكتاب في طبعته الأولى أكثر من ستمائة صفحة أشرقت بتاريخ موثق لبدايات التعليم بصفة عامة والتعليم الثانوي بصفة خاصة وجرى بعد ذلك في عام 1437هـ احتفال باليوبيل الماسي) لهذه المدرسة تحت. رعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله تعالى وأصدرت الطبعة الثانية من كتاب مدرسة طيبة الثانوية في خمسة وسبعين عاماً.
ومن بين برامج جمعية خريجي طيبة الثانوية كان تكريم قدامي الخريجين من أصحاب المعالي الوزراء ومن بينهم (رمزنا) اليوم المرحوم بإذن الله تعالى ناصر الحمد السلوم الذي شرفت بمقابلته وأشاد ليلتها بذلك الجهد الذي بذلته في الكتاب وأثنى بصورة راقية على الطريقة التي تناولت فيها معالم ومسارات التربية والتعليم في تلك المدرسة وقال يومها بأن الكتاب لا يؤرخ للتعليم فقط بل هو كتاب تراث وتاريخ واقتصاد واجتماع لتلك الحقبة من الزمن في هذه المدينة العظيمة وفي المملكة بصورة عامة وعجبت ليلتها من تواضع ذلك الرجل ودماثة خلقه وابتسامته التي لا تفارق محياه وأحسست أنني أعرفه منذ زمن مع أن تلك الليلة أول مرة أقابله فيها وقص على العديد من التفاصيل مما ورد في الكتاب بصورة تؤكد أن معاليه مع كثرة مشغولياته قد قرأ الكتاب قراءة مستفيضة وعلق على الكثير من المعلومات الواردة فيه بقصص وأحداث في جنبات الثانوية وخارجها تضيق المساحة عن إيرادها، المهم أن الدكتور ناصر السلوم منذ تلك اللحظة أبقى في ذهني صورة لخلق وتواضع وقدوة ووطنية وإبداع. لم يؤثر بريق المنصب ولم يتغير عن كونه ابن المدينة المنورة التي يفخر بالانتساب إليها والنشأة في ربوعها و (فك) الحرف في أروقة مسجدها العظيم، ومن تلك اللحظة رأيت ذلك الرجل الذي يحمل قلباً محباً للجميع بسيرة حسنة وخلق مثالي وكنت قد وضعته في قائمة (الرموز) يوم أن بدأت في الكتابة عنها في بداية هذا العام وفوجئت برحيله عليه رحمة الله تعالى وأنا لم أتعرض لشخصيته والإشادة به ولكن رحيله المفاجئ بالنسبة لي لا يحول دون ذكره وإيراد شيء مما عرفه الناس عنه والترحم عليه
فهو خريج جامعة أريزونا) في مرحلتي الماجستير والدكتوراه بالولايات المتحدة الأمريكية في تخصص الهندسة المدنية ودخل بوابة وزارة المواصلات النقل) حالياً من فضاءاتها الواسعة وشغل منصب المدير العام للمشاريع في الوزارة ثم أصبح وكيلا لها ورأس مجلس إدارة شركة النقل الجماعي إضافة إلى كونه في عضوية مجلس إدارة في عدد من الأجهزة الحكومية وعضوا في هيئة تطوير مدينة الرياض ومجلس إدارة الخطوط السعودية وشغل منصب نائب رئيس اتحاد الطرق الدولي في (واشنطن) ومفوض عام الجناح السعودي في معرض إكسبو كندا) ومعرض الولايات المتحدة الأمريكية وشغل منصب الأمين العام لهيئة تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة في عام 1424هـ ونال ثقة الدولة بتعيينه وزيراً للمواصلات وقد تولى الوزارة بعد وزيرها السابق معالي الشيخ حسين بن إبراهيم منصوري وقد أبلى (أبو محمد) في الوزارة بلاء حسنا ورسم له صورة مشرقة كخبير وقيادي من نوع مميز وتولى الوزارة ثمان سنوات في الأعوام 1416 - 1424هـ ولم يدخل الوزارة وزيرا جديداً عليها ولكنه بحكم خبرته السابقة مديراً للمشاريع ووكيلاً للوزارة تربع عليها وهو العارف والخبير في متاهاتها والقيادي القدير في مساراتها ولذلك عمل بإخلاص وجد واجتهاد وأعطى من نفسه القدوة لمن حوله من العاملين وطور القطاع الهندسي في الوزارة وتفانى في عمله وأخلص لوطنه وعمل بروح الفريق وأصبح مدرسة إدارية هادئة متظللاً (بأيقونة) النزاهة وسار في جبال الوطن ووديانه في البراري والقفار يقف على شبكة الطرق التي رعتها ونفذتها الدولة أعزها الله تعالى بمليارات الريالات ميدانياً وكان يناقش في التفاصيل الفنية والإدارية المتعلقة بأي مشروع في كافة جهات الوطن على اتساعه وقال في لقاء معه حول مشاريع الطرق التي ربطت البلاد ببعضها وأوجدت عوامل النهضة والرقي في قارة المملكة
العربية السعودية بأنه لم ينفذ مشروع منها إلا وقد وطئته أقدامه عندما كان وزيراً أو قبل الوزارة وترك بصمات واضحة لا تنسى على امتداد الوطن وبصمات جلية تذكر وتشكر وأحبه كل المخلصين في داخل الوزارة وخارجها وأشرف وتابع تنفيذ مشروعات بمليارات الريالات ولم يعرف عنه إساءة استخدام المال العام فهو وطني مخلص، وعرف عنه مخافة الله سبحانه وتعالى ولا نزكيه على الله وساهم وشارك وخطط بوزارة النقل في إنجاز أكثر من خمسين ألف كيلو متر من الطرق السريعة في المملكة.
أقول كل هذا عن الدكتور ناصر السلوم) وأنا لم أقابله إلا تلك المقابلة التي أتى المدينة فيها وهو أحد المكرمين قبل خمسة عشر عاماً من الزمن ولكن الإنجازات التي تتبعتها وأنا أقدمه اليوم (رمزاً) من الرموز في ذاكرتي ككاتب وراصد ومعجب بتلك النقلة الحضارية في بلادنا التي رعاها قادتنا من آل سعود بدءاً من الملك عبد العزيز ومن بعده أبنائه إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان يحفظهما الله تعالى في كل الاتجاهات ومجال الطرق من أهمها التي ربطت هذه القارة المملكة العربية السعودية مخترقة الجبال الشواهق والأنفاق العجيبة ببعضها.
هذه الشبكة من الطرق التي أنفقت عليها الأموال الطائلة هي التي يسرت القيام حضارة عجيبة على مستوى الإنسان والمكان ووقف خلف تنفيذها رجال مخلصون أمثال الدكتور ناصر السلوم ومن سار معه في ركابه ومن سبقه وأتى بعده وأجد هنا من رؤيتي الشخصية أن الوزير (السلوم) يحق له أن يطلق عليه وعلى أمثاله من المخلصين الوزير الاستثنائي) وهاهو يرحل وتبقى شواهد الإنجازات باقية وقد كرمه الله بالصلاة عليه في المسجد الحرام في هذه الأيام العظيمة ووجد مكانه في مقبرة الشهداء بمكة مساء يوم الجمعة الخامس من شهر ذي الحجة عام 1444هـ رحمه
الله تعالى وغفر له والعزاء لأبنائه وأسرته وكافة عارفيه.






