اللواء ناهس بن فريح المحمدي

محمد بن صالح البليهشي

اللواء ناهس بن فريح المحمدي
اللواء ناهس بن فريح المحمدي

رحم الله أبا مشعل اللواء ناهس بن فريح المحمدي الذي غادرنا إلى دار البقاء والخلود في يوم الاثنين الرابع من شهر المحرم من عام 1445هـ وحظي بالصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف ونال مكانه في بقيع الغرقد بهذه المدينة العظيمة، رحم الله ذلك الرجل الخلوق الذي عرفه أهل المدينة بابتسامته المعهودة وتقديره لكل من زامله أو تعامل معه أو اجتمع به في مناسبة أو محفل.

لقد عاش طوال حياته العسكرية في طيبة الطيبة في مختلف المواقع العسكرية في شرطة المدينة أو في مرورها وهو يقدر مركزه العسكري ويحس بمسؤوليته نحو المدينة وأهلها ونحو دولته ورؤسائه وقادة هذه البلاد كمواطن مسؤول غيور على بلاده ومع ذلك لم ينس نفسه كفرد من أفراد المجتمع في مدينة مقدسة لها تاريخها ومكانتها في قلوب المسلمين من أهلها ومن زائريها من مختلف أقطار الدنيا، فكان طيلة حياته العسكرية يحرص أشد الحرص على أداء مهامه كرجل أمن ويتعامل مع الجميع بروح المسؤول الوطني المعتز بأرضه وبمواطنيه ويضرب المثل الأعلى في التعامل والإخلاص والتضحية ويبذل جهده ووقته لخدمة زوار المدينة المنورة الذين يرون فيه وفي أمثاله من المسؤولين الأمثلة الحية لروح المواطن الذي تربى على هذه الأرض المقدسة التي تشرب حبها وقداستها وطهرها وعظمتها انطلاقاً من ذلك الشعور الذي رغبة ولي الأمر وقادة هذه البلاد لخدمة المواطنين وخدمة زوار مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام.

عرفت (الرمز اللواء ناهس بن فريح المحمدي ضابطاً مبتدئاً في مرور المدينة المنورة في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي ورأيت فيه الشموخ والاعتزاز بالنفس والحرص على أداء مسؤولياته الخاصة في تلك الأيام التي كنا نحن قادة التعليم نقيم الحفلات بالمدارس ويحضرها كبار المسؤولين بالمدينة المنورة فكان لأبي مشعل الحضور المميز كضيف أو كمسؤول عن الانضباط والتنظيم والإدارة، وعايشت تدرجه العسكري وقادتني أخلاقياته وتعامله إلى معرفتي به كمواطن وكمسؤول حتى وصل إلى رتبة لواء) وفي مساء يوم الثلاثاء الثالث من شهر جمادى الأولى من عام 1414هـ أقامت شرطة منطقة المدينة المنورة حفلا لتكريم عدد من ضباطها المتقاعدين على شرف وكيل الإمارة وحضور مدير الشرطة حينها وكان في مقدمة المكرمين اللواء أبو مشعل) ناهس المحمدي ودعيت وقتها لإلقاء كلمة بهذه المناسبة فألقيت كلمة لا تزال احتفظ بها كوثيقة لحدث قبل ثلاثة عقود اعتزازاً وتقديراً لرمزنا اليوم الذي احتفظت به الذاكرة وترحمت عليه لمنزلته الرفيعة وأخلاقه وأصالته المميزة في نفسي، قلت في تلك الكلمة:

إن مما يسر الخاطر ويشرح الصدر أن نشهد بين وقت وآخر هذه الملامح البارزة الصور الوفاء والعرفان بالجميل لتكريم أشياخنا وعلمائنا ومربينا وقادة الفكر والإدارة والانضباط فينا نكرمهم وتعلن فضلهم ونشيد بجهودهم ونستعرض أعمالهم وترفع الشكر لهم ونتخذ من إخلاصهم وعصاميتهم وجدهم واجتهادهم في أداء الواجب نماذج تقدمها للمبتدئين من شبابنا ليسيروا على
نفس النهج ويتخذوا أولئك القدوة الحسنة في الإخلاص والتضحية والفداء والتألق. وهذه السنة الحسنة التي هي حفلات التكريم لذلك الجيل الذي أعطى من جهده ووقته الشيء الكثير لخدمة مليكه ووطنه وأمته، هذه السنة التي هي تقدير أولئك والإشادة بفضلهم وتبيان أحقيتهم في الحفاوة والتقدير والتكريم لم تكن جديدة على مجتمعنا المسلم بل هي من أساسياته. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار عندما قدم سعد بن معاذ رضي الله عنه: قوموا السيدكم أو إلى سيدكم.
ألم يقل عليه الصلاة والسلام: ليليني منكم أولوا الأحلام والنهي في
الصلاة التي هي أساس الدين؟
إن مبدأ التقدير وإنزال الناس منازلهم من الصور الرائعة في ديننا وأصالتنا وعروبتنا وما أحوجنا اليوم في هذا العصر الذي يسوده العقوق والجحود ونكران الجميل أن نغرس في أذهان شبابنا صورة التلاحم والتألف والعرفان
بالجميل لقادتنا ومفكرينا وروادنا على مختلف المستويات.
أيها السادة: إن صور الوفاء والتقدير في مجتمعنا أفرح لها كثيراً ويشاركني كل العارفين والمخلصين من أبناء الأمة لأنها تحقق هذه الملحمة من الترابط والألفة وتربي الأجيال القادمة على حسن الأداء في العمل والإخلاص فيه وإرجاع الفضل لأهله مهما كانت الظروف والأسباب وهي أسلوب
رفيع من أساليب التربية في التعامل والولاء والتقدير.
ولذلك كله أشكر من كل قلبي هذه الكوكبة من ضباط شرطة منطقة المدينة المنورة التي أقامت هذا الحفل لتكريم رواد كبار من روادهم وقادتهم بمناسبة إحالتهم على التقاعد إشادة بفضلهم وعرفاناً بجميلهم
نظير ما قدموه من عطاء وإخلاص وتضحية.
أما المكرمون الذين نحتفل جميعاً الليلة بهم ونشارك زملائهم في الحفاوة بهم بعد أن ألقوا عصا التسيار في مجال ليستقبلوا جادة جديدة في مجال آخر فإنهم أهل لكل تكريم وكل حفاوة وتقدير ويأتي في مقدمتهم شيخ الشباب اللواء ناهس بن فريح المحمدي الذي كتب الله لي أن ألمح تدرجه في مجاله العسكري منذ أن كان ضابطاً مبتدئاً في مرور المدينة المنورة وكتب الله له أن يمضي خدمته في رحاب طيبة الطيبة يؤدي واجبه بإخلاص وثقة وإيمان وينطبق عليه قول الشاعر:
ترى الرجل فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير فتبتليه
فيخلف ظنك الرجل الطرير
وهذا ما عنيته بقولي ضابطاً مبتدئاً في مرور المدينة حيث ارتسمت في ذهني عنه قبل رؤيتي له صورة ويوم أن رأيته لأول مرة تذكرت البيت الأول من هذين البيتين فأبو مشعل كان ولا يزال قمة في الذكاء والإدارة وحسن التعامل ورجاحة العقل وقمة في الإخلاص لمليكه ووطنه وأمته.
أيها الحفل الكريم: إن هذه الصورة من صور التلاحم والوفاء والتي نرجو أن تستمر وتتوسع لم تكن لولا توفيق الله سبحانه وتعالى ثم بفضل ذلك الإخلاص والوفاء والحب الذي ساد هذه الدوحة الوارفة الظلال التي تنعم بظلها والتي يرعاها القائد الملهم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، فادعوا معي بأن يحفظ الله بلادنا في أمنها واستقرارها وأن يديم توفيق قادتها لتكون نموذجاً يحتذى به في كل مجالات حياتها ...
لقد عاش (أبو مشعل بعد تقاعده ثلاثين عاماً يحتفظ بأصدقائه ومعارفه وقبيلته يقدم خدماته ويستقبل زائريه ومحبيه ومخلصي زمالته في العمل بنفس الروح الطيبة والحب والتقدير.
لا يتوانى عن خدمة محتاجهم ولا تفارقه الابتسامة المعهودة وذلك القلب الصافي والنفس الرضية وكان إلى ما قبل وفاته بيوم واحد وهو يستقبل المدعوين لحفل زفاف ابن أخيه بروحه الرضية وبشخصيته المعروفة وكل الذين قابلهم ليلتها من أصدقائه ومحبيه وجماعته قابلهم بنفس
الروح الطيبة التي عرفت عنه. فرحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة والأجر والعزاء لأبنائه الذين غرس فيهم حب الوطن والإخلاص لقادته ودماثة الخلق وحب الآخرين وتقدير ذوي المروءات والنهي.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.