الدكتور نضر بن حسن بن نزيل الكرام خاشقجي
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله الدكتور نصر حسن خاشقجي الذي غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود في يوم الأحد الموافق 27/11/1446هـ في المدينة المنورة، ونال شرف . الصلاة عليه في مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء. وضمه بقيع الغرقد في هذه المدينة العظيمة.
والدكتور نضر رمز من رموز طيبة الطبية، ولد بها عام 1357هـ ونشأ في جنباتها، وتعطرت أنفاسه بترابها الطاهر طفلا وناشئًا ورجلا من رجالاتها.
وسجل اسمه ضمن الناجحين في الشهادة الابتدائية من مدرسة النجاح في شارع العينية في عهد مديرها الشيخ الفاضل السيد ماجد عشقي رحمه الله. وكان من طلاب المدرسة المتميزين الذين تخلقوا بخلق وتربية القرآن على يد والده الشيخ الحافظ الوقور حسن بن نزيل الكرام خاشقجي، الذي امتازت تربيته لأبنائه بالأخلاق الحسنة والتربية الإسلامية التابعة من روحانية المدينة الطاهرة.
واصل الطالب نصر خاشقجي دراسته المتوسطة والثانوية، حيث تمت إذاعة اسمه ضمن طلاب مدرسة طيبة الثانوية من القسم العلمي في عام 1378هـ. ولتفوقه من بين الناجحين في تلك السنة قادته طموح إلى القاهرة في جمهورية مصر العربية طالبا في كلية الطب، وتخصص بتوجيه أحد المدرسين في طب الأطفال، وكانت البلاد في حاجة ماسة إلى ذلك التخصص.
عاد إلى أرض الوطن بعد نجاحه وتفوقه في تخصصه، عاملا في الإشراف على الوحدة الرئيسية المدرسية بالمدينة، وكذلك الوحدة الصحية المدرسية في ينبع وأملج والمهد والعلا ولما أبداه من معرفة جيدة وتعامل خلوق وحرص على مهنة الطب التي نذر نفسه من أجلها، صدر قرار معالي وزير المعارف بتعيينه مديرا عاما للوحدات الصحية المدرسية في منطقة المدينة المنورة اعتبارا من الأول من شهر محرم عام 1391 هجرية بترشيحه وتزكيته من مدير عام التعليم الأسبق بالمدينة الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله.
كان الربيع يحبه ويقدر جهده ويحترم آراءه وله عنده مكانة مميزة، ولذلك استطاع أن يطور أعمال الصحة المدرسية وأن يدخل مفاهيم العناية بالطلاب في نفوس أولياء الأمور، وقد أثنى على جهوده في مجال التطوير الصحي كبار المسؤولين في وزارة المعارف وتلقى العديد من خطابات الشكر والتقدير على المبادرات التي تحققت والمفاهيم التي استطاع الرمز الدكتور نضر غرسها في أذهان الطلاب أثناء الزيارات المتكررة للمدارس في مختلف المراحل الدراسية. امتاز الدكتور نضر رحمه الله بابتسامته التي لا تفارق محياه وقربه من الطلاب والمدرسين أثناء إلقاء محاضرات التوعية التي كان يقيمها بين وقت وآخر في المدارس وفي الفصول الدراسية، وهو ينزل في قوله وفعله إلى مستوى الطلاب مما يجعلهم يتقبلون نصحه وإرشاده بلغة سهلة ميسورة هي لغة الشباب، بنكهة فكاهية تجعل كل الطلاب على اختلاف مستوياتهم يتجاوبون معه ويستمعون إلى حديثه، غرفت الدكتور نضر مع بدايات التسعينات الهجرية . من القرن الماضي، يوم أتيته مراجعا للوحدة الصحية المدرسية وبعدها مديراً للمدارس من الابتدائية إلى الثانوية. وعرفته وهو يرتاد النادي الأدبي بالمدينة المنورة، محبا للأدب ومقدرا للأدباء الكبار، وكثيرا ما كنا نسمع قصائد من نظمه في حب المدينة المقدسة وحب المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
أذكر لأبي (مجدي) الدكتور نضر، وقد حظيت منه بجلسة أخوية يوم كنت مديرا لثانوية الأنصار في ذلك اليوم العائم. وقد أتى متفقدًا الناحية الصحية بين الطلاب الذين كان يزيد عددهم عن ألف طالب، وتحدث إليهم في الطابور الصباحي بكلمة ضافية عن الصحة والأدب والأخلاق، وما يجب أن يكون عليه ابن المدينة من السمو في التعامل وتمثيل المدينة في كل محفل أو لقاء، وما يجب أن يكون عليه شباب المدينة من الالتزام والحب والتقدير والعفة والرجولة.
كانت كلمته مؤثرة، وأسلوبه رائعا مصحوبا بابتساماته المقبولة وأمثلة يستعملها من واقع الحياة الطلابية. وبعد انتهاء الطابور وانتهاء جولته المعتادة، جلست مع ذلك الرجل الدكتور نضر الذي امتلأ قلبه حبا ورضا وشكرًا، وامتلأت نفسه قبولا وشغفا واحتواء السامعة.
أفاد ساعتها بأنه يشكر الله عز وجل أن منحه الحياة والعمل في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يخرج منها إلا للدراسة في القاهرة، وأنه لا يرضى أن يعمل في سواها، ويتمنى الموت بها والدفن في ترابها الطاهر.
وذكر بدايات عمله في المدينة قبل حصوله على الثانوية العامة، من ناسخ آلة إلى كاتب بجوازات المدينة، إلى وظيفة سكرتير لمدير الجوازات والجنسية وبعد عودته من دراسة الطب صار مدير الوحدة الصحية المدرسية في منطقة المدينة المنورة. وأثناء ذلك اللقاء مع هذا الرمز الكبير تطرق الحديث بيني وبينه إلى عائلة الخاشقجي)، وأكدت له بأن لدينا في قرية المضيق بوادي الفرع أملاكا من مزارع وبيوت تملكها آل الخاشقجي ثم باعوها إلى آخرين عند عودتهم إلى المدينة المنورة.
وأن وثائق قرية المضيق بالذات ذكرت العديد من آل الخاشقجي في القرن الثالث عشر الهجري وما بعده، أمثال درويش بن عباس خاشقجي، و مصطفى خاشقجي، وعلي بن درويش خاشقجي وغيرهم كثير.
وآخر من يمكن الاستشهاد بذكره الشيخ عمر بن معتوق خاشقجي، الذي أرسل رسالة إلى جد أبي من أمه الشيخ عتيق بن حسن البليهشي، وكان قاضيًا بالشرع وشيخ القبيلة، يستعين به في بعض شؤونه حول ممتلكاته. ويتضح من الرسالة تلك اللحمة بينهما، وتلك الخصوصية التي كانت سائدة بين أولئك الكبار، والثقة المطلقة، والحب والتقدير، وهي مؤرخة في 30/3/1330 هجرية أي قبل 116 عامًا.
وسلّمت الدكتور نضر صورة من ذلك الخطاب الذي فوجئ وفرح به كثيرًا على أمل أن يشرفني بزيارة إلى تلك القرية التي عاش بها آباؤه وأجداده قبل ما يزيد على قرنين من الزمان استقرارًا وتجارة بين وادي الفرع والمدينة. ولكن تلك الزيارة لم تتم لمشاكل الحياة وظروف العمل وتلقيت اتصالاً منه بضياع ذلك الخطاب وجرى موعد بيننا للقاء ولكنه أيضًا لم يتم لمرضه رحمه الله.
المهم أن أبا (باسم) الدكتور نضر خاشقجي بقي صديقا صدوقا وعونا لي ولكل من راجعه وعرفه أو تعامل معه طيلة بقائه في عمله بالوحدة الصحية المدرسية لأكثر من 30 عاما، حيث ترك العمل في 1/1/1421هـ ، ولا تزال علاقاته بأصحاب وأصدقائه ومعارفه كما هي لم تتغير وأخيرًا اتخذ من مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانا للذكر والعبادة ومن المدينة الحبيبة صدق انتماء وصدق حب لها ولتاريخها وامجادها حتى داهمه المرض وحانت ساعة الرحيل رحمه الله رحمة الأبرار واسكنه فسيح جناته.






