مطلق بن مخلد الذيابي

محمد بن صالح البليهشي

مطلق بن مخلد الذيابي
مطلق بن مخلد الذيابي

وأنا أفتش في مخزون الذاكرة منذ أكثر من خمسين عاماً وجدت في جانب قصي إضاءة لها بريقها ووهجها لم تمحها الأيام ولم تبهت الصورة ولم تقترب منها عوامل النسيان بل بقي وهجها وتألقها لأنها أصيلة المعدن راسخة الثبات عريقة الإخلاص والسيرة ذلكم في صورة الأديب الفنان مطلق بن مخلد بن حبيب الله الذيابي الذي عرفنا وتعلقنا بالإذاعة السعودية من خلاله رحمه الله تعالى.

لا أنسى تلك المجالس التي يعقدها الرجال في القرى والبوادي وهم ينتظرون ذلك الصوت الجهور المليء بالأصالة والحيوية والوطنية، صوت المذيع والأديب مطلق الذيابي وهو يقدم برنامج من البادية).

كل الرجال وحولهم الأطفال حيث كنا نجلس في الصفوف الخلفية نستمع إلى تعليقات الرجال وهم يستمعون ما يقدمه مطلق مخلد الذيابي في ذلك البرنامج المميز، يقدمه بإدراك وثقافة وحيوية تتناسب مع رجال البادية وقد صنع منه مدرسة راقية من خلالها جعل له نكهة وذوقاً ودراسة وتاريخاً بالقبول الجزل والمواقف في دنيا الرجال والقبائل وفي دنيا الرجولة والتربية والإشادة، وقد أشاد به الملك سعود رحمه الله تعالى وطلب تكرار البرنامج أسبوعياً لما له من أثر في حياة البادية. والناس.

أتذكر في السبعينات والثمانينات الهجرية من القرن الماضي أن برنامج البادية في إذاعة جدة له قوة جاذبية ولصوت مذيعه الذيابي) يعلو قامته وبلاغته وقع في نفوس سامعيه ومتابعيه وبلغ من ارتباط مستمعيه إلى تنظيم اللقاءات والمسامرات على مستوى القرى والهجر والبادية ومن هنا استطاع رحمه الله تعالى أن يرسم له صورة راسخة لا تنمحي في عقول وأفهام ذلك الجيل الذي ارتوى من فقرات البرنامج ثقافة ورجولة وموقفاً وتاريخاً وتراثاً وقد عزز كل ذلك يعلو صوته ونكهة لحنه وغنى قصيدة (فراح القرقاح) :

يا الله أنا طالبك حمر هوى بالي
لن روح الجيش طفاح جنايبها
وإن برك الجيش حاديها أشهب اللالي
لاهي تورد وسيع صدر راكبها
اللي على كورها واللي بالحبالي
واللي على المردفة واللي يغاربها
لن روحت مع سباريق الخلا الخالي.
كن الذيابه تنهش في جوانبها.

ولا تزال هذه وقصيدته في الخيل التي مطلعها :

الخيل .. لن جدا الجد
تعرفها فرسانها.
سلايل عن آب وجد
مثبوتات رسانها

وغيرها مما قدمه ذلك العبقري للساحة السعودية من قصائد الشجاعة والحماسة والتاريخ والبطولة التي لا تزال إلى اليوم مع مرور أكثر من خمسين عاماً وهي تحتفظ بصوته الجهوري وقوة وطنيته المميزة ويلجأ إليها الإعلام بين وقت وآخر لتغطية بعض المناسبات التي تعزز الموقف وتغطي المناسبة ويسمعها السامع وكأنها قيلت بالأمس....

وفوق ذلك فهو شاعر موهوب له شعر قوي نتج عنه ديوانه (أطياف العذاري وديوانه الآخر غناء الشادي) إضافة إلى كتابه (ذخائر الذيابي في الفكر الإسلامي والثقافي والأدب والفنون وهذا كتاب جمع فيه بعض مقالاته التي تعامل بها مع شؤون الفكر في مختلف اتجاهاته وهو أيضاً في هذا الباب قد أبرز عمقاً وأصالة وثقافة مميزة فيما كتبه أو ناقشه وتحتفظ (أراشيف) الإذاعة ومخزوناتها بحلقات برنامج من البادية وإضاءات من حلقات كلمة حق) و (خاطرة) و(ثمرات الأوراق وعالم الأدب وألحان من الجزيرة العربية) و (مضة) وسهرة الأربعاء ونماذج فنية وأرجوزة العيد وقصة الأسبوع ومجلة الإذاعة وسهرة منوعات وغيرها كثير من جوانب الثقافة والأدب، وقد زادت البرامج الإذاعية التي أعدها وقدمها عن أربعين برنامجاً إذاعيا بين الفن والثقافة والأدب والتراث وكل برامجه وحلقات ما يختاره وبعده يمتاز بالعمق والصدق ونكهة الأصالة وله اهتمام وتميز في الفلكلور التراثي واستمعنا منه إلى العديد من الألوان حيث غنى للخيل والبادية وبرع في | إعداد القصائد بالفصحى والعامية وغناها بلحن رائع يدعو إلى الإعجاب والإشادة.

(سمير الوادي ذلك اللحن المميز والإحساس المرهف والعطاء الأدبي والتراثي والفني الواسع بقي في ذاكرة الزمن حماساً ووطنية ولغة ومدرسة وأدباً وثقافة وتراثاً تعلمنا منه نحن الجيل الذي عايش وهج نشاطه الكثير من الأخلاقيات والآداب وحب الوطن والتعلق به وتعلم منه زملاؤه في دروب الإذاعة ثم التلفاز المسارات التي رسمها لهم في التعامل مع جذب السامع وربطه وتعلقه بلغة وطنه ومقدرات واحترام وإعزاز قادة بلاده.

لقد استطاع الرمز) مطلق مخلد الذيابي أن يفرض احترامه وتقدير ديره على كل من يستمع له أو يعايشه بالارتباط أو بالصوت والصورة ونبرات اللغة وأسلوب البيان وأن يرسخ قلمه وبيانه في عالم الأدب والفن والثقافة طيلة تفاعله مع الإعلام إذاعة وتلفازاً وصحافة ومشاركات ثقافية فله حضوره المميز وقامته الفارعة وأسلوبه الرصين وأخلاقه الجاذبة المتسمة بالأدب الراقي والتواضع الجم وأشاد به أساطين الشعر والثقافة والفن أثناء وجوده وبعد فقده حيث قال عنه الأديب الشاعر محمد حسن فقي يوم وفاته رحمه الله تعالى : (مطلق مخلد الذيابي ذلك الأديب الفنان الذي أسهم بكل طاقاته في خدمة وسائل الإعلام والصحافة ومجال الفنون حتى أثقل قلبه الكبير أثقالاً لم يحتمله فتوقف عن النبض...

وأشاد به الأديب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى في برنامجه انور وهداية في التلفاز وقال عنه الشاعر طاهر زمخشري :

شاعر له الموازين أوتار
ومن رجعة تضيء النجوم
وبأفكاره الشوارد يجري
وهو فيض نواله تكريم
بلسان يرقرق القول شدوا
وكمان به تشافت کلوم

ومثله قال العالم اللغوي والأديب الكبير أبو تراب الظاهري :

مطلق كنت فينا لحن حب
سمير الوادي تأتي بالعجاب
لك النبرات تجلو حلو معنى
فترسلها بأوتار عذاب
نبغت مبرمجا ورققت شعرا
وصرت بصفة مثل الشهاب
رأيتك قبل موتك جنت تزجى
تحاياك الجميلة كالملاب

وقال عنه (الموسيقار محمد عبد الوهاب : أمطلق الذيابي سمير الوادي خامة فنية وصوته نادرة في السعودية فألحانه ذات طابع كلاسيكي مميزة يغوص في اللحن مثلما يغوص في الشعر ألحانه جميلة جداً وأنا أحبها ..

وخلال عطائه الأدبي والثقافي كان بارزاً في قصائد الشموخ والإباء وقصائد الذوق والفن بجوانبه الفصيح والرديف (الشعبي) وأسلوبه في الشعر غالباً من اللون المغنى الذي إذا تم الشدو به يطرب ويذيب واستهوت قصائده بعض الفنانين في العالم العربي واحتفظت الإذاعة ببعض الابتهالات من شعره ولحنه...

هذا (رمزنا) اليوم مطلق مخلد الذيابي سمير الوادي أبو سعود الذي عاش حياته متأثراً ومؤثراً في عالمه ووطنه بإحساس مرهف وعطاء فني واسع قد أثر في النهوض بالثقافة والأدب وعاش للثقافة طوال حياته وبقيت مدرسته وهجاً مضيئاً في عالم الإعلام والفكر والثقافة وفارق دنيانا الفانية في شهر صفر عام 1403هـ وعمره لا يزيد عن خمسة وخمسين عاماً ولا نزال نسمع قصائده وألحانه وكأنه يعيش بيننا وتتذكره رمزاً من رموز الوطن الخالدة ونجماً من نجوم سمانه التي لا تغيب .. رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.