الشيخ مفلح بن فالح الشاماني
محمد بن صالح البليهشي

مع بداية السبعينات الهجرية من القرن الماضي لم يكن في قريتنا المضيق) بوادي الفرع مدرسة وكنت أسمع الرجال الكبار في القرية بين مؤيد ورافض لفكرة وجود المدرسة لاعتبارات وضعها كل فريق لتأييد وجهة نظره وصارت القراءة والكتابة لدى رجال من القرية يعدون على الأصابع أما الشباب والأطفال فقد خيمت الأمية عليهم جميعا إذ لا يوجد طفل أو شاب يجيد القراءة والكتابة على الإطلاق...
وسط هذا الجو المعتم لشباب وأطفال القرية ووسط تلك المشاغل التي وجد الشباب أنفسهم في دواماتها من زراعة ورعي وتعمير للأرض. مع آبائهم رأى أحد شيوخ القرية وهو الشيخ مفلح بن فالح بن مطير الشاماني إمام أحد مساجد القرية وهو يجيد القراءة والكتابة...
رأي رحمه الله تعالى تلك الأمية الضاربة أطنابها على ربوع القرية، ورأى أن القراءة والكتابة قد اقتصرت على رجال كبار تعلموا لدى فقهاء ومعلمي كتاب على يد بعض الطراق والزوار الذين يمكثون وقتاً ومن ثم يغادرون وأدرك أن أولئك التفر عند وفاتهم سوف تعيش القرية كاملة في أمية مظلمة، بغيرة من الشيخ مفلح وحماس ورغبة في تعليم أبناء القرية (افتتح كتاباً في مسجد قرية (الغرب) بالمضيق
وتبرع بتعليم من يرغبون القراءة والكتابة من أبنائها ... أدخلني أبي عند الفقيه) مفلح وهذا الاسم الذي كان يطلق على من وقف يعلم الأطفال في كتاب قرى الحجاز وقدته في ذلك الوقت .
أتينا مجموعة من الأطفال يزيد عددنا على ثلاثين طفلاً إلى الشيخ مفلح إمام المسجد الذي كان يصلي بالناس فيه محتسباً وجلسنا على حصير المسجد من الخصف المصنوع من سعف النخيل وكان المسجد نصفه قد سقف بالتراب وجذوع وجريد النخل وتصفه مكشوفاً وجميعه محاط بجدران وسور من اللين...
لم تكن لدينا دفاتر تكتب فيها ولا تعرف الأقلام وكل الذي عرفناه يومئذ أن كل واحد منا قد أتى متأبطاً لوحاً من خشب قد أعد للكتابة من جهتيه وكانت الألواح تختلف مقاساتها ونوعياتها ولا ندري من أين أتى آباؤنا بتلك الألواح...
تخلقنا حول الشيخ مفلح الفقيه في أول يوم لدراستنا وأخذ يعلمنا كيفية الدراسة اليومية التي رأى أن تكون على فترتين صباحية ومسائية وعلمنا كيفية مسح اللوح وإعداده للكتابة وذلك بدق نوع من الحجارة (العشة البيضاء من الجبل في (عروق) خاصة ونخلها ثم إعدادها بقدر قبضة اليد وتركها حتى تجف ثم استخدامها في طلاء الألواح لتكون بيضاء...
وأتى بورق السنا) أو (العشرق) وهما نوعان من نباتات برية لا ترتفع طويلاً وليس بها شوك تنبت في الأودية واستخدم ورقها الأخضر لعمل خطوط عرضية في كل لوح يستطيع الفقيه الكتابة عليها في سطور مستقيمة ... كل ذلك أجراه أمامنا عملياً ليعرف كل منا كيفية مسح لوحه وإعداده للكتابة وأخبرنا بأنه سوف يكتب لكل واحد منا في لوحه السورة مشكلة وإذا حفظها الطالب يقوم بمسح اللوح لإعداده لكتابة سورة جديدة وأطلعنا على قلمه الذي يكتب به وهو عبارة عن قلم يُعده بنفسه (مديب) من أعواد شجر يسمونه (العوسج ويمتاز هذا النبات. بليونه فروعه وتشكيلها حسب ما يراه مستخدمها...
أما الحبر فقد أبرز أمامنا (قارورة زجاجية أعد مكونات حبرها أمامنا من (الخرق) المحروقة والفحم وسواد القدر) والغراء إضافة إلى القليل من
الماء حيث تختمر المكونات وتصبح حبراً أسوداً يمكن الكتابة به. لقد أرانا يرحمه الله تعالى منذ اليوم الأول على الرغم من صغرنا خطة عمله التي سوف يسير معنا بها بشيء من التحذير واللطف والتشجيع ووعدنا بأن من أتم معه مشوار القراءة والكتابة سوف يجرى له احتفال كبير في عالم القرية وسوف يكون له شأن كبير في مجتمعها وسوف يقدره الكبير والصغير فيها....
وقبل لقائنا به في أول يوم كانت لقاءاته مع أولياء . الأمور المعرفته بمدى جدية كل منهم لتعليم ولده واخذ منهم التوثيق المعنوي للتعاون والحرص على الدراسة واستفادة الأبناء منها ...
سرنا مع (الفقيه) مفلح الشاماني وعلمنا حروف الهجاء بداية (أليف) ألف باء إلى الياء قراءة وحفظاً. وكتابة
علمنا أماكن النقط مع الحروف مثال ذلك (أليف لاشيء عليه) (الباء واحدة من تحت) (والتاء ثنتين | من فوق) والثاء ثلاث من فوق) والجيم وحدة تحت وهكذا لمعرفة أماكن النقط مع الحروف ...
علمنا القاعدة البغدادية ( 11 أ - ب ب ب ( باء - بي - بو ) وأخواتها ...
علمنا أبجد - هوز - خطي - كلمن - شغفض - فرشت - تخذ - ضظغ .... كنا نردد تهجئة معرفة تنقيط حروف الهجاء وحروف ابجد هوز بتنغيم
خاص معاً بأصوات عالية على هيئة أهازيج حتى أتقناها..
بعد أن وضع القواعد الأساسية أمامنا بدأ يعلمنا قصار السور بدءا من الفاتحة وسورة الناس حيث يقوم بكتابة السورة كاملة في لوح كل منا مشكلة ويكلفنا بحفظها تشكيلاً وتهجية وإذا أحس من طالب إتقاناً للسورة أمره بمسح اللوح....
ومسح اللوح هذا صار له طعم خاص لدينا نفرح بهذه الجملة ويتعالى أحدنا عندما يرى الشيخ راضياً عنه بعد ما يحش منه إتقاناً للسورة قراءة وتهجيا وتشكيلا...
إن ذلك اليوم الذي يمسح فيه اللوح يعتبر إجازة لأحدنا لأن مسح اللوحوتجفيفه وتخطيط سطوره تاهيلا له لكتابة سورة جديدة، وأخذ الشيخ للوح للكتابة عليه يستغرق وقتا طويلا ومعاناة له لأن الكتابة بقلم العوسج من الصعوبة بمكان حيث يضع الشيخ القلم في الحبر ويكتب وربما الكلمة الواحدة تحتاج إلى أكثر من حركة لإرواء رأس القلم القديب بالحبر للكتابة إضافة إلى أنه يكتب لكل واحد منا في لوجه السورة أو جزءاً منها على قدر ما وصل من حفظ، إنها معاناة له يرحمه الله لم تدركها إلا بعد أن كبرنا في مراحل متأخرة، وعلمنا (الفقيه) مفلح بن فالح الشاماني طريقة التهجي القديمة التي لاقينا منها الكثير من المصاعب حتى اتقناها وعرفنا بعد دخول المدارس أن الفتحة في التهجي الحديث في النصبة والضمة هي الرفعة قديما والكسرة هي الخفضة والسكون في الجزمة وأعتقد بان التهجي القديم هو الأصح لأن الإعراب مأخوذ منه فالمرفوع من الرفعة والمنصوب من النصبة والمجزوم من الجزمة وهي السكون، وعلمنا (الفقيه) أن تهجي (الحمد
لله رب العالمين يكون بالطريقة التالية : الحمد / انْصَب ... الزم ال -حنصب ماء - أم زمم - دو ارفع دو - الحمد وهكذا ....
إنها طريقة صعبة في البداية ولكننا بعد أن سرنا في الدراسة مع حفظ السور وتشكيل الكلمات بهذه الطريقة صارت سهلة علينا ولا أزال أتقنها حتى اليوم تصديقاً للمقولة العلم في الصغر كالنقش على الحجر ) وبهذه الطريقة فكينا الحرف ) كما يقول أهل الحجاز عندما يرون أحد الأبناء وهو يُجيد القراءة بصورة (سلسة) وطليقة، وهو بعد جهده
هذا احتساباً وعملاً لوجه الله تعالى .....
كانت فسحتنا الوحيدة خلال اليوم هي خروجنا بعد أذان العصر جرياً وسباقاً فيما بيننا للوضوء من عين القرية وعودتنا قبل إقامة شيخنا للصلاة وكانت المسافة تزيد على 4 كم تقريباً ذهاباً وإياباً، كما اعتدنا في انصرافنا نهاية كل يوم ونحن نخرج من باب المسجد أن تردد بصورة جماعية منغمة قولنا : يالفقيه .. الله يغفرك .. يالفقيه الله يغفر لك ) ترددها حتى تغادر في المسجد يومياً قرب غروب الشمس...
أكملنا وزملائي حفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم حفظاً متقناً بالتهجي المذكور أعلاه ثم افتتحت المدرسة في القرية فذهبنا لإكمال دراستنا بثقة وجدية وتفوق والفضل يعود لله تعالى ثم لفقيهنا الشيخ مفلح الشاماني رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.
بقي القول بأن شيخنا الفقيه) مفلح بن فالح الشاماني كان حريصاً علينا ونحن ندرس في كتابه على تعليمنا مكارم الأخلاق والصدق والمروءة وحسن السيرة واحترام الكبار وإنزال الرجال منازلهم، كان حريصاً أن تكون كوكبة طلابه الذين تشرفوا بالنهل من معينه التربوي أن يكونوا نواة لجيل جديد بالقرية الصغيرة يعرف القراءة والكتابة ويعمل على محو الأمية التي كانت تخيم في ربوع القرية مكان رائداً لتعليم أبناء القرية مبادئ القراءة والكتابة بتضحية مميزة وحس وطني مبكر.
رحم الله الشيخ مفلح الشاماني (أبو عقال) الذي عاش إماماً محتسبا في القرية وإماماً لمسجد بالمدينة أخيراً محتسباً وكان يمتاز بقلب لطيف بعيداً عن الطمع والحقد والحسد ولذلك صار رمزا في الوفاء وحب الخير لكل الناس وعاش حياته مثالاً للتضحية ورأينا فيه الإيمان والتقوى والسمو عن لغو الكلام ومخافة الله سبحانه وتعالى ولا نزكيه على الله وغادر دنيانا الفانية بالمدينة المنورة في الثاني عشر من شهر صفر من عام 1423هـ وحظي بموقعه في بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وأجزل له الأجر والمثوبة .






