مفرج بن فراج السيد
محمد بن صالح البليهشي

بالأمس كنت في سفر ومررت ببدر المدينة وتجولت في جنباتها واستحضرت في ذهني ذلك اليوم العظيم يوم بدر الذي شهد أول لقاء حربي بين الكفر والإيمان وترسمت خطى نبي الهدى عليه الصلاة والسلام وهو يناجي ربه ويطلب نصره على أئمة الكفر والطغيان التي أنت بخيلاتها وعزمت على سحق الدعوة المحمدية ووأدها وانتهت المعركة بخسرانها ودحر أئمة الكفر وانتصار دولة الإسلام وإعلان وجودها في جزيرة العرب.
ومع استحضار بدر المدينة والسير في روابيها وبروز معالمها تطوراً وحضارة ورقياً في كافة نواحيها في هذا العهد السعودي الزاهر الذي أولى هذه المدينة التاريخية الاهتمام الذي يليق بها، ولا تزال مواكب الرقي والتقدم تترى على هذه المدينة الحالمة قفز إلى ذهني ذلك الرمز الثقافي الذي برز في النصف الثاني من القرن الماضي، ذلك الطائر الفريد الذي نثر أجمل الألحان على ضفاف مدينة بدر، تذكرت الشاعر "مفرج السيد" شاعر الريف السعودي كما سماه المرحوم بإذن الله تعالى عبد القدوس الأنصاري قبل أكثر من خمسين عاماً، لقد فتح الأنصاري بايه الثقافي من خلال مجلة المنهل واحتوى الشباب متابعاً ومشجعاً كل بادرة يراها من جيل الشباب في ذلك الوقت وكان الشاعر مفرج السيد واحداً من أولئك الذين وجدوا في المنهل خاصة في بدايات شعره ما يشجع على الظهور والاستمرار وكنت وغيري من ذلك الجيل الذي يكتب في المنهل ويجد التشجيع من رجل الثقافة والمعرفة عبد القدوس الأنصاري صاحب مجلة المنهل عليه رحمة الله تعالى، وعرفت الشاعر مفرج السيد من خلال قصائده التي كانت في غاية الروعة والجمال على صفحات المنهل.
كان الأنصاري من المعجبين بشاعرنا يقرأ قصائده ويعلق عليها ويجعل
لها الأولوية في النشر لعذوبتها ورقة معانيها وكنا نغبطه نحن جيل ذلك الزمن لأن قصائده تحظى بالنشر السريع، بينما مقالاتنا وقصصنا تمكث وقتاً حتى تجد فرصة لنشرها، وازداد إعجاب الأنصاري بشعر السيد يوماً بعد يوم وصار يتصل به ويحثه على الاستمرار ويطرب للحنه وشجنه، ويوم أن صدر أول ديوان للأستاذ "مفرج السيد" بعنوان "فيض الأحاسيس" في عام 1399هـ كتب الأنصاري مقدمة الديوان في تسع صفحات منه استعرض فيها بدايات الشاعر، وبوب قصائد الديوان وقال عن شعر مفرج السيد بأنه عربي الوزن والديباجة والقافية لم يجرفه تيار العامية ولا تيار ما يسمونه بالشعر الحر، فسار بشعره في الطريق الوسط القويم السليم، ويعتبر شعره من النوع السهل الواضح الممتنع ذي الديباجة العربية الخالصة
والروح العصرية الحديثة المتجددة المجددة، إلى أن يقول : يجد القارئ
في قصائد ديوان شاعر الريف السعودي الأستاذ مفرج السيد ومضات مشرقة وعبارات جذابة وتوليدات فنية بديعة، ويقول في نهاية المقدمة بعد استعراض لوحات فنية جميلة من القصائد ومن رأينا أن هذا الديوان يعتبر خطوة تقدمية جديدة من خطى تقدم أدب شبابنا المتطلع الطموح). قال هذا الأنصاري وهو لا يدري أن شاعر الريف قد اتخذ من قوله نقطة انطلاق جديدة نحو آفاق المعرفة والتحليق بشعره العذب الرصين في كل فنون الشعر وأغراضه، ومن هنا يأتي دور الرواد الذين يأخذون بيد الشباب ويفتحون لهم الأبواب المشرعة نحو الآفاق البعيدة ليكونوا العباقرة والمبدعين، وقد طبع ديوان "فيض الأحاسيس" طبعة ثانية، وزادت قصائده العذبة الرائعة عن مائة قصيدة، وأتبعه الشاعر بديوان آخر أسماه "رشة .. عطر" ضم أكثر من ستين قصيدة، وإلى
جانب الشعر اهتم مفرج السيد بكتابة المقالة والقصة القصيرة في الصحف والمجلات الأخرى منذ تلك الأيام التي وجدت قصائده طريقها إلى مجلة المنهل، وصدر له كتب بدر ووادي الصفراء عادات وتقاليد وكتاب قصص وأساطير شعبية إضافة إلى كتب مخطوطة لم تر النور بعد حيث غادر دنيانا رحمه الله تعالى قبل أن تطبع، والأمل في الله ثم في أبنائه بجمع دواوين أبيهم وكتبه وتقديمها للمطابع بطريقة أو بأخرى لتجد مكانها بجوار تراثه الأدبي الذي طبع في حياته، وشاعرنا (الشيد) عاش طيلة عمره بلبلا صداحاً يغني فيطرب الأسماع ويتكلم فيأسر القلوب ويجمع في شعره بين الفصحى والعامية وهو مجيد في كل منهما كما أن له اهتمامات في فنون القصة والرواية وفوق ذلك كله قد امتزجت نفسه بهوى (بدر) واكتست حياته برمال (بدر) وتنفس الشعر الجميل الرائع ببطولات (بدر) الذي قال فيها أعذب الألحان وبث لواعج نفسه مع نسائم هذه المدينة الخالدة التي شهدت روابيها وبطاحها دولة الإسلام وقد علت راياتها في
أول معركة خالدة من معارك تاريخ الإسلام العظيم.
قال الأستاذ مفرج الشيد في مدينته بدر من قصيدة طويلة :
يا بدر .. يا بدر الجهاد السامي
يادرة في مفرق الإسلام
ياقصة تروى على طول المدى
للبذل والتصميم والإقدام
شهدت روابيك الزواكي هذه
بترابها المتراكم المترامي
يوماً من التاريخ وافي جاهماً
وأضاء من وقع الحديد الحامي
إلى أن يقول:
وتكشفت آثارها عن عصبة
منصورة برسولها المقدام
وعصابة تدعو الورى لضلالها
مقهورة وجماجم وعظام
وللمدينة المنورة في وجدان شاعرنا الشيء الكثير فهو يغني بأمجادها ويستشعر عظمتها في كل لمحة من لمحات تاريخها، ويصف في قصيدة محبوبته المدينة التي نال الشهادة الابتدائية من إحدى مدارسها وحالته
وهو يدخلها في إحدى زياراته لها بقوله :
ولجت وفي خافقي فرحة
ترفرف في خافقي المضطرم
وزرت رسول الهدى والتقى
وشاهدت ذلك الترى المحترم
وصليت في روضة المصطفى
فمحمداً لربي على ذي النعم
وقد سعد القلب من زورة
ولو أنها زورة لم تدم
وقد تطرق أبو خالد إلى كل فنون الشعر الإسلامي والاجتماعي والقصصي والوطني والرثاء والإخوانيات والغزل أو التشبيب وامتاز شعره بأن كل قصيدة تعتبر لوحة فنية جميلة وضيئة المعالم بارزة الأهداف سهلة المعاني والألفاظ ومع كل ذلك هي قصة جميلة لا تكاد تبدأ فيها إلا وتتلهف لنهايتها، وكل شعره قد تلون بملاحم البطولات وذكريات الأمس وبصمات التاريخ ونسمات الصباح وسويعات الأصيل وابتسامات الفجر وتفتح الأزهار وتصفيق سعف النخل وشقشقة العصافير كلها تناجي قلب شاعر مرهف ونفسية شفافة لم ينس مرابع دراساته ومواقع عمله في كل من بدر والمدينة المنورة وينبع والمهد كلها نالت من تغريده وبوحه في أيام الدراسة والعمل ما ظهر في تنويع إنتاجه الثقافي والأدبي وشعره الفصيح والعامي وكان في كل ذلك رباناً ماهراً يصوغ الكلمة بشفافية معينة وإحساس مرهف ونفس متخمة سمواً وإباء وأصالة وعذوبة، ولو بقي على بدايات نشأته في دنيا الثقافة والأدب ظهوراً وتألقاً لكان في مصاف شعراء المرحلة الكبار وأدبائها المرموقين ولكنه مع أصالة وعمق ثقافته وحلاوة منطقه شعراً ونثراً آثر التواضع والعزلة، وقد دعته المنابر في الأندية الأدبية والمهرجانات الثقافية واللقاءات والمحاضرات والندوات ولكنه زهد فيها ولم يستجب لكل أضوائها، ورددت الحانه ضفاف العريش وروابي العدوتين وكتيب
الحنان وهو يقول :
حسبي إذا تهت فخراً أن يكون مدى
فخري بحبك في سري وفي علني
إذا سئلت رفعت الرأس في صلف
وقلت هذا الذي فوق الذرا سكني
رحم الله شاعر الريف السعودي الشاعر المبدع أبو خالد مفرج السيد الذي غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود في يوم الخميس 21 رجب 1440هـ وضمته تربة بدر التي تعطر بها حياً وميتاً بجوار شهدائها والصالحين من
أبنائها.






