مبارك بن زيد العلوي
محمد بن صالح البليهشي

تشرفت بحضور مناسبة لدى الشيخ مطلع بن زيد شيخ العلوات من عوف من مسروح من حرب وإخوانه وكانت مناسبة كبيرة أنت فيها عدد من القبائل (بحدايا) أو (عرضات) للمشاركة في تلك المناسبة ورسخ في ذهني إحدى تلك
(الحدايا) أو الزومالة نسيت لمن هي ولكن ورد فيها:
سلام تسليم الوفا ونخص فيه عيال زيد
واللي حضر في حفل ربعي من قريب ومن بعيد
أهل الكرم والطيب من ماض الزمن ما هو جديد
بالله لعل أفراحكم دايم على طول السنين
وعيال زيد هم ذوي زيد العلوات الذين ينتسبون إلى الشيخ زيد بن زايد بن سلامة العلوي العوفي الحربي وهذا البيت من العلوات تأصلت فيه مشيخة العلوات من عهد جدهم زيد رحمه الله تعالى الذي تشيخ على القبيلة وكان ذا ثراء وعرف قبلي في زمانه وكان مجلسه مجلس كرم وقضاء وإلى جانب ذلك فإن (زيد) هذا هو الذي تملك في قرية المضيق ووادي ظلامة وسايه أملاكاً وأوقفها على بنيه ولا تزال في أيديهم حتى اليوم وبعد وفاته تولى (الشيخة في القبيلة ابنه ( مبيريك) الذي سار فيها سيرة والده وتوفي رحمه الله تعالى في العام الهجري 1328هـ ومبيريك امتاز برجاحة العقل وبعد النظر والوقفة الجادة في الإنصاف والعدل ولذلك اختاره كبار قبائل ابني السفر) في تسوية قضيتهم مع قبيلة (بني علي بموجب وثيقة اطلعت عليها مؤرخة في 14 محرم عام 1326هـ تقول الوثيقة:
الحمد لله تعالى.. إنه في يوم تاريخه 14 محرم عام 1326هـ حضر مبيريك بن زيد العلوي وحضر الحضوره كبار بني السفر ستأتي أسماؤهم ومالهم ولزومهم وختومهم على ما يشيل ابن زيد من شفية ومالية هو وتبايعه وقبائله على (قالتهم) هم وبني علي ولزم ذويب بن حماد وأمضى على قبائل بني السفر افريدي وفهيدي ووهبي) وألزم بن سعيد وأماق وأمضى ذعار بن ناصر بن سعدي شيخ الوهوب وألزم الشيخ فهد بن عاصي وألزم أحمد بن معين وقبل الشيخ مبيريك بن زيد العلوي وحمى قبائله بموجب السوابق الذي بينهم على الأبوان
والجدود).
وهذه الوثيقة والإنابة تدل على قدم ورسوخ بيت ابن زيد في الشيخة والعرف القبلي في ذلك الزمن وبوفاة مبيريك في عام 1328هـ تسلم رمزنا اليوم) الشيخ مبارك ابنه قيادة ورئاسة القبيلة وأظهر من التألق والمعرفة وتمثيل المشيخة والعقل والاتزان وبعد النظر ما أهله لأن يحظى بثقة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله تعالى عندما ضم الحجاز إلى دولته العظيمة بأن يكون الشيخ مبارك بن مبيريك بن زيد العلوي أهلا للثقة وإقراره في مركزه شيخاً للقبيلة وأظهر من العقل والولاء والمناصرة ما نال به ثقة المسؤولين الذين تولوا إمارة المدينة المنورة تباعاً حيث كان حفياً بقبيلته محافظاً على تنفيذ الأوامر والتعليمات قوياً في الحق عدواً للباطل وأهله وبذلك صدر أمر جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى بأن يكون الشيخ مبارك بن زيد أميراً لهجرة الهندية ويوم أن توفي الملك عبد العزيز في عام 1373هـ تلقى الشيخ مبارك بن زيد خطاب جلالة الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله المؤرخ في أواخر عام 1373هـ الذي يفيد فيه بتكليف هيئات خاصة من قبل جلالته بتسليم العوائد لأصحابها حرصاً على مصلحة العباد والبلاد وأمره رحمه الله بعدم السفر للرياض من أجلها وذلك اعتبارا من بداية شهر محرم عام 1374هـ وهذا دليل على ما كان يتمتع به ابن زيد من مكانة وسمعة وحظوة لدى الدولة أعزها الله تعالى.
وفي يوم 26 رمضان من عام 1379هـ وفي 3 / 6 / 1381هـ وغيرها تلقى الشيخ مبارك العديد من الخطابات من مقام إمارة منطقة المدينة المنورة ومن الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز رحمه الله إبان إمارته على المدينة لتنفيذ بعض الأوامر والتعليمات والاستفسارات والقرارات التي تؤكد ذلك وقد منحه الله عمراً مديداً استمر 127 عاماً حيث توفي رحمه الله في عام 1406هـ وعندما طال به العمر ورأى أن صحته لا تساعده
على القيام بمهام المشيخة والإمارة تشرف بطلبه من الأمير عبدالمحسن بن عبد العزيز بتعيين ابنه رشيد بن مبارك بن زيد في مكانه وصدر أمر وزارة الداخلية بتاريخ 3/8/1387هـ بالموافقة على ذلك وبقي الشيخ رشيد بن زيد شيخاً للقبيلة قرابة ستة وأربعين عاماً وهو يخدم القبيلة ويحرص على إخلاصها وولائها للدولة ويسعى لصالحها إلى جانب مركزه القبلي في العرف والإصلاح بين الناس وفتح الأبواب لذوي الخصومات والحاجات وطالبي شفاعاته ووقفاته مع قبائل حرب وجميع القبائل المحيطة التي تستعين به بالتوفيق ونبذ الخصومات والنزاعات وعندما مرض مرضه الأخير ورأى أن صحته لا تساعده على القيام بمهامه تنازل عن مشيخة القبيلة لابنه (مطلع بن رشيد بن زيد وتلقى خطاب الموافقة على ذلك في عام 1433هـ وتوفي رحمه الله في عام 1434هـ وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الغرقد.
وقد اتخذت أسرة ابن زيد هجرة الهندية مقراً لها، وكنت في ضيافة الشيخ رشيد بن مبارك بن زيد رحمه الله تعالى منذ عشرين عاماً وكان في قمة نشاطه وحيويته ورأيت فيه ملامح الذكاء والنبل وقوة الشخصية وبعد النظر وحبه لقبيلته ومعارفه وتمسكه واعتزازه بموقع هجرته (الهندية) الواقعة في (صمد) أفيح في أعالي وادي النقيع وسألته حينها عن سبب تسمية هذا الموقع باسم (الهندية) فقال : ليس لدينا ما يمكن الاعتماد عليه في التسمية سوى ما تناقله الأحفاد عن الأجداد بأن أحد أجواد العلوات استضاف مجموعة من الحجاج الهنود الذين يسيرون بين الحرمين وأكرمهم ولاحظوا أنه يحفر بئراً في محيط هجرته وكان أحدهم لديه خبرة بمواقع المياه الجوفية فعاد إليه بعد مسيرهم وتوديعهم له وأراه الخبير منهم موقعاً خلاف موقعه وأمره أن يحفر فيه فتم ذلك ووجدت بئر روية وأطلق على البئر الهندية لأن المشير إلى موقعها من الحجاج الهنود ثم أطلق الاسم على المنطقة بأكملها فسميت الهندية).
والهندية عموماً قرية تقع جنوب المدينة المنورة وتبعد عنها قرابة 130كم على الطريق السريع بين مكة والمدينة وهي عامر بالسكان وبها مسكن الشيخ مطلع بن رشيد بن زيد شيخ قبيلة العلوات من عوف من حرب وتستشعر تاريخها من تاريخ وادي النقيع الذي تقع في أعاليه حيث حماه الرسول صلى الله عليه وسلم لإبل الصدقة يوم أن أمر منادية بالصعود على ظهر جبل عسيب) أو جبل مقمل) وحيثما وصل صوته من جميع الجهات كان أحمى) وبالنقيع جبل (مقمل) الذي في أعلاه مسجد للرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر المؤرخون
حيث عمره أبو هيضم المزني في عهد الخليفة هارون الرشيد رحمه الله. ومن الهندية تبدو أعلام جبال ابزام وعبود ومقمل وغسيب) وفي برام الجبل قال المخرق المزني وهو ابن أخت معن بن أوس المزني:
وإني لأهوى من هوى بعض أهله
براماً وأجزاعاً بهن برام
وقال أو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط عندما نفاه عبد الله بن الزبير إلى الشام قال وهو يشتاق إلى المدينة وما حولها:
ليت شعري وأين من ليث
أعلى العهد يلين) وبرام
أم كعهدي العقيق أم غيرته
بعدي الحادثات والأيام
ويلبن) غدير في النقيع وبرام جبل مخروطي في وسط النقيع يقول المؤرخون بأن (صخراً) أخا الخنساء مدفون في قمته ومثله جبل عبود فهو مخروطي ومرتفع وفويق النقيع من جهة الجنوب قرب الشفية النية عمق) تقع (نقعاء) التي لها ذكر في السيرة النبوية خاصة في غزوة بني المصطلق في ذهابه وإيابه عليه الصلاة والسلام بأصحابه وهبت عليهم الريح العاصفة وحيث فقدت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم وحيث قتل جاسوس بني المصطلق وفي
قتله رسالة إليهم حيث قذف الله في قلوبهم الرعب ولاذوا بالفرار. لذلك كله تقع (الهندية) في سيح أفيح كبير وقد شملتها يد الحضارة السعودية في رصف الشوارع وإضاءتها ووجود المدارس والمساجد والمنازل المسلحة وأصبحت درة مضاءة على يسار طريق الهجرة المتجه للمدينة المنورة.
وأعود بعد هذا إلى الرمز العلم الشيخ مبارك بن زيد شيخ العلوات من عوف المسروحية الحربية لأؤكد بأن ذريته وقبيلته من عوف عُرف عنهم الولاء لله ثم للدولة أعزها الله كما عرف عنهم الشجاعة وطيب المعشر والكرم والصدق وسلامة المعتقد وحسن الجوار والنخوة والشهامة ولا يزال بيت ابن زيد الحربي في عمومه يمثل كل ذلك بدءاً من جدهم الشيخ مبارك بن زيد إلى من يمثلهم اليوم الشيخ مطلع بن رشيد بن زيد وإخوانه وأبنائهم وأبناء عمومتهم بارك الله فيهم جميعاً وجعلهم خلفاً لخير سلف.






