الشيخ مبارك بن سليمان الغانمي
محمد بن صالح البليهشي

هذا الرمز الشيخ مبارك بن سليمان بن حميد بن محمد بن سليمان الغانمي الزبيدي الحربي شاهد أحداث الحجاز في معارك التوحيد التي قادها جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله تعالى لضم مدن الحجاز إلى دوحته العظيمة، التقيت به رحمه الله في منزله بقرية مستورة قبل ثلاثين عاماً من الآن، وكان عمره وقتها قد تجاوز الثمانين عاماً وكان بكامل قواه وذاكرته وشموخه ورجولته ورأيت فيه وقتها اعتدال وطول قامته وجزالة لفظه ونقاء سريرته وصفاء ذهنه وقوة ذاكرته وإحاطة أبنائه به وبرهم وحبهم له وإعجابهم بشموخه ورجولته وحسن منطقه وصدقه في رواية الأحداث ومعاصرتها وكنت شغوفاً بمعلومات أولئك الكبار في رواياتهم للتاريخ الشفوي الذي يعتبر جزءاً من التاريخ بل يعد أصدق تاريخ خاصة عندما يرويه رجال ثقات أمثال الشيخ مبارك بن سليمان الغانمي الذي عاصر أحداث الساحل الغربي في بدايات القرن الرابع عشر الهجري الماضي، وكانت فرصة لي للبحث معه عن مدينة رابغ وضواحيها وقبيلته (العوانم من زبيد من مسروح من حرب ومركز هذه القبيلة في الحربية ومشيخة آل مبيريك في تلك المنطقة وتاريخها ومواقف قبيلة (زبيد) في مسار الأحداث في العهد العثماني الذي سيطر على هذه البلاد ردحا من الزمن وقوة قبيلة حرب بصفة عامة أمام تقلبات المواقف والمعارك مع الجيوش العثمانية التي وصلت من مصر لإخضاع القبائل للسلطة العثمانية ودور قبيلة حرب في تعيين وفصل الولاة من الأشراف في ذلك الزمن وموقف (حرب) من أشراف الحجاز وكذلك موقفهم من الثورة العربية الكبرى التي نادى بها الشريف الحسين بن علي) و (استفزع) القبائل في هذه المنطقة لنجاح تلك الثورة، وكل ذلك سمعته منه تفصيلا وسوف يجد طريقه للنشر في وقت لاحق وعندما سألته رحمه الله تعالى كشاهد من شواهد تلك المرحلة عن الشيخ حسين بن مبيريك وملابسات مقتله أفاد بأن الشيخ حسين كانت له مكانة وتقدير لدى قبيلته زبيد) ولدى قبائل الحجاز على عمومها كما أنه مقدر من الأشراف، ولكن عندما قامت الثورة العربية في التاسع من شهر شعبان عام 1334هـ كان للشيخ حسين بن مبيريك رأي يخالف الشريف في ثورته إذ لم يؤيده لاعتقاده بأن مبعث الثورة هم النصارى ورأى أن هذا احتلال جديد للأمة العربية معارضًا للشريف
الحسين بن علي في هذا الاتجاه.
وكانت مدينة رابغ منفذاً رئيسياً للإمدادات لثورة الشريف ورأى أن يغادر مدينة رابغ إلى وادي حجر وتحصن هناك بالسلاح والرجال عندما علم أن الشريف الحسين سوف يقدر به ومع مرور الوقت وطول المدة أرسل له الشريف يؤمنه برسالة عهد وأمان وضعها داخل مصحف ليثق به ودعاه لأداء العمرة فصدقه وسار إليه في مكة رغم نصح المقربين منه ومنهم الشيخ إسماعيل بن مبيريك أخيه ولكنه أصر على المسير، وأضاف الشيخ مبارك بأن الشيخ إسماعيل بن مبيريك من الرجال ذوي الفطنة والعقل والدهاء وأحس بغدرة الشريف فسار إلى مكة بقبائله، ولما وصل الجموم ليلا أقام في مخيمه هناك، وفي تلك الليلة علم من بعض السائرين بأن أخاه الشيخ حسين قد قتل فعزم مرافقو الشيخ إسماعيل على الهجوم على مكة للانتقام، ولكنه يرحمه الله بعقله واتزانه قال لخاصته أما مات من له أخ مثلي..... وأمر من معه بمواصلة المسير إلى مكة ووجد أن الشريف قد أقام سرادقا لتقبل العزاء، وعند استقبال الشريف له قال بكل هدوء اجيتك يا حسين أعزيك في حسين) فاطمأن الشريف لهذه المقولة وجلس بجانبه لتقبل العزاء ثلاثة أيام وهو يعلم أن الشريف قد دبر لأخيه ذلك القتل (غيلة) وغادر مكة بعد ذلك.
ويضيف الشيخ مبارك بأن الشيخ إسماعيل تولى المشيخة بعد ذلك وبرزت مواهبه القيادية والعسكرية ولقبه الغربيون باسم أسد البر والبحر) وعندما حاصر الملك عبد العزيز جدة في معارك التوحيد أرسل الشيخ إسماعيل قافلة مؤلفة من ألف جمل بأحمالها مساعدة للملك عبد العزيز وعلم الشريف بذلك فأرسل عيونه إلى رابغ ولكن الشيخ إسماعيل بفطنته وذكائه وبعد نظره عرف بعزمه على ضرب رابغ فنادى في قبائل حرب للخروج إلى (الصبخة) والشاطئ بسلاحهم، وأمر بإشعال النيران وإقامة العرضات والرمي بالبنادق إيهاماً بأن هذه جموع حرب وجيوش الملك عبد العزيز أنتم لحماية رابغ ومما حفظ من تلك العرضات قولهم:
يا دار قري لا تزعزعك الهموم
سيسان حيطانك في بطنك راسيات
لك عسكر من حرب في وقت اللزوم
عين تغمضها وعين ما تبات
وعندما يئس الشريف وأعوانه من الإغارة على رابغ أرسل طائرات في سماء رابغ لرمي تلك الجموع بالقنابل، فأسقط رماة حرب واحدة على أرض رابغ وهريت البقية.
هذه لمحات وصور من تلك الأحداث كما رواها لي الشيخ مبارك بن سليمان الغانمي رحمه الله تعالى أحد رجال الشيخ إسماعيل وهو شاهد على تلك المرحلة.
والشيخ مبارك من مواليد مدينة رابغ عام 1322هـ، نشأ بها وتعلم القرآن الكريم على يد مجموعة من الكتاتيب، وقد حرص والده الشيخ حميد بن سليمان الغانمي على تعليمه ومجالسته العلماء وكبار السن ورجال القبائل العارفين حتى أصبح مرجعاً في نسب القبائل وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، وتوفي والده قبل بلوغه العشرين من عمره فتحمل مسؤولية رعاية إخوانه وأخواته في سن مبكرة، ورأى فيه الشيخ إسماعيل بن مبيريك مخايل النيل والرجولة والشجاعة وصفات القيادة والنخوة والحمية فجعله من خاصته ومستشاريه ورافقه في جميع سفراته في تلك المرحلة، وقد كان ضمن الوقود التي رافقت الشيخ إسماعيل بن مبيريك حينما اجتمع الملك عبد العزيز بشيوخ حرب في الحجاز وأوكل إليه الشيخ إسماعيل رئاسة قرية مستورة باعتبارها إحدى المناطق التابعة رابغ التي كانت خاضعة لمشيخة ابن مبيريك 1342هـ، فكان اختياره في مكانه حيث سار الشيخ مبارك في ولايته على مستورة وما حولها سيرة قيادية مميزة يسودها الأمن والعدل والإنصاف وصار الشيخ مبارك بن سليمان شيخ قرية مستورة) كما يلقبه الأعراب محل الثقة من الجميع وكان مجلسه مجلس علم وأدب وتقاض بين جميع الأطراف.
وإذا ذكر شيوخ القبائل في تلك الناحية برز اسمه في المقدمة لرجاحة عقله وإنصافه ومعرفته بعادات العرب وأنسابهم وقبائلهم وقد عرف كذلك بمواقفه الكثيرة في جوانب عمل الخير وقضاء حاجات من يلوذون به ويطلبون مساعدته على مستوى القبائل والأسر والأفراد وله الأيادي البيضاء في مجال الإصلاح والسعي في عتق الرقاب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحل المنازعات بين الأسر والقبائل، وامتاز بجزالة اللفظ وعلى المنزلة والترفع عن الصغائر ونظرته الشمولية للمجتمع والحياة وكانت عقيدته إسلامية صافية، حارب البدع والخرافات التي كانت سائدة في ذلك العصر في كل أنحاء البلاد نتيجة الجهل والأمية وعرف عنه محاربته لزائري قبر المهدلي) الذي كان يتبرك به الأعراب في تلك الناحية حتى استطاع أن يغير مفاهيمهم بالأمر بالمعروف وبقوة السلطان لعبادة الله الواحد الأحد سبحانه وتعالى.
وفي العام الهجري 1382هـ صدرت موافقة وزارة الداخلية باعتماد الشيخ مبارك أميراً لقرية مستورة وبقي فيها على مساره السابق بالعدل والإنصاف يصدع بقول الحق لا تأخذه فيه لومة لائم ويحب الفقراء والمساكين ويقربهم ويعطف عليهم ويتخذ منهم أصدقاء وخاصة حتى وفاته رحمه الله تعالى.
ويوم أن ألقت قوات جمال عبد الناصر الأسلحة في الساحل ظناً منها بأن المواطنين سوف يتلقفونها لمحاربة الدولة، وعلم الشيخ مبارك بذلك اتخذ بعض قبيلته الفوائم حراساً على تلك الأسلحة، وبالتعاون مع مشيخة رابغ ابن إسماعيل تم إبلاغ وزارة الداخلية بذلك وباءت ظنون وتخطيطات ذلك النظام بالفشل الذريع بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل وطنية وإخلاص قادة هذه البلاد المنصورة بإذن الله تعالى وبفضل ولاء هذا الشعب على مختلف طبقاته للوطن وقياداته.
لقد أمضى الشيخ مبارك رمزنا اليوم) قرابة سبعين عاماً في خدمة وطنه ومواطنيه وقبائله وقيادة هذه البلاد شيخاً له قدره ومكانته واحترامه حتى ألقى عصا التسيار متقاعداً وتقديراً لمكانته وعلو قامته واعتباره بين شيوخ القبائل، تم تعيين ابنه الشيخ حسين بن مبارك رئيساً لمركز مستورة التابع لمحافظة رابغ.
ومع فجر يوم الجمعة الواحد والعشرين من شهر ذي القعدة من عام 1421هـ، غادرنا هذا الشيخ الكبير في مدينة رابغ ودفن بها وله من العمر 111 عاماً، وكان لوفاته الأثر الكبير على قبائل المنطقة عموماً وعلى أولئك الذين شملتهم رعايته وعطفه وإحسانه - رحمه الله رحمة الأبرار وأجزل له الأجر والمثوبة، وترك لأبنائه وقبيلته إرثاً كبيراً من الارتباط والسمعة الطيبة والذكر الحسن والرجولة والمحبة والإخلاص والشموخ والوطنية.






