الدكتور محمد إسماعيل ظافر
محمد بن صالح البليهشي

بتاريخ 26 / 11 / 1444هـ وتحت شعار (مكانة) أقامت جامعة طيبة بالمدينة المنورة احتفالاً تكريمياً برعاية معالي رئيس الجامعة الدكتور عبد العزيز السراني لتكريم كوكبة من متقاعدي الجامعة يقرب عددهم من 300 متقاعد وهي بادرة تشكر عليها رئاسة الجامعة وإدارتها لأنها لمسة وفاء للعاملين والعاملات من منسوبي الجامعة الذين أعطوا ما وسعهم العطاء خدمة ووطنية لهذا الصرح الكبير في بلدة الوفاء والنور والهداية.
وجامعة طيبة المتألقة اليوم التي قد صارت شجرة وارفة الظلال بكلياتها وأقسامها ودرجاتها العلمية هي امتداد لبذرة قد زرعت قبل سبعة وأربعين عاماً حيث شهد العام الهجري 1397هـ ميلاد كلية التربية بالمدينة التابعة لجامعة الملك عبد العزيز، وقبل تأسيسها بعام أو عامين رأيت ذلك الرجل . الذي امتلأ حماساً وجدية مع شموخ ومهابة وطلاقة لسان يتردد على مكتب صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة المدينة المنورة رحمه الله تعالى وقتها، وكنت من محرري الصحافة في ذلك الوقت، رأيت الدكتور محمد إسماعيل ظافر وهو يحمل ( مظاريف) أوراق بيده وهو في عجلة من أمره يراجع مقام الإمارة وبعض إدارات المدينة الحكومية فاستوقفته في بعض مقابلاتي له الأسأله عما يشغله وهو ساع فيه بعد أن عرفته بنفسي لأنه لا يعرفني ولم يحصل لي شرف التعرف عليه من قرب وعلمت بعد ذلك أنه يسعى حثيثاً لإيجاد بذرة الكلية التربية بالمدينة المنورة وعلمت كذلك يفرحه بموافقة صاحب السمو الملكي الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز على ذلك ووقوفه معه لتحقيق ذلك الحلم، ولم يطل غيابي عنه حتى رأيته في النادي الأدبي بالمدينة المنورة وهو يكاد يطير من الفرح لحصوله على موافقة الجهات المختصة بمنح هذا الموقع الذي به جامعة طيبة حالياً لتلك الكلية بتوجيه وجهود من سمو أمير منطقة المدينة المنورة.
وأشهد أن الدكتور ظافر) رحمه الله تعالى قد أمضى الكثير من الجهد والوقت في المراجعات والمتابعة حتى صدرت الأوامر بمنح الموقع الكبير الذي تتربع عليه الجامعة بتأسيس الكلية، وتكليفه عميداً مؤسساً لها معتبراً أن وجودها في طيبة الطيبة لبنة قوية لبداية مشرقة في مجال التعليم الجامعي في هذه المدينة المقدسة.
لم يكن الدكتور ظافر) الوحيد الذي رأى ضرورة وجود هذه الكلية في المدينة المنورة بل كانت حلم كل المربين والمثقفين والأدباء، ولكن الذي حمل مشاعل الإضاءة لها وتمهيد الطريق وتبعات المراجعات والسفريات من المدينة إلى جدة إلى الرياض لتحقيق هذا الهدف هو أبو ريان الدكتور محمد إسماعيل ظافر رحمه الله تعالى، وفي وقت قياسي وجدت (البروكسات) التي كانت مقرات لإدارة الكلية وجرت أعمال السفلتة والسباكة والكهرباء في الموقع، ولم يمض طويل وقت حتى أشرقت في جنبات كلية التربية كليات العلوم وعلوم وهندسة الحاسبات والعلوم المالية والإدارية.
وفتحت الأبواب مشرعة أمام التحاق الطلاب والطالبات بهذا الصرح الجديد الذي فرح به المواطنون في طيبة الطيبة على اختلاف مستوياتهم، وتوج عميدها ومؤسسها كل هذه الجهود والمسارات لهذه الكلية بدليل سماه دليل كلية التربية بالمدينة استعرض فيه التعريف بها ونشأتها وملابسات تأسيسها ورسم سياستها وأهدافها والتخطيط لمستقبلها، وصار الدكتور (ظافر) الشعلة التي تتحرك في كل اتجاه لضمان مسار الكلية في محيط جامعة الملك عبد العزيز بجدة تؤدي دورها في التعليم والتربية والنشأة والمسار وصارت هاجسه وهمه ليلا ونهاراً لتحقيق متطلباتها وعوامل نجاحها، والدكتور محمد إسماعيل ظافر يحق له وقد سنحت الفرصة أمامه أن يبذل قصارى جهده لمصلحة شباب المدينة المنورة وفتح الأبواب أمامهم للتعليم الجامعي في مدينتهم الحبيبة، فهو ابن المدينة ولد فيها في منتصف شهر رجب من عام 1353هـ وعاش روحانيتها طفلا وتعلم في مدارسها وتخرج من المعهد العلمي السعودي في عام 1374هـ وتم ابتعاثه إلى مصر وتخرج من كلية دار العلوم في القاهرة عام 1378هـ ثم جامعة عين شمس ليحصل على دبلوم في التربية وبعد عودته إلى أرض الوطن أصبح خبيراً وموجهاً في إدارة تعليم نجد بالرياض ثم عميداً للتفتيش في وزارة المعارف، وفي العام الهجري 1385هـ ابتعث إلى أمريكا للحصول على الماجستير والدكتوراه حيث نالها من جامعة (ميشيجان) بمدينة أيست لايسنج) في مناهج إعداد المعلمين إلى جانب التخصص في الاهتمام الشخصي والميداني في تخطيط المناهج والتربية الإسلامية واللغة العربية، وعند عودته تم تعيينه عضواً في هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز ثم خبيراً للتعليم بوزارة المعارف ثم مدرساً فأستاذاً مساعداً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفي العام 1397هـ اختير عميداً مؤسساً لكلية التربية فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة وهو الذي كان له شرف التأسيس لهذه الكلية وبذر نواتها بشيء كبير من المعاناة والمصابرة وقد اكتسب قبلها خبرة عندما كان وكيلاً لكلية التربية
بمكة المكرمة ثم عميداً لها.
وهو رحمه الله تعالى من حفظة كتاب الله تعالى في سن مبكرة كما تختزن ذاكرته العديد من الأحاديث النبوية وله شغف مميز باللغة العربية ومن القلائل الذين يجيدون إعراب القرآن الكريم ويجيد علم المواريث إجادة تامة، وفي كلية التربية بالمدينة المنورة برزت إبداعاته كتعليم القرآن الكريم في المنهج المحوري وتطبيق نظام الوحدات الدراسية ونظام الساعات المعتمدة ومسؤولية عضو هيئة التدريس وتأسيس وحدة البحوث والمعلومات ومشروع توظيف الطالب في فترة التربية العملية واحتساب خبرة التدريس في الخدمة ونظام التفرغ الجزئي، وقد استفاد من هذه البرامج والأفكار العديد من شباب المدينة المنورة الذين عايشوا تلك الفترة وما بعدها.
ويوم أن كان مفتشاً بوزارة المعارف ظهرت كثير من المقررات الدراسية في المرحلة الابتدائية تحت اسمه ومشاركته في تأليفها، وأسس أقسام علم النفس والتربية البدنية والتربية الفنية في كليتي التربية بمكة والمدينة وحرر كتاب تاريخ تأسيس كلية التربية في مكة المكرمة بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها وذلك في عام 1396هـ، وفي العام الهجري 1405هـ وبعد أن رأى ثمار جهوده في كلية التربية بالمدينة المنورة بارزة بانية بوجود 12 قسماً علمياً لإعداد المعلمين والمعلمات انتقل إلى الجامعة الإسلامية رئيساً لقسم التربية في كلية الدعوة وأصول الدين، ومنها تمت ترقيته إلى أستاذ مشارك ثم درجة (أستاذ حيث ألقى عصا التسيار متقاعداً في عام 1413هـ وأنشأ مدارس التربية الإسلامية للبنين والبنات بمختلف مراحلها وكذلك أنشأ معهداً للخط العربي، وخلال محطات عمله في وزارة المعارف أو في جامعة الملك عبد العزيز أو في الجامعة الإسلامية كان له تمثيل وعضويات ومشاركات وبحوث مميزة وله دراسات واقتراحات معتبرة في المؤتمرات العلمية والتربوية وفي المجال التربوي والأكاديمي داخل المملكة وخارجها وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في التربية
واللغة وشارك في مناقشاتها بكل جدية وثقة واقتدار.
وفي الخامس عشر من شهر شوال من عام 1436هـ توفي رحمه الله تعالى وتمت الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف وأخذ مكانه في بقيع الغرقد الذي كان يتمناه رحمه الله رحمه الأبرار وعفا عنه وأدخله فسيح جناته.
وفي الختام في هذه الرحلة المميزة والجهود الجبارة لهذا الرمز الدكتور محمد إسماعيل ظافر المؤسس الحقيقي لجامعة طيبة التي رفعت منارتها بالمرسوم الملكي الصادر في عام 1404هـ بعد دمج فرعي جامعتي الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك عبد العزيز بالمدينة وتسمت باسم (جامعة طيبة) تيمناً باسم من أسماء المدينة الحبيبة ألا يجد ذلك العلم تكريماً بإطلاق اسمه على صالة من صالات الجامعة؟ وعلى شارع بجوارها يحمل اسمه تخليداً لذكره واعترافاً بفضله وجهوده وإخلاصه ووطنيته؟






