الشيخ محمد حميدة الطيب
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله أستاذ الجيل الشيخ محمد حميدة الطيب أبو عبد الغفار الذي عاش طول عمره رائداً للعمل الاجتماعي ومصلحا وداعيا إلى الله بعقيدة نقية صافية وإخلاص يعرفه جميع العاملين في الحقل التربوي في النصف الثاني من القرن الماضي يوم أن كان أحد أعمدة التعليم بالمدينة المنورة... لقد شرفت بمعرفته يرحمه الله مع بدايات انضمامي إلى أسرة الوادي المبارك الأدبية يوم أن دعاني رئيسها الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله إلى اجتماع لها في بيته في عام 1386هـ.. وقد حضرت إلى تلك الأسرة ووجدت رجالا كبارا في علمهم وفي سنهم وفي قدرهم من بينهم رمزنا اليوم الأستاذ محمد حميدة الطيب وكنت أصغر الحاضرين وعند حضوري كلفني الأستاذ الربيع بقراءة كتاب صغير للكاتب والأديب مصطفى أمين وكانت عادة أعضاء الأسرة كما فهمتها فيما بعد في كل جلسة يختارون كتابا ويقرأ أحدهم وتبدأ بعد القراءة المناقشات والنقد لما أورده الكاتب وليلتها عرفت بعض الحاضرين في تلك الأمسية كالأساتذة محمد سعيد دفتردار وعبد الحق النقشبندي ومحمد هاشم رشيد ومحمد حميدة ومحمد العيد الخطراوي وعبد الرحيم أبو بكر وحسن صيرفي وعبد الرحمن الشبل وعبد الرحمن رفة وعبد السلام هاشم حافظ وغيرهم من الأدباء والكتاب وكانت جلسة ماتعة امتازت بالبساطة والصراحة والوضوح والنقد البناء وكنت ليلتها سعيدا فخورا رغم صغر سني وغربتي بين أولئك العمالقة... وزاد من فخري اختياري قارئًا لتلك الكوكبة المثقفة فيما بعد من جلساتهم
وفي أول جلسة لي مع أولئك الكبار وقراءتي لهم شرفت بتشجيع كبير وإشادة عظيمة من رئيس الأسرة الأستاذ الربيع ومن الأستاذ القدير الشيخ محمد حميدة الذي أثنى علي كثيرا واقترح أن أكون قارئ الأسرة في الجلسات التالية...
بقيت آثار قراءتي وإلزامي بالحضور من قبل رئيس الأسرة وكلمات الثناء من الأستاذ (حميدة عالقة في ذهني وقد فتحت أمامي جميع الأبواب في الساحة الثقافية منذ ذلك الحين...
وفي صباح يوم غائم حظينا بزيارة الأستاذ محمد حميدة لمدرستنا وعلى أثر جلسة إرشادية منه في تلك الزيارة اختارني رائدًا اجتماعيا بالمدرسة وهو بمثابة المرشد الطلابي في الوقت الحاضر وأضفى علي من التشجيع والثناء مما أقنعني للعمل الاجتماعي المدرسي الذي يشرف عليه ولذلك صرت رائدا اجتماعيا بالمدرسة إضافة إلى نصابي في الجدول الدراسي) ... ورأيت أن الرمز الأستاذ محمد حميدة رائد الرواد الاجتماعيين في المنطقة وهو رئيس التربية الاجتماعية والموجه الأول لها ولمسنا منه في تلك الفترة نحن الذين اختارهم للعمل الاجتماعي بالمدارس التوجيه المخلص والتشجيع اللامحدود والرعاية المستمرة وقد أوكلت إليه الوزارة حينها التخطيط للعمل الاجتماعي بالمدارس وإعداد المناهج للدورات الاجتماعية ورأيناه محاضرا في الدورات الاجتماعية بالطائف عندما قررت الوزارة إقامة دورات في التربية الاجتماعية والرياضية والفنية خلال الإجازة الصيفية لإعداد جيل من المعلمين للقيام بتنفيذ الأهداف لتلك الدورات بالمدارس...
ويوم أن رأت وزارة المعارف ترشيح الأستاذ حميدة موجها للتربية الإسلامية رأى أن مد ذلك الاختيار هو امتداد لدوره الاجتماعي وقام بمهام رعاية التربية الإسلامية وغرسها في أعماق النشء من مدرسين وطلاب وحرص على غرس القيم والمثل والأخلاق والفضيلة التي نادت بها الشريعة الإسلامية في المجتمع ولا يكاد يعقد اجتماع للمدرسين والمربين في منطقة المدينة المنورة إلا وللأستاذ أبو عبد الغفار صوت للرعاية والتوجيه والأخلاق وكان مدير التعليم الأسبق الأستاذ الربيع يؤثره ويستنير بآرائه ومشورته ويعتبره رفيق درب في أسرة الوادي المبارك وفي مسار تعليم المدينة المنورة...
وعند صدور كتاب (مدرسة طيبة الثانوية في خمسة وسبعين عاما ورأى أسماء زملائه في عام 1363هـ في تلك الأيام بين ثنايا الكتاب فرح كثيرا وأشاد بالجهد المبذول في الكتاب وأوضح أن كتاب ثانوية طيبة جزء من تاريخ المدينة المنورة وهو تاريخ هام من حياة المدينة مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي تاريخا وثقافة وتراثا وقال عن الكتاب: إنه سجل حافل لباحثي تاريخ التعليم ليس في المدينة فحسب بل على مستوى المملكة حيث يجد فيه باحثو التراث والاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية ومجتمع المدينة في ذلك الوقت على وجه الخصوص الشيء الكثير من أساسيات بحوثهم ودراساتهم)
وقال عندما أهديته كتابي رسائل .. في حب الوطن تشرفت منه برسالة بخط يده بتاريخ 1413هـ قال فيها: (أعلام لم ينالوا حقهم من التعريف أرجو أن تترجم لهم:
1 حسني العلي 2 عبد الغني دادا 3 عبد الكريم دادا 4. عثمان حلمي الساعاتي 5 السيد ماجد عشقي 6 عبد الغني مشرف 7. أحمد تونسي 8. أمين مرشد.
أخي الكريم ( أنت اليوم سمهودي المدينة لك أفضال وإنجازات تذكر وتشكر بها تضم إلى قائمة مؤرخي طيبة الكبار ... سدد الله خطاك وبارك في مسعاك)
وهذا القول من رجل كبير من رجالات المدينة المنورة قبل قرابة ثلث قرن من الزمان تقريبا ترك في نفسي الكثير ومن آثاره ما سرت فيه خلال العامين الماضيين من الكتابة عن رموز ... في الذاكرة) .. إنها شهادة أعتز بها ما حبيت وتعتبر من أولى شهادات التقدير التي حظيت بها...
وقد توج الشيخ محمد حميدة مساره التعليمي والتربوي والتوجيهي بانضمامه في آخر حياته إلى العاملين في المسجد النبوي الشريف حيث سجلت أروقة المسجد الشريف وجوانب الروضة المطهرة خطواته مرشدا ومراقبا وناصحا وواعظا ورآه المصلون في أكثر أوقات المفروضة بهذا المسجد العظيم وكذلك سجلت أنحاء وجهات طيبة الطيبة صورته وتعطرت أقدامه بترابها الطاهر وعبقها الزكي طوال عمره طفلا وطالبا ومعلما ومرشدا وواعظا وناصحا ورجل صلاح وإصلاح
عاش بها عفيف اليد واللسان داعيا منصفا في مسجدها محبا لها ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى... تشيعت نفسه بنسمات قباء والعوالي وروابي العقيق وضفافه وإشراقات أحد والجماوات وقد حقق الله أمنيته بوفاته بهذه البلدة المباركة وصلت عليه جموع المسلمين في المسجد الشريف ودخل بقيع الغرقد في أول يوم من شهر ذي الحجة عام 1438هـ رحمه الله وغفر له وأدخله فسيح جناته...






