الشاعر .. محمد هاشم رشید
محمد بن صالح البليهشي

مررت عصر أمس بمنطقة قباء في طيبة الطيبة ورأيت ما يثلج الصدر من بدايات تطويرية ومعالم جديدة لتنفيذ مشروع الملك سلمان حفظه الله للتوسعة الكبرى التي تشهدها منطقة قباء ومسجدها العظيم، ومن خلال ما أزيل من بناء وما برز من ساحات فسيحة لتنفيذ المشروع، وقفت أمام ساحة بمباني مصلحة المياه في الموقع، وتذكرت ذلك الحفل البهيج الذي أقيم عصر يوم الأحد 28 محرم عام 1401 هــ عندما ازدانت ساحات منطقة العين الزرقاء يومها وأدار جلالة الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله ملك المملكة العربية السعودية وقتها مقود محطة ضخ المياه من ينبع إلى المدينة وسط فرح المدينة المنورة بكل مكوناتها، ووقف شاعر المدينة الأستاذ محمد هاشم رشيد وألقى قصيدته العصماء المعبرة بعنوان (هذا هو المجد ...)
ولجزالة القصيدة ومكانة شاعرها عليه رحمة الله وأثرها في تاريخ المدينة كانت ضمن كتابي الذي صدر في حينها بعنوان (المدينة .. اليوم في بداية القرن الرابع عشر الهجري
ومما ورد فيها قوله:
يا خالد العرب والإسلام أي يد
كهذه البثقت كالروح في الجسد
كنت الجدير بها لما أراد لها
رب البرية أن تزهوا إلى الأبد.
فاسمع أغاريدها تنهل صادمة
لكن بكل ديار المسلمين فمن
لا في قباء ولا سلع ولا أحد
ورفرفت بالهدى الرايات وانطلقت
ربوعها فاض تبع الخير والرشد
كالفيت.. من بلد إلى بلد
وفي هذه المحطة من سلسلة رموز في الذاكرة، رأيت أن أذكر وأترجم على شاعر المدينة المنورة المرحوم الأستاذ محمد هاشم رشيد، فهو رمز من رموز المدينة تألق نجمه في بحر نهايات القرن الثالث عشر الهجري وبداية القرن الرابع عشر الهجري، وكان ملء السمع والبصر أدبا وثقافة وشعراً وحباً لهذه المدينة العظيمة وتاريخها المجيد زاملته وصحبته في إدارة تعليم المدينة المنورة وفي نادي المدينة المنورة الأدبي عضواً مؤسساً ونائباً للرئيس ورئيساً للنادي، لقد عاصر النادي منذ بداياته ووضع لبنات مساره مع رئيسه الأسبق الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله في سنوات التأسيس السبع التي وقف فيها الربيع رئيساً مع نخبة مختارة مثقفة في مقدمتها (رمزنا) اليوم الأستاذ الشاعر أبو طه)، وبوفاة الربيع رحمه الله بعد السبع السنوات، قاد الشاعر محمد هاشم رشيد مسيرة النادي لمدة واحد وعشرين عاماً، حقق فيها لنادي المدينة المراكز المتقدمة في مسيرة الأندية الأدبية بفضل الله تعالى ثم بقيادة رئيسه وبقية أعضائه ومجلس إدارته، واتخذ الأستاذ محمد هاشم رشيد من النادي مرتكزاً لدوامه ومشاغله واحتوى منسوبيه والعاملين معه بحماسه وأريحيته ودماثة خلقه ونزاهته، وبرزت نشاطاته على مستوى الرئاسة العامة لرعاية الشباب، وصار نادي المدينة الأدبي بتوجيهات رئيسه الرشيد يحتكر الأولوية في كثير من السنوات في تقييم أنشطته وتنوعها وتحقيق الأهداف العامة التي رسمتها الرئاسة العامة لرعاية الشباب حينها، فكان في جانب الإدارة مميزاً القيادة مرفق ثقافي يعرف مسار أهدافه ومراميه وفوق ذلك ثقافته الواسعة وشعره المبدع والمتجدد، حيث امتاز برؤيته الخصبة والتفنن في انتقاء الكلمة الشاعرة وإبراز مواطن الجمال فيها.
لقد كان محلقا في لغته، مصورا في شاعريته، مبدعاً عندما يغرد يحيل الزفرة الحرى والنظرة الحزينة ولوعات الأسى إلى حلم جميل يقدمه السامعيه في صور متلاحقه موشاة بالقيم الإبداعية مزدانة بالوجدان متعاطفة مع الخلجات النفسية الإنسانية في مختلف أحوالها إنه يشعره يناجي البدر ويسبح مع الأشعة ويسمع الناس أغاريد الأماني وشجى النسيم ومناغاة دجى الليل إنه يخاطب ناعسات الزهر ويرقص مع الأمواج ويخاطب الطير ويأسرة الجمال والحب والسلام
إن الأستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد الذي عاش وكله حب لهذا الوطن بأمجاده وبطولاته ورجاله وتراثه قد أثرى الساحة بشفاف القلوب ويلامس شفافية الروح، لقد عاش يرحمه الله طوال حياته وهو حاضر الإيمان مع كل نغم يصدح به شعرا ونثرا لا يهتم بذاته الضيقة بل تسيطر على كل أحاسيسه هموم أمته ومستقبل وطنه، وهو فوق كل ذلك شاعر مطبوع من قمة رأسه إلى أخمص قدميه كما قال عنه الأديب الشيخ محمد المجذوب يرحمه الله، وأنا أقول: إذا كان الحسن بن هانئ قد قال في أستاذه عمرو بن العلاء عندما سأله أحدهم عنه: إنك أديم طوى على علم، أقول: إن الأستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد هو الآخر وبكل استحقاق ذك اديم طوى على شعر ) يرحمه الله رحمة الأبرار ويسكنه فسيح جناته، وقد استفدت منه كثيراً في تعامله وثقافته وتواضعه وشعره عرفه الأدباء الكبار، وعرفوا قدره وشاعريته ومقدرته على تدفق الصور الرائعة في شعره تدفق الجداول التي يمتاز كل منها بميزات مختلفة ولكنها تنطلق نحو هدف محدد وغير مجرى محدد أيضا
قال عنه رفيق دربه الأديب الكبير الأستاذ عبد العزيز الربيع يرحمه الله الذي توفي في الثامن والعشرين من شهر صفر من عام 1402هـ والذي لحق به شاعرنا يرحمه الله بعد عشرين عاماً قال عنه الربيع:
إن قصيدة الأستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد في كليتها لوحة فنية غنية بالألوان مترعة بالتفاصيل الدقيقة المعبرة وهذه إحدى الظواهر التي يتسم بها شعره، لأنه يمتلك إحدى الميزات النادرة التي لا تتوفر إلا لدى الشعراء الكبار حقا، في قدرته على أن يحيل أي موضوع ولو لم يكن من الموضوعات الكبيرة فنيا إلى موضوع كبير وكبير جدا بطريقة تناوله وعرضه وربطه بتراثنا وأمجادنا وبتوظيفه لعشرات الصور الشعرية المترابطة بأسلوب ملحمي يمتزج فيه الفكر بالوجدان والعقل بالقلب والحاضر بالماضي، وفي شعره بعامه نكهة هذه البلاد وروحها وطموحاتها وأحداثها الكبيرة، يحس القارئ لشعره ولو لم يضع اسمه عليه أنه يقرأ لشاعر سعودي يعيش في المدينة أو مكة أو الرياض، وهذا مبعث العجب بالفعل وإن كان في الوقت نفسه دليل الأصالة إنني أستطيع بكل ثقة القول: إنه شاعر عملاق لا بالنسبة لعمود الشعر كما عرفه القدماء فحسب بل ووفق المقاييس الفنية الحديثة حين نستبقى عناصر الإبداع الحقيقية فهو يجمع بين الأصالة والمعاصرة بصورة يندر وجودها بين شعرائنا، وأقول هنا بأن أبا طه ذلك الشاعر المعلم الرمز تياري عدد من الكتاب والشعراء في الكتابة عنه وعن شخصيته وملامحه وشاعريته وأصدروا العديد من الكتب في ذلك منهم د. عبد الرحمن الوصيفي في كتابه الخصائص الفنية في شعر هاشم رشيد والدكتور محمد رزق في كتابه محمد هاشم رشيد شعره وشاعريته و د. محمد صادق عفيفي في كتابه التجربة الإبداعية عند محمد هاشم رشيد والأستاذ وسام عبد الباقي في كتابه محمد هاشم رشيد شاعر المدينة حياته وشعره وغيرهم، وخلال مسيرته الثقافية والشعرية أضاءت دواوين شعره رفوف المكتبة العربية منها : دواوين وراء السرب - على دروب الشمس - في ظلال السماء - على ضفاف العقيق - بقايا عبير ورماد - الجناحان الخافقان إطلال إرم - نفحات الرياض - وغيرها من الدواوين، وكان الرمزنا وشاعرنا الرشيد حضور مميز في مؤتمرات الشعر والثقافة، فقد شارك في مؤتمر الشعراء السعوديين في جدة ومؤتمر الأدباء السعوديين في مكة المكرمة وفي المهرجان الرابع للشباب العربي في مسقط ومنتدى الأدب الإسلامي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ومؤتمر الأمن الإعلامي بالطائف، ومنح ميدالية عكاظ في تونس بدعوة من وزارة الثقافة والإرشاد التونسية إضافة إلى مشاركاته في العديد من الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية في داخل المملكة وفي كل من العراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان والكويت وعرفته الصحافة مراسلا ومدير مكتب ومحرراً ومشرفاً ثقافياً وسجل اسمه في منصات الإعلام بكل وسائله محرر أخبار ومشرفاً ثقافياً ومديراً للمطبوعات ومشاركاً في البرامج الإذاعية والتلفزيونية، لقد عاش حياته كلها للشعر والثقافة في عمومها، والأدب ديدنه الإخلاص والكلمة الصادقة والإحساس المرهف والعواطف الجياشة والخيال المحلق في شعره ونثره أحب المدينة من كل قلبه وتغنى بأمجادها وارتبط بمسجدها العظيم منذ نعومة أظفاره حتى وافاه الأجل المحتوم بعد. صلاة يوم الجمعة بالمسجد النبوي الشريف بتاريخ 28/2/1423 هـ، وكتب الله له دخول بقيع الفرقد بعد صلاة المغرب من ذلك اليوم وتمت الصلاة بعد أن صلى عليه جموع المسلمين في المسجد النبوي الشريف رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته






