الشاعر الإعلامي محمد بن شلاح المطيري

محمد بن صالح البليهشي

الشاعر الإعلامي محمد بن شلاح المطيري
الشاعر الإعلامي محمد بن شلاح المطيري

ذلك الرمز صاحب البصمة الأصيلة في دنيا الأدب الشعبي والإعلام برز في دنيا الثقافة والأدب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن ولا يزال صوته يملأ جوانب الذائقة الشعرية والأدبية بصورة جلية لا تمحوها الأيام ولا تنكرها الأسماع لأنه استطاع خلال تعامله مع الإعلام السعودي على مستوى الإذاعة والتلفزيون أن يغرس ويوثق صوته وصورته وشخصيته في أذهان ذلك الجيل الذي عاصره وغرس اسمه في دهاليز ساحات الثقافة الشعبية بشخصيته المميزة وابتسامته المعروفة ودقة ملاحظاته واختياراته وشمولية نظرته لمجتمعه دون تمييز أو تحيز ولذلك كسب حب المواطنين وحرصهم على اللقاء به وسماع صوته وإعجابهم بأسلوبه المميز عبر برنامج من البادية الذي استطاع به وبما يقدمه من فقرات خلاله أن يحتوي شرائح المجتمع ويكسب ودهم وتعلقهم به وبصوته وببرنامجه.

في أواخر الثمانينات الهجرية من القرن الماضي رأيت الرجال في شتى المواقع من أرجاء وطننا وهم يحسبون البرنامج البادية ويتحلقون في مجالسهم لسماع الرمز محمد بن شلاح المطيري وهو يقدم فقرات برنامجه من البادية) من القصيدة إلى المحاورة إلى القصة إلى (الربابة) وقد أظهر فنا وبرا فنا وبراعة في التنويع والاختيار ولم يكتف رحمه الله بإذاعة البرنامج بعد تسجيله في استوديوهات الإذاعة بل كان يخرج إلى الميدان في مواطن التجمعات السكانية ويسجل حلقات البرنامج ويغتنم المناسبات الوطنية والدينية ليثري برنامجه بما يجعله محبوباً ومقبولا لدى سامعيه والمعجبين به وبعد ابن شلاح) أحد تلاميذ ذلك الإعلامي الكبير والشاعر المبدع والأديب القدير مطلق بن مخلد الذيابي) حيث كان محمد بن شلاح مساعداً له طيلة تقديمه لبرنامج من البادية مع بدايات إطلاقه عبر إذاعة جدة ثم صار ابن شلاح) هو مذيع ومعد ومخرج برنامج من البادية وانشغل (الذيابي بالبرامج الإذاعية الأخرى التي أبدع فيها وخلد اسمه من خلالها رحمهما الله وغفر لهما.

ويذكر كبار الشعراء في الأدب الشعبي أن محمد بن شلاح قد نبغ في هذا الشعر وهو لم يبلغ الثانية عشرة من عمره كما يذكرون له بدايات مراحل شعره المبكرة مع الشاعر سعود البحر أمام الملك فيصل بن عبد العزيز في لقاء شهير أظهر فيه ابن شلاح نبوغه واتقاد شاعريته رغم صغر سنه وحراجة الموقف الذي وجد فيه في ذلك اللقاء...

والشاعر سعود البحر رحمه الله شاعر كبير وله صولاته وجولاته وقد بدأ المحاورة
وهو ينظر لابن شلاح الصغر سنه وعدم خبرته أمامه فقال:

سلام من خاطر مني تدقه هجوس
ردية من ضمير سعود عنابها
لا والله إلا غطستوا في البحور الفطوس
ترى المعاني تدور عند طلابها

فرد عليه محمد بن شلاح

يا مرحبا بالمغني عند نقد الفلوس
يا مرحبا بالمثايل والذي جابها
ترى البحر له سواعي من وراك وعسوس.
حاجتك ياسعود حنا مادرينا بها

واستمرت المحاورة بينهما ولاحظ الشاب محمد بن شلاح أن خصمه تطاول
عليه وشمخ بقامته ولفظه وشعره ...

فرد عليه في آخر المحاورة رداً قوياً بقوله:

لو الشجاعة تجي من ليس زين الليوس
يمد العذاري تهوش وتقتل أشنابها
الله يعز الحكومة ركبتك الجموس
وانته منول بضاعة عند جلابها

من هذه البداية عرف الشعراء قوة (رمزنا) الشاعر محمد بن شلاح وبعدها انطلق في هذا الجانب الشعبي وصار من كبار الشعراء لما وهبه الله من قوة شاعرية وذكاء ولما أودعه فيه من بلاغة وثقافة ومعرفة بأقدار
الرجال ...

ولد ابن شلاح في بادية الشلالحة عام 1352هـ من ضواحي المهد وتربى على معالي الأمور من خلال بيت الشيخة الذي عاش في أروقته رجولة وكرماً وشجاعة واستوطن مدينة جدة وتعلم في مدارسها والتحق بدورة الضباط المرشحين وتعين برتبة ملازم وتدرج في السلك العسكري حتى وصل رتبة مقدم وطلب التقاعد المبكر للتفرغ لعمله في الإعلام الذي ظهر فيه واشتهر به وللشعر الذي نبغ في فنونه وخاصة شعر المحاورة والحكمة ...

عرف بيت الشاعر الشيخ محمد بن شلاح في جدة طيلة حياته وهو صالون يومه كبار الأدباء والشعراء لا يغلق بابه ويلجأ في جنابه ... بيت كرم وشجاعة وحسن استقبال لا يكاد يدخله أحد إلا ويخرج منه بحظ وافر من الفائدة والحكمة وحسن الاستقبال ويمثل شيخة حقيقية في مناقشة مختلف القضايا والإصلاح بين الناس وتلقين معاني الرجولة والوفاء والكرم ولعل قصيدته رحمه الله الخالدة امل الوجار وخلوا الباب مفتوح تمثل حياة ذلك (الرمز) وتمثل البيت الذي نشأ منه والأسرة التي ينتمي إليها وهو بيت كرم وشجاعة وشهامة وأسرة كريمة لها تاريخها المجيد وأصالتها المميزة قالها رحمه الله عام 1384هـ على إثر دخول رجل شمري أتى في ذلك الوقت يبحث عن ابنه في أحد القطاعات العسكرية. في مدينة جدة ووجد باب ابن شلاح مفتوحاً فدخله وهو لا يعرف صاحب البيت ولكن فتح الباب يعني الترحيب والإذن بالدخول ومن خلال سماع حديث الضيف مع من وجده من العمال المكلف بالمجلس قبل دخول ابن شلاح كان بداية ميلاد القصيدة التي خلدت وسجلت بصمة من بصمات ذلك الرجل الكريم الشهم المعطاء الشاعر محمد بن شلاح المطيري ...

والتي تعبر عن مساره وأخلاقه وتعامله مع مجلسه وضيوفه وهي مليئة بكل معاني الشهامة والرجولة والكرم والأصالة حيث قال فيها:

امل الوجار وخلوا الباب مفتوح
خوف المسير يستحي ما ينادي
نبغى الياجا نازح الدار ملفوح
وشاف البيوت مصككة جاك بادي
يقلط لديوانن به الصدر مشروح
ورزقه على رازق ضعاف الجرادي
يا تمر ما في صحة الباب مصلوح
ولا هي بلنا يا مضنة فؤادي
تصلح لمخلوقن يبي يستر الروح
ناشي عليها معتمدها اعتمادي
يا نمر لو المرجلة سدو مسدوح
كلن نقرها حر ولابرادي
لكنها من دونها المر مطروح
وارضن تبي من بذر فعلك سمادي
رجال تقصيره مع الناس مسموح
لاحيث ماله في القديمة شدادي
ورجال تقصيره مع الناس مفضوح
وكل يقول: النار تخر رمادي

وفي اعتقادي لو لم يقل أبو نمر) محمد بن شلاح سوى هذه القصيدة لكفته في ساحات الشعر وفي ميادين الأصالة والرجولة والشهامة والكرم مع أن تراثه الشعري مليء بصور البلاغة والحكمة والمواعظ والحث على مكارم الأخلاق ...

وقد أثر في شعره وحكمته ونظراته لمعالي الأمور نشأته في بيت مشيخة أصيلة متجذرة وثقافة لغوية عالية بناها بعصامية مميزة وجهود ذاتية تكونت لديه بمجالسة ذوي النهى والعقل من رجال ومجالس الحكمة والعقل والاتزان حتى
صار مدرسة لها طابعها المميز وبصمتها الراسخة... رحم الله الشيخ الشاعر العبقري محمد بن شلاح المطيري الذي خدم الإعلام قرابة خمسين عاماً وخلف في المجال العسكري أطيب الذكر حرصاً وإخلاصاً ووطنية وترك لصدى صوته في أرجاء الوطن بصمة مميزة من خلال برنامج من البادية ومن خلال محاوراته. وقصائده ولقاءاته ...

لقد غادرنا ذلك العلم (الرمز) يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ربيع الثاني عام 1426هـ وصلت عليه جموع المصلين في المسجد الحرام واستقبلته مقبرة المعلاة في مكة المكرمة رحمه الله رحمة الأبرار وأجزل له الأجر والمثوبة وأدخله فسيح جناته .....

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.